غامبيا: دولة صغيرة ودرس كبير

دولة غامبيا في غرب أفريقيا من أصغر الدول الأفريقية مساحة وأقلها سكاناً ، وتمتد ‏حدودها بالكامل داخل أراضي السنغال وحول شواطئ النهر المسمى بذات الإسم مع منفذ ‏صغير على المحيط الأطلسي ، وبذلك فإنه ليس لغامبيا جيران آخرين باستثناء السنغال. ولعل ‏الذي جعل غامبيا دولة مستقلة عن جارتها الأكبر بالرغم من التركيبة الإثنية المتشابهة هو ‏أنها كانت في الماضي تقع تحت الاستعمار البريطاني ، وأن اللغة الانجليزية اعتمدت بعد ‏الاستقلال كلغة رسمية للدولة على عكس السنغال التي تتحدث اللغة الفرنسية. عدد سكان ‏غامبيا أقل من مليوني نسمة ينقسمون على العديد من المجموعات الإثنية وأكبرها قبيلة ‏الماندينكا التي تشكل حوالي 42% من جملة سكان البلاد. وتعتبر قبيلة الماندينكا من أكبر ‏القبائل الأفريقية وهي تتوزع على تسع دول في غرب أفريقيا امتداداً من نيجيريا وحتى ‏موريتانيا ويقدر عدد أفرادها بأكثر من أحد عشر مليون نسمة. ‏
قلبت الانتخابات الأخيرة في دولة غامبيا كل المعايير التي ظلت تحكم الممارسة السياسية ‏في الغالبية العظمى من الدول الأفريقية. لم يكن ذلك بسبب النتيجة المفاجئة للانتخابات ‏وحسب ، بل وللأسلوب الذي أجريت به هذه الانتخابات ، والظروف التي أحاطت بها ، ‏والروح التي تم بها قبول النتيجة النهائية. أدت الانتخابات كما هو معلوم للإطاحة بالرئيس ‏يحيى جامع الذي جاء للحكم ، كالعديد من حكام القارة المنكوبة ، على ظهر دبابة وظل على ‏الكرسي لأكثر من عشرين عاماً. تمكن الرئيس جامع خلال هذه السنوات من إحباط كل ‏التحركات الشعبية والمحاولات الانقلابية التي‎ ‎جرت للإطاحة بحكمه المتسلط وآخرها في يناير ‏من العام الماضي عندما حاول بعض العسكريين الانقلاب عليه. كما عمل الرئيس على قمع ‏المعارضة السياسية التي وصفها في مايو الماضي بأنها “حشرة شريرة” مهدداً بأنه سيعمل ‏على سحقها ودفنها للأبد. جاءت هذه التصريحات في أعقاب مظاهرات ومواكب مضادة ‏للحكومة بسبب مقتل المعارض سولو ساندنق تحت التعذيب بواسطة قوات الأمن. ويرى بعض ‏المراقبينن أن هذه المظاهرات والجو العام الذي خلفته ربما كانا السبب وراء قبول الرئيس جامع ‏بنتيجة الانتخابات خوفاً على نفسه بعد أن أحس برغبة الشعب في مغادرته المنصب ، ‏ولقناعته بأن إصراره على البقاء في حكم البلاد قد يقود للمزيد من العنف مما يضاعف من ‏الضغوط عليه داخلياً وخارجياً.‏
من ناحية أخرى ، كان الرئيس جامع قد لجأ خلال فترة حكمه الطويلة لكل الحيل التي تلجأ ‏لها عادة الأنظمة المتسلطة للاستمرار في الحكم بما في ذلك الإعلان في ديسمبر 2015 بأن ‏بلاده التي يشكل المسلمون غالبية السكان فيها أصبحت جمهورية إسلامية تطبق أحكام ‏الشريعة في محاولة لكسب ود أفراد الشعب. غير أن كل الحيل التي لجأ لها الرئيس لم تساعد ‏فيما يبدو ، لذلك فقد يكون اعترافه بالهزيمة وتهنئة غريمه الذي فاز بالرئاسة في الانتخابات ‏التي جرت منتصف هذا الشهر نتيجة طبيعية لفشل محاولاته التشبث بالكرسي ، خاصة وأن ‏هذا الفوز الذي جاء مفاجأة للجميع لا بد أنه قد أربك حسابات الرئيس كما زاد من حيرة ‏المتابعين والمحللين السياسيين. غير أن ذلك لم يقلل بالطبع من السعادة البالغة بالنتيجة في ‏أوساط الشعب الغامبي ، والقبول الواسع الذي وجدته خاصة من جانب الدول الغربية وعلى ‏رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا بالإضافة للترحيب بقبول الرئيس جامع بقرار ‏الشعب. ولعل اتفاق كل أطياف المعارضة على مرشح واحد هو أداما بارو كان من الأسباب ‏المهمة وراء هذا الفوز المفاجئ ، فقد كانت الحكومة تعتمد فيما مضى على تشتت المعارضة ‏على عدة أحزاب والعمل على زرع الفتنة بين هذه الأحزاب عن طريق الإغراء أو التهديد مما ‏مكن الحزب الحاكم من الاستمرار في الحكم كل هذه السنوات. وقد عرف عن الرئيس جامع ‏خلال قترة حكمه الطويلة الاعتماد على الكثير من الحيل والوسائل مثل لجوء الحزب الحاكم ‏للعمل نحو التأثير على الناخبين بشتى السبل بالإضافة إلى تزوير نتائج الانتخابات نفسها. ‏من المؤكد كذلك أن الرئيس جامع وحكومته رضخوا للضغوط الهائلة التي تعرضوا لها من ‏جانب الدول الغربية لإجراء انتخابات حرة ونزيهة والاعتراف بنتائجها ، وهو أمر متوقع بسبب ‏التوجه العام نحو اللجوء لصندوق الانتخابات بسبب المد الديمقراطي الذي ساد العالم بعد ‏انهيار الاتحاد السوفيتي والشيوعية في نهاية القرن الماضي.‏
لعل الحراك الشعبي الذي انتظم غامبيا منذ أبريل 2014 والذي رفع شعار إسقاط الرئيس ‏جامع كان من الأسباب وراء النتيجة المفاجئة التي تمخضت عنها الانتخابات ، فالفائز في ‏الانتخابات وهو رجل الأعمال أداما بارو لم يكن شخصية معروفة على الساحة السياسية قبل ‏الانتخابات الأخيرة. بدأ الرئيس المنتخب حياته كحارس بسيط في أحد المتاجر الشهيرة في ‏بريطانيا ثم عاد لبلاده ليباشر نشاطه الاقتصادي في مجال العقارات. تمكن بارو في سنوات ‏قليلة من أن يصبح من كبار رجال الأعمال في البلاد ، غير أنه لم يعرف عنه أي اهتمام ‏بالسياسة في السابق. ولعل عدم انتماء أداما بارو لأي حزب سياسي من الأحزاب القائمة في ‏البلاد كان السبب وراء خوضه انتخابات الرئاسة كمستقل ، وكان وراء نجاحه في خلق ‏تحالف ضم كل الأحزاب السياسية المعارضة التي قامت بتأييده كحل وسط في إطار ‏محاولاتها المتواصلة لإسقاط الرئيس جامع ونظامه بأي وسيلة ممكنة. ويرى بعض المحللين ‏أن ذلك ربما كان مصدر قوة المرشح بارو خاصة وأن المواطنين في غامبيا كانوا يبحثون فيما ‏يبدو عن شخصية من خارج الدائرة السياسية التي لم تتمكن طوال هذه السنوات من إنقاذ البلاد ‏من وهدتها وتحقيق الأماني الكبيرة للشعب الغامبي. وإذا ما أضفنا لذلك خبرة الرجل ونجاحه ‏الكبير في مجال الاقتصاد وإدارة الأعمال ، فقد يفسر ذلك اندفاع الناخبين نحوه أملاً في أن ‏يحقق نفس النجاح على المستوى القومي مما يساعد البلاد على الخروج من المحنة ‏الاقتصادية التي تعيشها في الوقت الحاضر. وأياً كان السبب وراء فوز بارو بالرئاسة فإن ذلك ‏يجد الترحيب الحار من جانب القوى الديمقراطية في غامبيا على وجه الخصوص وفي القارة ‏الأفريقية بصورة عامة. مما لا شك فيه أن الكثير من الشعوب الأفريقية ترغب في مشاهدة ‏اليوم الذي ستتخلص فيه من ربقة الأنظمة المتسلطة على رقابها بالصورة التي تخلص بها ‏الشعب الغامبي. ومن المتوقع أن تكون التجربة الغامبية موضع متابعة ومراقبة على مختلف ‏المستويات داخل القارة وخارجها ، فنجاح هذه التجربة يعني الكثير من الأمل للشعوب ‏الأفريقية المغلوبة على أمرها والتي تعيش تحت ظل الأنظمة المتسلطة. ‏
‏ ‏
[email][email protected][/email]

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..