ثقافة وفنون

بروفايل .. الشاعر عوض أحمد خليفة عسكري في المشاعر

 

الخرطوم: محمد إسماعيل
شكّل الراحل منعطفاً بارزاً في مسيرة الأغنية السودانية:

النشأة والميلاد:

الشاعر عوض أحمد خليفة اسمه الأصلي وداعة أحمد خليفة كان ميلاده في الموردة شارع الفيل 1931. دخل الخلوة في صباه ليتعلم مبادئ الكتابة وحفظ آيات القرآن. ثم التحق بالمدراس النظامية ودرس في مدرسة الكتاب الأولية. الوسطى بأمدرمان ثم مدرسة الأحفاد الثانوية بعد اجتيازه امتحان شهادة، كامبريدج في العام 1949.. ثم التحق بكلية غردون (جامعة الخرطوم) الآن، ودرس الأدب، وتدرج في الحياة الدراسية بداية بالخلوة ورياض الأحفاد ومن ثم المدرسة الأميرية وإلى أن دخل كلية غردون التذكارية، حيث زامل في ذلك الطريق عدداً من النجوم والأفذاذ في تاريخ الحياة السُّودانية مثل عبد الله عربي ومنصور خالد والرشيد الطاهر بكر والرئيس السوداني الأسبق جعفر محمد نميري، فيما حاول عوض أحمد خليفة في مرحلة ما بعد الثانوي الالتحاق بالبريد والبرق وقد اجتاز المُعاينات وتم قبوله، إلا أنّ والده المفتش والمسؤول الكبير بالبوستة زجره وأبعده بعيداً عنها ليُواصل حياته العلمية ويخرج من جامعة الخرطوم لاختلافه مع مُدرِّس التاريخ في السنة قبل الأخيرة، وذلك لاعتقاده بأنّ الأستاذ يُدرِّس المادة وفق مُخطّط استعماري ويغفل عن الكثير من الحقائق التاريخية السودانية عن قصدٍ ليدخل بعد ذلك الكلية الحربية ويتخرج فيها ضابطاً ويتم فصله منها بعد عدة سنوات بسبب تَنظيم الضباط الأحرار الذي كان ينتمي إليه في فترة ما قبل الاستقلال، ثم تأتي ثورة مايو ويقوم ابن دفعته الرئيس الأسبق نميري بإعادته الى الخدمة العسكرية حسب أقدميته وترقيات زملائه.

أعماله الشعرية:

ومن أبرز أغنياته (ربيع الدنيا) و(صدقني) و(عشرة الأيام) و(خاطرك الغالي) للفنان عثمان حسين الذي عقد معه ثنائية فريدة، من أغنياته أيضاً (أغلى من عيني) و(كيف يهون عندك خصامي) للفنان عبدالكريم الكابلي، وتغنى له الفنان زيدان إبراهيم بـ(بالي مشغول) و(دنيا المحبة) و(في بعدك يا غالي) وغنى له الفنان الذري إبراهيم عوض (عزيز دنياي).

كما غنى له الفنان عبد العزيز محمد داوود (يا أغلى الحبابيب) والفنان أبو عركي البخيت (لو كنت ناكر الهوى)، وتعامل مع العديد من الفنانين، بأعمال ستظل خالدة في خارطة الفن السوداني.

الشعراء الجنرالات:

رغم من أن المؤسسسة العسكرية تعرف بالصرامة والشدة الا أنها ضمت بين منسوبيها عدداً من الأدباء والشعراء والملحنين ذوي الإحساس المرهف الذين ولجوا الى بوابة الإبداع مرتدين بزتهم العسكرية ومن ضمن الشعراء الجنرالات الذين عملوا بالقوات المسلحة حتى قبل سودنة رتبها العسكرية هنالك الصاغ محمود أبو بكر ومن أشهر قصائده (صه يا كنار) و(إيه يا مولاي) التي تعد من أجمل الأغنيات التي تغنى بها خضر بشير وفي مجال التلحين هنالك الرائد عصمت حسن زلفو والعقيد محجوب برير والرائد خالد الكد وعوض مرجان الذي اشتهر بتلحين المارشات العسكرية والنشيد الوطني إضافة الى محمد الفاتح كسلاوي والعميد عمر الشاعر.

