الدكتور أسامة أحمد عبد السلام .. أبرز ?داعشي? خلف القضبان

على نحو مفاجئ وبهدوء، أوقفت السلطات الدكتور أسامة أحمد عبد السلام (45) عاماً، العقل المدبر لخليتي (السلمة) و (الدندر)، وبحسب مصادر موثوقة من داخل التيار السلفي الجهادي التي أكدت لـ?التيار? أن السلطات اقتادت أسامة أحمد عبد السلام، قبل عدة أيام من غير توضيح الأسباب التي قادت لاعتقاله، ولم يتم إبلاغ أسرته بالواقعة، ويعد أسامة أحمد عبد السلام ? رغم ابتعاده عن الأضواء ? من أبرز العناصر التي ارتبطت بتنظيم القاعدة قبل نحو 15 عاماً، قبل انتقاله المفاجئ، ليكون ضمن أشهر الكوادر التي يشار إلى قدرتها في استقطاب الشباب وطلاب الجامعة وجذبهم بهدف الانضمام لداعش، وعرف عنه تأسيسه لخليتي السلمة والدندر بعد إقناعه للعديد من العناصر لتشكِّل رصيداً للمجموعتين المتطرفتين.
الشاب الغامض:
معلومات شحيحة ونادرة للغاية عن أسامة عبد السلام، الشاب الذي تلف حياته الغموض، وحتى الآن لا تتوفر أية معلومات عن حياة الرجل الذي أنهى دراسته الجامعية بكلية البيطرة بجامعة الخرطوم، ولم يعرف عنه في فترة الدراسة أي انتماء عقائدي أو سياسي، بل العكس تماماً حيث كان الشاب مبتعداً عن دائرة الاستقطاب والتجاذب السياسي، وتشير معلومات تحصلت عليها ?التيار? أن أسامة استطاع تحقيق إنجاز أكاديمي في وقت مبكر بنيله لدرجتي الماجستير والدكتوراة في تخصص نادر في مجال الكيمياء الحيوية والعضوية، ثم غادر الخرطوم متوجهاً للولايات المتحدة الأمريكية التي لم يستقر بها فترة طويلة نظراً لوقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 ، التي أحدثت تغييراً كبيراً في مسيرة حياته، ومن واشنطن أعلن التحاقه بتنظيم القاعدة وبعد عودته للخرطوم سافر للعراق للقتال جنباً إلى جنب مع القاعدة (بلاد الرافدين) التي كانت تحارب تحالفاً للقوات الأوروبية والأمريكية، حيث أتاحت له فرص وجوده بالعراق إلى جانب الفصائل المتطرِّفة، وتعرَّف على كثير من المقاتلين من جنسيات ودول متعدِّدة، وراقت له فكرة محاربة الأمريكان انطلاقاً من الخرطوم، خاصة بعد أن قطع أسامة عبد السلام، الذي يسكن بحي الرياض شرقي الخرطوم وظيفته كمحاضر جامعي في إحدى مؤسسات التعليم العالي بجنوب البلاد، وتفرَّغ لإدارة نشاطه الخاص بتجنيد الطلاب والشباب لصالح مشروع ضرب المصالح الغربية بالبلاد، وهو الذي استطاع اصطياد عمر، نجل الشيخ عبد الحي يوسف حينما كان أسامة مقرَّباً من عبد الحي يوسف، وأحد رواد مسجده بحي الدوحة بجبرة جنوبي الخرطوم، فمن عاصروا أسامة أكدوا أن الشاب محب للمغامرات وكثير الحركة والنشاط بجانب أنه يمكن وصفه بأنه كادر تنفيذي وحركي .
