سفراء بريطانيا

قبل ثلاثين عاماً أي قبل وصول حكومة الإنقاذ إلى سدة الحكم بعامين، كان هناك العشرات من المتطوعين البريطانيين الشباب ذكور وإناث يٌدرسون اللغة الانجليزية في المدارس الثانوية في جميع أنحاء السودان. أول ما وصلت الإنقاذ اختفوا جميعاً وأعتقد أنَّ الحكومة هي من أرادت ذلك، وأظنُّ من أولئك المدرسين كان السفير البريطاني الحالي مايكل أرون الذي قيل إنه درَّس في مدرسة الدامر الثانوية، وقيل إنه حين زارها بكى، وكلهم إن زاروا مدارسهم تلك سيبكون عليها. كل أولئك المتطوعين هم الآن في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات من العمر وأظنهم يعملون الآن في أفريقيا والوطن العربي، فهي تصنع من شبابها سفراء في وقت مبكر ليمثلونها لاحقاً خير تمثيل، تلك هي سياسة بريطانيا التي استعمرت السودان وخرجت منه بمحض إرادتها قبل ستين عاماً ونيف، وما زلنا نقف حيث تركتنا. السفير البريطاني مايكل أرون انتهت فترته بالسودان وسيسلم المهام لغيره بعد أسبوع، وسنكتشف أيضاً أن القادم له علاقة ما بالسودان، فتلك هي سياسة الدول التي تملك هدفاً ورؤية تنفذها الحكومات كما هي، وتدرب مواطنيها دون تمييز سياسي أو عرقي ليخدموا بلدهم في المستقبل، وتنشر ثقافتها وتجعل مواطنيها يتعلمون لغات غيرهم ويطلعون على ثقافاتهم بكل ود ومحبة، عكس حكوماتنا التي تحكم بلا رؤية ولا هدف ولا تراعي إلا مصالح من هم في السلطة، وخاصة الإنقاذ التي لها تاريخ في قمع الثقافات وإضعاف اللغات بما فيها لغتنا الأم. وبالمناسبة قبل أيام احتفل المركز الثقافي البريطاني بإكمال عامه السبعين في السودان بالتعاون مع أعرق الجامعات السودانية، وكما هو معروف المركز يقدم خدمات تعليمية مميزة. السفير البريطاني كتب رسالة رقيقة للشعب السوداني نشرتها السفارة البريطانية في موقعها على الفيس بوك، أعرب فيها عن حزنه لمغادرة السودان بسبب انتهاء فترته، طبعاً إن كان واحداً من المؤتمر الوطني كان (كنكش) وفعل المستحيل ليمنح فترة ثانية، فالفسير عندنا يظل سفيراً سنوات طويلة وبعد ذلك (يقلعوا بالتحانيس)، ولكن هو سفير بريطانيا كل الناس تحت إمرة الدستور والقوانين. السفير البريطاني قال في رسالته إنه متفائل بمستقبل السودان بسبب الشعب، باعتباره أهم ثروة وليس الذهب ولا الصمغ ولا خطوط الأنابيب أو أي شيء من هذه الأشياء عندما نتحدث عن مستقبل البلاد المورد البشري هو المهم، ولأنه دبلوماسي لم يقل إنه يخشى على السودان وشعبه من الحكومة الحالية، كذلك قال السفير في رسالته إنه معجب بالتفاني والخبرة التي يمتلكها العديد من السودانيين الذين التقاهم في فترة وجوده بالسودان. وقال إذا نظرنا إلى الخارج نرى سودانيين يديرون عمليات (ضخمة)، مما يعني أن السودان لديه موارد بشرية يمكن أن تجعل منه مكاناً ناجحاً جداً. هذا الكلام الرائع والحقيقي عن الشعب السوداني يعرفه كل العالم ومعترف به بل ويفتح للسودانيين مجالات العمل مشرعة، إلا حكومة السودان لا تطيق هذه الخبرات ولا تهتهم بهذا المورد الهام، ولذلك تجمع حولها الضعفاء وأنصاف المتعلمين والمرضى النفسانيين. وما الدمار الذي وصل إليه السودان اليوم إلا بسبب هؤلاء الذين مكنتهم من مفاصل الدولة وهم عاجزون. شكراً للسفير البريطاني وشكراً لبريطانيا التي تعرف كيف تنشر ثقافتها وتجعل كل مواطن سفيراً، وتقدم لحكوماتنا الدروس مجاناً ولكن يؤسفنا أنَّه يستعصى عليها الفهم دائماً.
التيار



