مقالات وآراء

عشرة ضروريات خلت في دعوة البرهان للحوار: العودة الي سودان ما قبل انقلاب ٢٥ أكتوبر مثالا

بكري الصائغ

خلال كلمة فجر يوم السبت ١٥/ أغسطس الحالي احتفالا بالعيد الثاني والسبعين للقوات المسلحة، قال عبد الفتاح البرهان، إن مجموعة وطنية من السودانيين بادرت من تلقاء نفسها بطرح مبادرة للحوار، وإنه التقى أعضاءها واستمع إلى رؤيتهم واستجاب لمطالب قدموها لتهيئة مناخ العملية السياسية، وبعدها جاءت عدة تصريحات صدرت منه خلال الاحتفال بعيد القوات المسلحة الذي أقيم بمقر رئاسة منظومة الصناعات الدفاعية في ضاحية كافوري بالخرطوم بحري، بحضور أعضاء في مجلس السيادة ورئيس الوزراء كامل إدريس وقيادات عسكرية وأمنية، وقال في احدي التصريحات، إن (الدولة ستوفر حصانة مؤقتة وضمانات قانونية وسياسية وأمنية للمشاركين في حوار تتولى إدارته آلية وطنية مستقلة، كما ستعلق الإجراءات الجنائية بحق من دُوّنت ضدهم اتهامات من السلطات، وان المجموعة المشاركة في الحوار ستعمل بوصفها آلية مستقلة لإدارة الحوار)، تعهد البرهان بتوفير حصانة مؤقتة وضمانات قانونية وسياسية وأمنية للمشاركين، إلى جانب تقديم الدعم اللوجيستي لمؤتمر الحوار، وان الإجراءات التي تتخذها الدولة في مواجهة أي من المشاركين في الحوار لا تمثل عفوا، وإنما وقفا مؤقتا للإجراءات الجنائية بحق من دُوّنت ضدهم اتهامات، موضحا أن ذلك يوفر لهم حصانة مؤقتة خلال المشاركة في الحوار من دون إسقاط حقوق أصحاب البلاغات.

تصريحات البرهان الكثيرة ووعوده التي جاءت في كلامه عن الحوار مع المكون المدني والتنظيمات والأحزاب السياسية، قد خلت تماما من عشرة شروط واجبة التنفيذ لإنجاح الحوار، لبد تعمد البرهان عن عمد ومع سبق الإصرار – كعادته- تجاهل مطالب شعبية ملحة وضرورية، استشهدوا من اجلها عشرات الالاف من خيرة أبناء الوطن بعد انقلاب ٢٥/ أكتوبر ٢٠٢١، فما هي هذه الضروريات التي رفض البرهان التصريح بها وتجاهلها عن عمد؟!!

أولا:- كان الواجب علي البرهان قبل كل شيء لإثبات نيته الصادقة في إنجاح حوار سوداني- سوداني، ان يبادر قبل كل شيء بقبول فكرة العودة الي المفاوضات القديمة التي توقفت ما بين العسكر والمكون المدني- قبل خمسة أعوام مضت بسبب الانقلاب- والتي توقفت تحديدا في يوم الاثنين ٢٥/ أكتوبر ٢٠٢١ ، وان تعود نفس الأجواء السياسية التي كانت كانت سائدة وقتها بين الجانبين العسكري والمدني.

ثانيا/- كان الواجب علي البرهان ان يصرح وبكل رحابة صدر، أنه يقبل بنص الاتفاق السابق الذي ابرم بين العسكر والمكون المدني، بخصوص تقسيم السلطة بين الطرفين، وان حكم مجلس السيادة يؤول أولا للعسكر وبعدها للمكون المدني، وانه يقبل بتنفيذ ما تعهد به الطرفين.

ثالثا/- الغاء كل القوانين والتوجيهات التي صدرت ضد الشعب والمكون المدني بعد انقلاب أكتوبر ٢٠٢١ – والتي هي مع الأسف الشديد- ما زالت سارية حتي اليوم، وأن المواطن يجب ان يتمتع بكامل حقوقه السياسية والاجتماعية، وعنده الحق في التعبير والكلام بدون قيود او مراقبة، وحق اعتناق الآراء دون تدخل أو مضايقة من أحد، ونقل الأفكار وتشمل حرية البحث عن المعلومات، وتلقيها، ونقلها للآخرين بأي وسيلة، وعقد الاجتماعات، والاعتصامات، والاحتجاجات الواقعية أو عبر الإنترنت ، وحماية الصحفيين والمراسلين، ويُعتبر الصحفيون والمراسلون المستقلون أشخاصاً مدنيين يجب احترامهم وحمايتهم، ولا يجوز الهجوم عليهم ما داموا لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية، احترام حرية الأديان وحقوق الأقليات.

رابعا/- من اجل إنجاح الحوار السوداني- سوداني، لا يعقل اطلاقا ان تكون هناك “قوائم سوداء” تم فيها ادراج أسماء عشرات الالاف من المعارضين للوضع العسكري القائم في البلاد، وهي قوائم يزداد كل يوم فيها عدد صفحاتها ومحفوظة عند جهاز الاستخبارات العسكرية وجهاز الامن الوطني، وفي وزارة الداخلية، وبالموانئ والمطارات، واغرب ما في هذه “القوائم السوداء”، انها خلت من أسماء السياسيين الذين فروا من سجن كوبر، أمثال: علي عثمان، نافع علي نافع، عوض الجاز، أسامة عبدالله !!، ولكي ينجح الحوار ويحقق أهدافه، لابد ان يتم الغاء هذه القوائم، وعدم تعرض من دخولها للملاحقة والمراقبة.