فوق برميل بارود:
كانت البلاد في الأعوام التي تلت اتفاقية سلام جنوب السودان في العام 2005 تعيش في ظل مناخ فيه الكثير من الاضطرابات والتغيُّرات في المشهد السياسي المحلي والإقليمي ? خاصة بعد إرهاصات مقدم القوات الأجنبية وقوات حفظ السلام والجيوش المختلطة التي كان من ضمن مهامها حفظ السلام في دارفور، علاوة على تدفق المبعوثين الدوليين وانتشار وكالات العون والإغاثة العالمية العاملة في المجال الإنساني بعدد من مدن البلاد وداخل معسكرات النازحين، فخلقت هذه التطوُّرات مع ما صاحبها من ارتفاع أصوات دعاة السرورية أمثال (عبد الحي يوسف / محمد عبد الكريم / مدثر أحمد إسماعيل وعلاء الدين الزاكي) مناخاً أغرى بعض الشباب للاتجاه لاستهداف الوجود الأجنبي بالبلاد في مستوياته المختلفة المدنية والدبلوماسية والعسكرية، فظهرت فتوى شرعية قضت بـ(جواز مقتل رئيس بعثة الأمم المتحدة في درافور والبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة يان برونك)، حيث تم رصد جائزة مالية وحافز كهدية لمن يقوم بتنفيذ عملية اغتيال برونك ثم تطورت هذه التفاعلات التي أدت لتأسيس ما كان يعرف بخلية السلمة في العام 2007 التي قادها أسامة أحمد عبد السلام بمعاونة شركاء آخرين في مقدمتهم عمر نجل الشيخ عبد الحي يوسف، ومهند عثمان يوسف وعبد الباسط حاج الحسن ووحيد عز الدين بجانب أيمن زروق ومحمد المكاوي إبراهيم الذي خطط لعملية اغتيال الدبلوماسي الأمريكي جون مايكل غرانفيل في مطلع العام 2008، وطبقاً للإفادات التي صدرت وقتها فإن مشروع خلية السلمة كان برنامجاً إرهابياً يستهدف مقار البعثات الدبلوماسية والوجود الأجنبي بالخرطوم، بالإضافة إلى مواقع منظمات الإغاثة الدولية، حيث وضعت السلطات وقتها يدها على أسلحة وذخائر 5 آلاف طلقة، التي تم الحصول عليها بمبالغ مالية طائلة من أحد متعهدي بيع الأسلحة ومعمل مجهَّز يحتوي على متفجرات لصناعة العبوات والأحزمة الناسفة والقنابل من مواد كيمائية عالية الاشتعال مكوَّنة من بودرة (التي إن تي) و (النتروجلسرين) كخليط ومركب كيميائي مكوَّن من مسحوق السكر والفحم، كما تم ضبط قرنيت بجانب أجهزة لاب توب وممرات خرسانية لحفظ وتحزين السلاح وأحواض أسمنتية لصناعة المتفجرات وأسطوانات غاز تمت تعبئتها بمواد شديدة الاشتعال انفجرت ومن ثمّ أحدثت دوياً هائلاً في ضاحية السلمة جنوبي الخرطوم، الأمر الذي أدى لانكشاف أمر الخلية وتم وقتها القبض على قائد المجموعة أسامة أحمد عبد السلام، ومعاونيه وتم إيداعهم في السجون لفترة طويلة قبل أن يتم ابتدار برنامج المراجعات الفكرية مع عناصر الخلية التي تراوح عدد أفرادها ما بين 10 ? 15 كادراً، من كوادر السلفية الجهادية الذين ارتبطوا بعدد من شيوخ السرورية، وبعد نهاية مشروع المعالجات الفكرية الذي شاركت فيه طائفة من الدعاة في مقدِّمتهم محمد سيد حاج وعبد الحي يوسف وحسن عثمان رزق والكاروري وخالد عبد اللطيف وغيرهم ليتم بعدها مباشرة إخلاء سبيل عضوية الخلية ليشارك بعض منهم في اغتيال جون غرانفيل، غير أن قائد المجموعة ظل رهن الحبس ولم يتم إطلاق سراحه إلا في العام 2011 .
