مدفع المكسيم … ملحمة كلكامش … الألياذة

يعتبر التراث رمزا للهوية و الإنسانية الخاصة بالشعوب ، و يساهم في تعزيز الروابط ما بين الماضي و الحاضر و المستقبل ، يساعد علي استمرارية المجتمعات ، يهتم بالأماكن و الأشياء التاريخية التي لا يمكن التخلي عنها ، و الاهتمام به يعزز الثقة و المعرفة للأفراد لذا يجب الاهتمام بزيادة الوعي حول التراث و المحافظة عليه ، و يمكن القول انه يساعد في زيادة التماسك الاجتماعي و عزيز السلام . وهو من جانب آخر يساهم في دعم الاقتصاد في ما يختص بالسياح . ولأهمية التراث بالنسبة للعلوم الاجتماعية الإنسانية ظهر ما يعرف بالتحقيب و هو يقصد به تقسيم التاريخ لحقب لتتم دراستها كل فترة بمعزل عن الاخري و الاستفادة من هذه الاثار و التراث ، التحقيب من بين الوسائل الضرورية لتأطير و تنظيم احداث الماضي بهدف الوقوف علي معانيها و مدلولاتها التاريخية الحقيقية ، و التحقيب يعمل بقدر الإمكان علي أفهام الناس لكل شئ يرتبط بالماضي من فنون و علوم و شخصيات و مواقف و غيرها من الاهتمامات البشرية ….
مسألة التراث أصبحت هاجسا للعلاقة الجدلية بين ثقافتنا ، تراثنا و حضارتنا و هي بالتأكيد تحتاج الي ضرورة اعادة استغلال تلك الأماكن بما يتناسب مع معطيات المرحلة التي نعيشها وذلك عن طريق تفعيل المؤسسات و المراكز البحثية التي تعني بالتراث و تاريخ البلاد و هذا مدخل هام للاهتمام بترميم و صيانة الاثار و المباني و المواقع الاثرية و المقتنيات الاثرية ، فالمتحف يخدم المجتمع الإنساني بجمع و حفظ التراث و المقتنيات الاثرية و تطويرها من اجل التعليم و الترفيه ، و هنا يمكن القول بان يتم صون للتراث بمجمله و الحفاظ عليه ، و التذكير بالدور الحيوي الذي تقوم به المتاحف في التفاعل بين الطبيعة و الثقافة . و من الأهمية بمكان عرض المقتنيات و الاثار للجمهور بصورة تليق بأهميتها و خصوصيتها و مكانتها خصوصا الاهتمام بالمتاحف التاريخية ، لا سيما و ان الأجداد سقوا هذه الأرض بدمائهم و عرقهم و أصبحت هذه الآثار شاهدة علي اصالتهم ، و هنا من الواجب ضرورة التوثيق و التصنيف لتلك الأماكن لأنها تعبر عن تاريخ الانسان ، فلا يمكن نسيان الماضي لذا من الضروري البحث عن المرتكزات الأساسية للذاتية التراثية ….
ملحمة كلكامش هي ملحمة سومرية مكتوبة بخط مسماري قبل الميلاد و احداثها في منطقة نينوي بالعراق في زمن الاشوريين و كتبت علي الواح و تم تصنيفها كأقدم قصة كتبها الانسان ، كلكامش هو شخصية اسطورية كان ملكا لمدينة اوروك ظلم أهلها و بطش بهم ، ثم كان هناك غريم له تصارعا و تصادقا و كانت بينهم مغامرات كثيرة ذهب كلكامش للبحث عن أسباب الخلود الدائم فبحث ووجد اعشاب لديها مفعول سحري لكنه فقدها و عند رجوعه لمدينة اوروك اقتنع في قرارة نفسه ان الخلود الذي يبحث عنه و يخلد اسمه هو السور الذي بناه حول المدينة و بعد فترة وجيزة يموت كلكامش و يحزن عليه اهل أوروك بعدها مباشرة . القصة طويلة و تحكي عن فترة زمنية قبل التاريخ ، لأهميتها تم الاحتفاظ بها و دراستها بعمق و أصبحت من التراث العالمي هذه القصة ، فهذه الملحمة من اقدم النصوص الإبداعية التي عرفها تاريخ المعرفة البشرية ، بقدر ما عبرت عن إشكالية وجودية تتعلق بزمنها ، أن إشكالية الحياة و الموت هي الموضوع الأساسي ، الملحمة تعتبر تقدم اسطوري و خرافي في الماضي ، و لا زال كثيرون من بني البشر يبحثون عن حلول لمشاكلهم الحياتية في ما هو اسطوري و خرافي ….
