مرافعة من أحد أصدقاء الحزب الشيوعي

احمد بطران عبد القادر
لا شك أن الأحزاب السياسية السودانية، وكل القوى المدنية الحرة المؤمنة بالتحول المدني الديمقراطي، ودوائر الوعي في ميادين القوى الحديثة، تعمل اليوم على إيقاف الحرب. لكلٍ رؤيته وتصوره وآلياته.
وفي خضم الجدل السياسي الدائر حول مواقف القوى المدنية من الحرب والتحول الديمقراطي، برزت محاولة لتوصيف موقف الحزب الشيوعي السوداني بـ”الازدواجية” و”الارتباك” و”التماهي مع الإسلاميين” أو الاقتراب من رؤية سلطة الأمر الواقع في بورتسودان.
استند أحد النقاد إلى مقارنة بين مذكرة الحزب للخماسية الدولية وبيانه الأخير بشأن ميثاق نيروبي. لكنها قراءة تفتقد المنهج العلمي في تحليل الخطاب السياسي، وتخلط عمداً أو جهلاً بين مستويين جوهريين في عمل أي حزب جماهيري: المستوى التكتيكي والمستوى الاستراتيجي.
والحزب الشيوعي ليس استثناء. هو حزب جماهيري صاحب خبرة، يدرك حساسية المرحلة وخطورة تأثيرها على مستقبل البلاد.
من المسلمات في علم السياسة والاتصال الجماهيري أن الخطاب ليس قالباً جامداً يُصب في كل الأوعية. بل هو أداة مرنة تتغير صياغتها حسب المخاطَب والهدف والسياق الزماني. هذا ما أرساه لين في “ما العمل؟” وطوره غرامشي في مفهوم “حرب المواقع”.
والحزب الشيوعي السوداني، بوصفه حزباً ماركسياً، يطبق هذه القاعدة لأنها من صميم أدبياته وموروثه الفكري.
ولنأخذ بيان نيروبي نموذجاً: هو بيان جماهيري موجه للداخل. وظيفته رفع سقف وعي القوى السياسية الوطنية، وتحديد البديل التاريخي، وتعبئة القاعدة الجماهيرية، ورسم ملامح “سودان ما بعد الحرب”. لغته واضحة وحاسمة، مستمدة من موروثه الأيديولوجي. يطرح رؤيته في شكل الحكم والنظام السياسي: يختار النظام البرلماني، ويقول “لا” لاقتصاد السوق المتوحش، و”لا” للتحالفات العشوائية التي لا تحسم قضايا مصيرية مثل المدرسة الاقتصادية التي ستسود في سودان ما بعد الحرب. رؤية قابلة للنقاش، وفي طياتها حلول ناجعة لإشكالياتنا المستعصية.
أما مذكرته للخماسية فهي مذكرة موجهة للقوى الخارجية المهتمة بالسودان. كُتبت بلغة دبلوماسية لفتح قنوات التواصل مع الإقليم والمجتمع الدولي، وتوضح الحد الأدنى المشترك الذي يمكن البناء عليه. جاءت بلغة مرنة وبراغماتية، وكأنها تقول: “نحن في الحزب الشيوعي السوداني نرحب بالتسهيل، نطالب بالحياد، ومستعدون للجلوس على برنامج حد أدنى”.
مطالبة الحزب بتوحيد اللغتين في خطابين مختلفين الهدف والجهة والغرض، ليس اتساقاً، بل عجز عن فهم آليات العمل السياسي والنضالي ومرتكزات الحزب الفكرية. فما سُمّي “تناقضات” هو في الحقيقة تطبيق دقيق لجدلية “المبدئي والمرحلي”.
الحزب الشيوعي في موقفه يفرّق علمياً وعملياً بين “الوساطة والوصاية”. يرحب بالدور الخارجي كمساعد في الحل وفق رؤية السودانيين أنفسهم، لا كمخطط لمستقبلهم نيابة عنهم. المذكرة طلبت “تسهيل عملية”، والبيان رفض “بديلاً للعملية”. هذا تمييز دقيق وليس تناقضاً.