نجد ان اللواء الراحل عوض أحمد خليفة من أبرز شعراء المؤسسة الى جانب اللواء عوض أحمد خليفة برز نجم العميد (م) الطاهر إبراهيم الذي يطلق عليه الكثيرون شاعر إبراهيم عوض لكونه أسهم في مسيرة الفنان الذري، وارتبطت بينهم علاقة (جيرة)، ويعتبر خليفة، من شعراء التجديد في قصيدة الغناء السوداني، وتمتاز تصوراته بالرومانسية والتعبيرية الموحية وبساطة التأليف، وعميق المعاني.

شيء من حتى:

خدم عوض خليفة فور تخرجه من الكلية الحربية في القوات المسلحة السودانية وتنقل في مختلف أقسامها حيث عمل في سلاح الهجانة بالأبيض، وسلاح الإشارة بالخرطوم بحري، والقيادة الجنوبية في جوبا وتدرج في مناصبها العسكرية حتى بلغ رتبة اليوزباشي نقيب حالياً، وفي عام 1959م تم تجريده من رتبته وفصله من الخدمة العسكرية بعد اتهامه بالاشتراك في حركة انقلاب عسكري فاشل بقيادة البكباشي المتقاعد يعقوب إسماعيل كبيدة من سلاح الإشارة البكباشي علي حامد من مدرسة المشاة ضد حكومة الرئيس إبراهيم عبود واللذان تم إعدامهما مع عدد آخر من ضباط شاركوا فيها..

عمل خليفة بعد ذلك ضابطاً إدارياً لمدة عام بمشروع الجزيرة الزراعي، ثم مفتشاً للتعاون بوزارة التجارة والتعاون والتموين وتدرج في مناصبها حتى وصل في عام 1969م إلى منصب مساعد مدير مصلحة التعاون وفي تلك الفترة التحق بجامعة القاهرة فرع الخرطوم جامعة النيلين حالياً لينال درجة دبلوم الاقتصاد، وعندما استولى العقيد جعغر نميري على السلطة في مايو 1969م أعاد خليفة الذي كان زميله في الكلية الحربية إلى الخدمة العسكرية برتبة عميد، ساهم خليفة في تطوير القوات المسلحة حيث عهد إليه بإنشاء فرع التوجيه المعنوي وإصدار جريدة القوات المسلحة وتأسيس فرع الخدمات الاجتماعية ومؤسسة قوات الشعب المسلحة التعاونية. كما أسهم في تأسيس إدارة الخدمة الوطنية وتنظيم هياكله. وترقى في عام 1972م إلى رتبة اللواء وأصبح في العام نفسه نائباً لرئيس هيئة الأركان إمداد وفي عام 1974م. ترك الخدمة العسكرية بعد أن تمت إحالته إلى التقاعد والتحق بوزارة المالية حيث تم تعيينه مفوضاً عاماً للتنمية في درجة نائب الوزير وبقي في المنصب حتى عام 1976 م، ليلتحق بعدها بمؤسسة دار الأيام ويصبح رئيس مجلس الإدارة ورئيس هيئة التحرير فيها وذلك في الفترة من عام 1976 وحتى 1978م حيث كان يحرر عموداً بصحيفة الأيام اليومية بعنوان (شيء من حتى)

إلا أن عطاءه الفني لم يتوقف لحظة، فأثرى المكتبة السودانية بأكثر من خمسين أغنية.