الالياذة التي تنسب كتابتها الي الشاعر الاغريقي هوميروس عن حرب طروادة في القرن الثامن قبل الميلاد ، و اعتبرت اشهر ملاحم الشعوب القديمة قاطبة ، غير انها ما زالت حاضرة ليس ببذخ بنائها الفني فحسب ، و أنما بما طرحت من قضايا مثل البطولة و التضحية و الحب و علاقة المرء بوطنه و ما الي ذلك من قضايا و جودية ، الالياذة تمتعت بجمالية السرد الشعري و أظهرت الشرف و الشجاعة الوجه الاخر للحرب و المعبرة عن السلام ، و هي قضايا لم تزل حاضرة هي الأخرى في حياة الانسان ، و الجدير بالذكر تمت ترجمة الالياذة الي كل لغات العالم تقريبا ….
و هنا يمكن ان نذكر علي هذه الصعيد عددا كبيرا من الاعمال الإبداعية ، ليس في الكتابة فقط بل النحت و الموسيقي و الرسم و العمارة ، فالاهتمام بالإبداع في كل مناحي الحياة مستمر لتعطش النفس البشرية لمعرفة الماضي بكل شيء فيه و استحضار هذه التجارب و النماذج الجميلة في كل مناحي الحياة في الوقت الحاضر و جعلها موضوعا للدراسة و استلهام دروس مفيدة ، فما زلنا نقرأ المعلقات السبعة ، مؤلفات ابن خلدون و الرازي و ابن سيناء و ابداعات شكسبير الأدبية ، و مازال الملايين من الأشخاص يزورون المتاحف و المدن الاثرية ، لمشاهدة ما انجزه الانسان في الحقب التي عاشها و آلت في ما بعد الي هذا الفضاء المعرفي الذي ينقل الماضي الي الحاضر و الي المستقبل ….
من المؤسف حقا ان نسمع بسرقة مدفع المكسيم من المتحف ، و هذه ظاهرة خطيرة و حادثة تستحق الوقوف عندها طويلا ، فهل فقد الناس الوطنية لهذه الدرجة ام ماذا أصاب العقل الجمعي ؟ ، فسرقة الاثار هذه ظاهرة قديمة و هنالك من يدفع لاقتناء الآثار لكن ان يصل الامر لسرقة مدفع فهذا امر جلل ….
المدفع المكسيم الذي اخترعه السير هيرام مكسيم ، استجلبه الانجليز معهم في حملة هكس باشا التي أرسلت للقضاء علي الثورة المهدية في بدايتها و كان هناك اهتمام كبير بهذه الحملة من ناحية إعلامية لان الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس لم تعرف طعم الهزيمة الا من هؤلاء الدراويش ، و تريد ان ترجعهم لبيت الطاعة لكن هيهات فلقد استعصي عليهم الامر بهزيمة نكراء . تحرك هكس بحملته من امدرمان بمحاذاة النيل غربا و من مشارف الدويم اتجه غربا لسهول و فيافي كردفان “الغرة الخيرها جوه و بره ” ، و هنا نلمح تفتق ذهنية المهدي الذي اتخذ من الأبيض عاصمة له ، فتحرك لغابة شيكان المنطقة المختارة لتدمير العدو ، العبقرية كانت في تطبيق مبادئ الحرب التي تدرس الان و هي المفاجأة و الحشد و الاستطلاع الاستخباري و العمل التعرضي الازعاجي و الاستفادة من طبيعة الأرض الجغرافية علي طول مقتربات العدو ، نجح الامر مع اتباع سياسة حرق الامر و انخفضت المعنويات لجنود هكس و اصابهم الإرهاق ، و التكتيك الذي استخدمه المهدي نجح في تحديد زمان و مكان المعركة الفاصلة ، فشيكان ملحمة سودانية خالدة و مقبرة للغزاة الباغين التقت فيها عبقرية القيادة و تخطيطها الاستراتيجي المتقدم بتصميم شعبي سوداني جارف لمقاومة المحتل ، و هنا يحق لكل سوداني الافتخار و الاحتفاء و الاحتفال بهذه الملحة البطولية الرائعة و التي عبرت عن النبوغ و التفوق و قراءة الموقف بصورة جيدة ، هذا ما اذهل الانجليز الذي اعترفوا بانهم تم اذلالهم و الانتصار عليهم في حادثتين فقط في كل تاريخهم العسكري المليء بالانتصارات و الحادثتين هما قتل غردون و إبادة و تدمير حملة هكس . هكس كان يتصف بانه جنرال مغرور و متغطرس و الاعتزاز بنفسه فالعهدة علي الراوي كان يقول اثناء تقدمه لشيكان ” بأن جيشه كان قادرا علي دك الأرض بأحذيته و رفع السماء بسناكي البنادق ” و أيضا في احدي رسائله قال هكس ” أن بعض الرجال يولدون عظماء و بعضهم ينتزع بأعماله في الحياة و لكني اعتقد أنني سابقي عظيما طوال حياتي ” . تم تدمير الحملة عن بكرة ابيها و الاستيلاء علي كل المعدات و من ضمنها المدفع المكسيم الذي تم وضعه في متحف شيكان ، و هنا رمزية للانتصار و الشجاعة للجندي السوداني علي مر الحقب و التاريخ ….