خامسا/- أن يتعهد البرهان ومن معه من جنرالات بعدم التدخل في مسار جلسات الحوار بين الطرفين العسكري والمدني، والا يقرب لا من بعيد او قريب، ولا يزج بأنفه في شانها بهدف التأثير وفرض ضغوطات، وان يسمح للصحف السودانية والأجنبية نشر تفاصيل كل ما يدور في جلسات الحوار واطلاع الشعب علي اخر المستجدات بدون تدخل من السلطات الأمنية.

سادسا/ (أ)- من اكبر العقبات التي ستعرقل وجود حوار سوداني – سوداني، وتعتبر “العقدة امام المنشار”، ان مبادرة رئيس مجلس السيادة بخصوص الحوار ترافقت في الوقت ذاته مع إعلانه، في الخطاب نفسه، رفضه لأي سلام يعيد «قوات الدعم السريع» ومسانديها إلى السلطة، مؤكداً أن طريق السلام يبدأ بإلقاء هذه القوات أسلحتها وتجميع عناصرها في مناطق محددة ، وإلا فإن الجيش سيواصل العمليات العسكرية ضدها، وبالطبع لن تلقي قوات “الدعم السريع” سلاحها، وهنا لابد من وجود مرونة وقابلية في عدم الاعتراض علي وجود وفد من “الدعم السريع” للمشاركة في جلسات الحوار ، فقد سبق لها ان شاركت في مؤتمرات كثيرة مع الوفود الحكومية قبل الحرب وما بعده، وما جلسات مؤتمر جدة والمنامة ببعيدة عن الاذهان.. لن ينجح الحوار اذا تم استبعاد قوات “الدعم السريع”، والبرهان وبقية الجنرالات وشخصيات المكون المدني يعرفون هذه الحقيقة.

(ب)-ملحوظة:- اذا كان الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين في عام ١٩٤٥ وتماما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، جلس مع عدوه اللدود الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، والبريطاني تشرشل والفرنسي ديجول من اجل سلام دائم يعم العالم، وفي عام ٢٠١٩ قام الرئيس الأمريكي ترامب بزيارة كوريا الشمالية والتقي هناك بالرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ بهدف إحياء المحادثات النووية المتعثرة وإظهار الصداقة بين البلدين… فما الذي يمنع لقاء البرهان ب”حميدتي” من اجل سلام في بلد انهكته مرارة الحرب والاقتتال؟!!

سابعا/- جاء في الصحف، ان البرهان كشف أيضاً عن (موافقته على «حصانة مؤقتة» توقف الإجراءات الجنائية بحق المشاركين طوال فترة الحوار، مع حصانة دائمة للآراء والمواقف التي يطرحونها داخله)، ولكن من يعرف البرهان عن قرب خلال السبعة أعوام الماضية، يعرف انه متقلب في سياساته وتوجيهاته، وغير مستقر في قراراته وتصرفاته، وانه اعدم الكثيرين وسجن عشرات الالاف من المعارضين، لذلك لا احد يؤمن بصدق البرهان ب”الحصانة المؤقتة” الزائفة، وانها مكيدة يجمع فيها المعارضين.. والسؤال المطروح بقوة في وجه البرهان: “لماذا حصانة مؤقتة وليس الغاء فوري توقف الإجراءات الجنائية”؟!!، وما هو المصير الذي سيلقاه المشاركين اذا فشل الحوار؟!!”.

ثامنا/- من أهم الضروريات لإنجاح الحوار، ان يتم الإعلان عن “هدنة” تسري في كل مناطق البلاد، وغير محددة بزمن، يتم خلالها وقف كل أنواع التصعيد العسكري والأمني، ووقف القتال، وفتح الطرق ما بين الولايات لعبور شاحنات الإغاثة للمناطق المتضررة بالجوع والامراض، وإزالة الحواجز العسكرية وفرض الرسوم والاتاوات.

تاسعا/- الشيء المعروف، ان مئات الاجتماعات التي سبق ان عقدت من قبل بين العسكر والمكون المدني، والمقابلات والندوات المحلية وخارج السودان كلها قد باءت بالفشل بسبب تعنت الوفود العسكرية ورغبتها في فرض شروطها، والسؤال المطروح بقوة قبل بدء جلسات الحوار: هل هناك فرص ضمان اكيد في إنجاح الحوار، في ظل بلد يحكمه العسكر واستأثروا بكل ما فيه وفرضوا سيطرتهم بالكامل؟!!، وهل بالفعل سيسعون هؤلاء العسكر لإنجاح الحوار، وهم الذين قالوا من قبل واعلنوها صراحة، ان البرهان هو الرئيس القادم للبلاد لفترة حكم تمتد لعشرة اعوام؟!!

عاشرا/- لم يصرح البرهان من هم الذين سيشاركون في الحوار الوطني، هل هم عرب الشمال الذين تعودنا علي رؤيتهم منذ عام ١٩٨٩، ودون مشاركة الشخصيات السياسية الشهيرة في دارفور وكردفان وبجبال النوبة؟!!، وماذا عن رؤساء الحركات المسلحة، هل عندهم دور في الحوار، ام كما لمسنا من قبل في كثير من الندوات المحلية والدولية لم يكن لهم أي وجود؟!!،البرهان لم ينطق ولا بكلمة عن الحركة الاسلامية وعن فلول النظام السابق وان كانوا سيشاركون في الحوار؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..