تفكيك الخلية:
ووفقاً للمقرَّبين من أسامة أحمد عبد السلام، فإن الرجل الذي يظهر عليه ضعف في بنية جسمه علاوة على كثرة صمته وعدم ميله للحديث لم يتخلّ تماماً عن قناعاته الخاصة بتأسيس مشروع جهادي لمقاتلة الأمريكان ورغم أن خروجه من المعتقل تم عبر تسوية أنهت فترات حبسه بإعلان توبته وتراجعه عن التكفير والتطرُّف واللجوء للعنف ثم توقيعه على تعهدات كتابية بعدم الرجوع للأعمال المتطرِّفة، إلا أنه استعاد نشاطه مجدَّداً وبدأ حركة اتصالات واسعة مع عدد من طلاب الجامعات وشباب السلفية الجهادية، بالإضافة إلى بعض مساعديه في خلية السلمة، ليعاود الرجل تشكيل خلية جديدة تم تنظيم وجودها في أواخر العام 2012 واختارت حظيرة الدندر الواقعة جنوب شرق سنجة بولاية سنار موقعاً للتدريب العسكري بغرض الإعداد لتفويج أعضاء المجموعة الذين يقدَّر عددهم بنحو 32 شاباً، لمغادرة الخرطوم، والسفر إلى كل من (الصومال ? مالي ? سوريا والعراق) للالتحاق بالفصائل التي تقاتل الأمريكان في بؤر التوتر بتلك المواقع غير أن فضح المشروع حال دون اكتماله، ليتم القبض على كامل أفراد الخلية بعد مقتل أبرز قياداتها ومن بينهم أحمد حسب الرسول آدم وأحمد حسن مبارك، بينما تم توقيف البقية وفي مقدِّمتهم أسامة أحمد عبد السلام، والشقيقان منتصر ومؤيد محمد عبد اللطيف ووحيد عز الدين ومحمد عبد الرحمن وعمر محمد الجزولي وعمر عبد الله وعبد الرحمن عبد الماجد بابكر أحمد سليمان عثمان، وتم نقلهم من سنجة للخرطوم ليتم إيداعهم بسجن كوبر وظهر في مسرح الأحداث بدلاً من شيوخ السرورية السابقين زعماء جدد للسلفية الجهادية ممثلين في مساعد السديرة وسعيد نصر ، ولم يطلق سراحهم إلا بعد مضي قرابة العام ونصف وتحديداً في مايو 2013 بعد نهاية برنامج المراجعات الفكرية الذي قاده هذه المرة عصام البشير وسليمان عثمان سليمان بمعاونة دعاة من هيئة علماء السودان ومبادرة وقف عليها رئيس منبر السلام العادل الطيب مصطفى، وبعد إخلاء سبيلهم غادر أغلب أعضاء الخلية الخرطوم للانخراط في صفوف داعش بكل من (العراق ? سوريا وليبيا)، بينما سافر قائد الخلية أسامة أحمد عبد السلام، فيما بعد لنيجيريا وبرفقته عدد من زملائه للالتحاق بجماعة بوكو حرام، غير أنه لم يمكث طويلاً وعاد للخرطوم لتقع في منتصف الطريق عملية مقتل أحد رفقائه ويدعي مازن عبد العظيم يس، الذي لقي مصرعه في تشاد من غير تحديد الكيفية التي قتل بها، وظل أسامة عبد السلام، بالخرطوم متنقلاً بين عدد من شيوخ السلفية الجهادية حتى تم توقيفه قبل عدة أيام من غير معرفة الأسباب الحقيقية التي أدت لاعتقاله، فهل تمت هذه الإجراءات نتيجة لعوامل سابقة وبأثر رجعي أم أنه يريد التخطيط لعمل إرهابي جديد ؟ لا أحد يعرف بالضبط الإجابة على هذا السؤال.
التيار.