سرقة المدفع جريمة كبيرة ، و كل الشعوب تحاول ان تحافظ علي تاريخها و تراثها و تعلمه للأجيال في المدراس و الجامعات لتزيد من معدلات الوطنية في نفوسهم ، فهذه المعركة التي دارت ابرزت صورة نادرة لشجاعة السودانيين الذين تغزل فيهم تشرشل ، و قال فيهم ” لقد انتزع السودانيون حريتهم بفضل بسالتهم المقترنة بشجاعة وبراعة قائدهم الورع ” و هذه من الأمور النادرة لان الانجليز لديهم عزة نفس و قليلا ما يشيدون بشعوب لكن انتصار المهدي عليهم تركهم يعترفون بشجاعة و بسالة الجندي السوداني و هذه مفخرة لنا جميعا ، و كانت شيكان مثالا رائعا لإبداع الفن العسكري في مزج الخيال و التخطيط بواقع التنفيذ و التطبيق ، فالأجداد نزفوا الدماء لطرد الأعداء و استولوا علي المكسيم و يأتي احفادهم ليسرقوا المكسيم و يبيعونه بثمن بخس ، ما هذا الهراء و الدونية و عدم الاهتمام بالوطن و تراثه ، فلا ادري ما الهدف من السرقة هل هناك دولارات يسيل لها اللعاب من مشتري جاهز أم ان الامر فيه غموض نتمني ان تفك طلاميسه السلطات و عدم اهمال الامر و الاستهتار كما تعودنا في عدم الاهتمام بالقيم و المورثات فالمدفع هو تراث سوداني بصورة عامة و مفخرة للعسكرية بصورة خاصة . و من المفيد تخصيص برنامج في الإذاعة التلفاز لتوعية و تثقيف الشعب بالتراث و المقتنيات الاثرية و المحافظة عليه لأنها ثروة قومية ملك لكل الأجيال ، الدول تهتم بالتراث و التاريخ و تحافظ علي المناطق الاثرية و تسجيلها في اليونيسكو للحفاظ عليها و ابراز أهميتها و قيمتها ….
الشاعر عمر محمد الشيخ يفتخر بشجاعة الرجال في شيكان فيقول :
لموا في الحـملة الابوها
سففوا هكــــــس الترابها
و كل فارس في سبيلها
كان بيقول للموت حبابها
الشاعر الهادي ادم يقول في احداث توريت و التذكير بالمكسيم :
انسيتي مذبحة النوير و رميهم بالمسكمي
فستعلمين و تندمين و لات ساعة مندمي
الشاعر عمر البنا في اغنية الاهيف يشبه ببلاغة جميلة تأثير العيون بعمل المكسيم فيقول :
لو مر نسيم يتمايل غصنك منه مقيسيم
بنار الفرقة قبل الحاظك ما رأيت يا وسيم
الأعــــين تفــــعل فــــــعل المكسيم
[email][email protected][/email]



لاتذكر معرنة شيكان الا مقرونة بقصيدة الشيخ محمد عمر البنا والد الشاعر عمر البنا الذى اشرت اليه , والذى ارتجلها امام الجيش وفى حضرة المهدى قبيل المعركة بلحظات واصبحت احدى الياذات التاريخ السودانى و يبلغ عدد ابياتها اكثر من مائتى بيت ومطلعها :
الحرب صبر واللقاء ثبات والموت فى شأن الاله حياة
لاتذكر معرنة شيكان الا مقرونة بقصيدة الشيخ محمد عمر البنا والد الشاعر عمر البنا الذى اشرت اليه , والذى ارتجلها امام الجيش وفى حضرة المهدى قبيل المعركة بلحظات واصبحت احدى الياذات التاريخ السودانى و يبلغ عدد ابياتها اكثر من مائتى بيت ومطلعها :
الحرب صبر واللقاء ثبات والموت فى شأن الاله حياة