نضال البيبسى وعبقرية المقاومة !

الشعوب عموما لديها اساليبها ونماذجها فى المقاومة ، غير انه ومن خلال التجربة التى تابعتها عن قرب ، فان للشعب السودانى عبقرية متفردة فى اكتشاف واستخدام مثل تلك الاساليب والنماذج . وربما لو استرجع بعضكم تجارب النضال ضد دكتاتوريات حكم عبود ونميرى لوجد أمثل حية . وبما ان الانقاذ نوع خاص من الدكتاتوريات فقد تفتقت عبقرية الشعب عن مايقارعها من اشكال النضال ، التى قد تبدو للبعض حتى تافهة ، ولكنها لو أخذت فى وقتها وفعاليتها لثبت العكس . واليكم هذا النموذج الذى حدث مع بدايات حكم الانقاذ .
الانقاذ فى بداياتها ، وهى تحاول أظهار ملمحها الاخلاقى الدينى ، كانت تتشدد فى بعض نواح غير اساسية ولكنها كاشفة ، فمثلا ، لوتذكرون ، ان الحفلات الغنائية قد حددت لها شروط : ان تنتهى فى الحادية عشرة ليلا على الاكثر ، وان يكون جنس الرجال فى جهة وجنس النساء فى جهة أخرى ? فى ماعدا الاسر ?واذكر انه فى تلك الايام ذهبت وأسرتى لحضور حفل لمجموعة عقد الجلاد أقيم باستاد الموردة الرياضى . أدخلنا مع زمرة الاسر فى البداية ، ولكن ما ان ابتدأ الحفل حتى اختلط الحابل بالنابل ، فالذين “يبشرون “لم يكونوا بالضرورة يعودون لاماكنهم التى تحركوا منها ، وبالطبع لم يتمكن مراقبو الحفل من فرز الكيمان اذانها اصبحت مهمة شبه مستحيلة !
غير ان النموذج الذى اشرت اليه فى العنوان ب ” نضال البيبسى ” هو الذى يكشف جزء من العبقرية الماكرة لمن قام به ولمن فهمه توا : ايضا فى حفل لعقد الجلاد ، وهى فرقة جاءت فى ذلك الزمان لتثبت ايضا جانبا من تلك العبقرية المتمثلة فى اغانيها التى تقبل الفهم على هوى الشعب المغلوب وقتها . فى ذلك الحفل تقدم أحد الشباب نحو مسرح الغناء ووقف فى مكان يراه جمع المتفرجين وهو ممسك بزجاجة بييبسى ، ولم يفعل غير شربها فى موقعه ذاك وهو يتمايل سكرا ! وضج المكان بتصفيق المتفرجين الذين فهموا مايرمى اليه !
هذا ما حدث فى ذلك الزمان الاغبر ، ولكن الايام مضت ليصبح الغناء واصحابه أحد اسلحة السلطة فى الالهاء والرقص ايضا بعد الخطب الحماسية التى يطلب فيها الجهاد ! بل وأصبحت السلطة تكرم بعض المغنيين الاحياء منهم والاموات ، مع ان الذى حدث هو ان أغلب ذلك الغناء قد هبط هبوطا استدعى تبرأ بعض اصحابه منه . وكان آخر دليل على تخلى السلطة عن تشددها فى أمر الغناء وحفلاته أن أعدت ثمانية أماكن لحفلات رأس السنة بشرط ان تنتهى قبل الفجر !
واليوم ، وقد نفذت كنانة السلطة من الفنون والالاعيب ، ووصلت روح الشعب الحلقوم ، واصبح خروجها مسألة وقت ليس الا ، فان توالى العبقريات النضالية الشعبية سيدهش القريب والبعيد ، وسيجعل الذين ظنوا انه شعب قد مات يعيدون حساباتهم ، اذا اسعفهم الوقت لذلك!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..