أهدى الى صديقه عبد الكريم الكابلي أولى أغانيه (أغلى من نور عيني) ونور هي شقيقته، وبعدها كتب لحبيبته التي لم يتزوجها (عشرة الأيام) وأهداها لعثمان حسين، بعدها ومنذ العام 61 حتى بداية سبعينيات القرن الماضي كانت ملهمته الوحيدة هي خديجة كافي (زوجته)، كتب فيها أجمل إبداعاته (ربيع الدنيا) تغنى بها عثمان حسين وغاية الآمال وعزيز دنياي اللتان أبدع فيهما إبراهيم عوض.

صلته بالفن بدأت منذ صغره وكان أساس الحفلات في بيوت الأعراس آنذاك ما يسمى (باللعبات) أو الحفلات الغنائية، كما هو معروف ولم تكن هناك ميكرفونات وكان فنانو الحقيبة كرومة وسرور وأولاد شمبات وأولاد الموردة وغيرهم مشهورين في ذلك الوقت وحفظ كل أغنياتهم بدون استثناء وكان والده يمتلك (فنوغراف)، وكان يحضر من المدرسة قبل حضور والده من العمل يستمع الى أسطوانة (عازة في هواك) لخليل فرح، فلاحظ والده أن هناك من يشغل الفنوغراف فسأله بأنه هو من يشغله ويستمع الى كذا وكذا فقال له (داير تطلع غناي) فأعطى الفنوغراف لصديق له بود نوباوي ومعه (80) أسطوانة فحزن لذلك. ثم ظهر جيل أحمد المصطفى وحسن عطية وجاء إبراهيم الكاشف من مدني كذلك جاء عبد الحميد يوسف وصديق الكحلاوي، وكان عوض احمد خليفة شاهداً على بروفات أغنية (حجبوك من عيني) عندما كان صديق الكحلاوي يلقنها للكاشف وذلك بحكم علاقته بخاله العوض أحمد فضل العازف.

ليلة من الليالي:

في ليلة من ليالي مركز راشد دياب عقدت ندوة عن أغنية (ربيع الدنيا)، تحدث فيها السر قدور وكثيرون من ضمنهم الشاعر عوض أحمد خليفة نفسه، فقال: أما عن نفسي فأنا إنسان بسيط أكتب الشعر وأعتز بأغنياتي و(ربيع الدنيا) تلك الأغنية التي نُسبت لي لم أكتبها وحدي، إنما شاركني في كتابتها الشاعر الفذ مبارك حسن خليفة

وأذكر أنني بدأت في كتابتها وأنا في القطار متجهاً نحو شندي، سألني مبارك عن آخر الحروف فأعطيته الأبيات، فاندهش لتوارد الخواطر، لأنه استجمع أبياتاً في ذات صياغ النظم أخذتها فكان هذا المزج البديع.

وفي حوار معه سأل عن أنسب الأوقات التي ينظم فيها الشعر فقال:

(أقول الشعر يا مساهر يا مسافر، وأغلب أغنياتي نظمتها في الخلاء، والكلمات التي قلتها في أوقات السفر لا تُحصى ولا تُعد، ولم أوثِّق لنفسي لأني كنت مغروراً واعتقدت أن مَلَكة الحفظ لم تنعدم، وجاء وقت نسيتها وسألت نفسي لماذا لم أعمل مذكرات وأي أغنية تمَّ التغني بها محفوظة برأسي حتى الآن، لكن التي لم يُتغنَّ بها نسيتها)!

كان عندما يأتيه إلهام الشعر لا يكتب القصيدة وإنما يدندن بها بصوت عالٍ وأغنية عشرة الأيام كتبها وهو في مدينة لندن وكان يعيش الغربة وحبيبته تركته وتزوجت بغيره فتغنى بها بصوت عالٍ داخل القطار وكان موجوداً بالقطار عازف جيتار عزف معه وعزمه على منزله وكون معه صداقة جميلة..!

عوض أحمد خليفة فتح لنفسه صفحة خاصة في كتاب الشعر الغنائي السوداني عطرها بجميل المعاني ورقيق العبارات وصدق المشاعر، وسطر بها فرائد خالدات في ذاكرة الشعب السوداني.

اليوم التالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..