أما جلوسه مع كل القوى السياسية منفردة ورفضه للتحالفات بشكلها الحالي، فهو تفريق واعٍ بين العمل التكتيكي لتخطي المرحلة، والاستراتيجي للتأسيس والبناء. الجلوس مع كل القوى السياسية والمهنية والثورية عدا طرفي الحرب للتوافق على برنامج إيقاف الحرب واجب وطني مرحلي. أما الدخول في ميثاق حكم بلا برنامج واضح فهو “تجريب للمجرّب”، ولهذا يصفه الحزب بالتحالف “العشوائي” لأنه ينتج أزمات جديدة. يجب التفريق بين العمل الطارئ للخروج من الأزمة، وبين مشروع هندسة الدولة وبنائها على أسس العدل والحرية والسلام والاستقلال السياسي والاقتصادي.
ونقد الحزب للنظام ومطالبته له بالحياد في آنٍ واحد، هو قمة الذكاء الجدلي. نهاجم النظام كنظام، لكن نطالبه في لحظات معينة بالالتزام بقواعده الشكلية. كما كنا نطالب المحاكم الاستعمارية بالعدل لا إيماناً بها، بل لفضح تناقضاتها حين تنحاز للسلطة وتجافي العدل. هذا استخدام لتناقضات الخصم لصالح الجماهير.
وترك حسم بعض القضايا للمؤتمر الدستوري، وتحديد مهام المرحلة الانتقالية بدقة، هو إقرار بأن محددات مستقبل السودان يجب أن تُصنع بوعي. الحزب يقدم رؤيته لسودان المستقبل، وهذا حق أصيل لأي حزب سياسي. الحزب الذي لا يقدم تصوراً عن الدولة التي يريد، هو حزب بلا رؤية ولا رسالة ولا هدف. والحزب الشيوعي معلوم: يمتلك الرؤية والرسالة والهدف، ولا ينقصه شيء. له تاريخ مشرق ورصيد نضالي مشرف.
إدانة الدعم السريع: السياق يحدد الأداة. في مذكرة للوسطاء بعنوان “إيقاف نزيف الدم” تُستخدم عبارة “طرفي الحرب” لعدم إغلاق باب التفاوض والحوار. أما في البيان الجماهيري تحت عنوان “كشف التواطؤ” فتُستخدم التسمية المباشرة لفضح من يتستر على الجرائم. الهدف واحد: إسقاط جماعة الحرب.
ونفي التفويض الحصري مبدأ ديمقراطي يؤكد الانحياز للجماهير ضد احتكار تمثيلهم. كما يعكس الهوية الطبقية للحزب. كل حزب يزعم قادته أنهم “صوت الجماهير”، لكن قلة قليلة تثبت ذلك بدماء شهدائها في النقابات والمصانع، كما فعل الشيوعي عبر محطاته النضالية ومواجهة الاستبداد.
الحزب الشيوعي السوداني منذ تأسيسه 1946 لم يحِد قيد أنملة عن مبادئه: ضد الاستبداد العسكري والشمولية، ضد الحروب الأهلية، مع قضايا الجماهير، مع سلطة الشعب، مع التحول الديمقراطي، مع حقوق الجماهير الكادحة.
والحزب يمتلك براعة سياسية ثورية نادرة. يجيد النضال في كل الميادين: حين يتطلب الأمر الحشد الجماهيري والتظاهر، فهو قادر عليه. وحين يتطلب الجلوس على طاولات التفاوض، فهو بارع فيه. كل ذلك لانتزاع السودان من براثن الدمار.
نعم، الشعارات وحدها لا تكفي. لكن التحليل السطحي لمواقف الأحزاب لا يشفي. والتاريخ وحده يحكم بدماء الشهداء ومواقف المناضلين، ويحدد من كان صادقاً في التعبير عن معاناة الناس، ومن كان أسيراً لقواعد المنطق الصوري الجامد.



