مقالات وآراء

يُطعَن المعلم من الداخل… خيانة الزمالة في جسد التعليم

ليس أخطر على التعليم من الفقر، ولا من تهالك المدارس، ولا من الجوع الذي يطارد المعلمين في بيوتهم، ولا حتى من الوزارات الفاشلة التي أدمنت إذلال أهل المهنة… فكل تلك الكوارث، على فداحتها، تبقى أهون من كارثة أن يفقد المعلم ثقته في زميله.
حين يصبح المعلم خائفًا من الجالس إلى جواره أكثر من خوفه من الوزير نفسه، فاعلم أن التعليم قد دخل مرحلة التفسخ الأخلاقي، لا مجرد التدهور الإداري.
في عهد الإنقاذ القبيح، ثم في سنوات انقلاب البرهان الكارثية، لم يعد احتقار المعلم سلوكًا تمارسه السلطة وحدها، بل جرى تصنيع طبقة من المتعاونين الصغار داخل الوسط التعليمي نفسه؛ طبقة تتغذى على الوشاية، وتعيش على نقل الكلام، وتقتات من مراقبة زملائها، وتظن أن التقرب من السلطة يرفع مقامها بينما هو في الحقيقة يسقطها أخلاقيًا إلى الحضيض.
لقد نجح النظام الكيزاني، ثم ورثته سلطة انقلاب ٢٥ اكتوبر ٢٠٢١، في تسميم البيئة التعليمية بزرع عقلية “المخبر” داخل المدارس.
لم تعد المدرسة مكانًا للعلم والتربية، بل تحولت – في كثير من الأحيان – إلى مساحة للترصد، يتلفت فيها المعلم قبل أن يتحدث، ويحسب ألف حساب لكل كلمة يقولها، لأن بين الزملاء من باع ضميره بثمن بخس، وتحول إلى عين ترفع التقارير وتنقل الأحاديث وتقتات على خراب الثقة.
والمصيبة الكبرى ليست في وجود هذه النماذج الرخيصة، فكل بيئة بشرية تعرف الانتهازيين وضعاف النفوس، لكن الكارثة الحقيقية أن كثيرًا من المعلمين ما زالوا يحيطون هؤلاء بالمجاملات الفارغة، ويعاملونهم كزملاء محترمين، ويمنحونهم مكانة لا يستحقونها.
وهنا تحديدًا تتجلى المأساة السودانية في أوضح صورها: اختلاط المعايير، وانهيار الحس الأخلاقي، والمساواة بين الشريف ومن يطعن زملاءه من الخلف.
كيف يمكن لمهنة أن تستقيم، وبعض أهلها يمارسون دور الجاسوس على رفاق المهنة؟
كيف يمكن للمعلم أن يطالب الطلاب بالقيم والشجاعة والصدق، بينما هو يرى أمامه نماذج تتسلق على ظهور الآخرين، وتبيع الكلمة والموقف والضمير مقابل رضا مدير، أو ابتسامة مسؤول، أو فتات امتيازات؟
إن البيئة التي يُراقَب فيها المعلم ليست بيئة تعليم، بل بيئة قمع.
والمدرسة التي يخاف فيها المعلم من زميله ليست مدرسة، بل ثكنة نفسية مريضة.
والمهنة التي يُكافَأ فيها المتسلق والمتجسس والوشّاء، بينما يُحاصَر صاحب الكرامة والموقف، هي مهنة يجري ذبحها ببطء أمام الجميع.
لقد ساهم هؤلاء – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – في إذلال المعلم السوداني.
كانوا السند الرخيص لكل وزير متعجرف، ولكل إدارة تحتقر المعلمين، ولكل سلطة تريد كسر شوكة أهل التعليم.
فعندما يُضرب المعلم في رزقه، تجدهم صامتين.
وعندما تُهدر كرامته، تجدهم مبررين.
وعندما يُلاحَق أصحاب المواقف الحرة، تجدهم أول من ينقل الأخبار ويزرع الفتن ويصنع التقارير.
إنهم لا يخونون أفرادًا فقط، بل يخونون المهنة كلها.
يخونون الرسالة التي يفترض أن تقوم على الثقة والاحترام والشرف.
يخونون تاريخ المعلمين السودانيين الذين كانوا يومًا ضمير الأمة وعقلها الحي.
ولا يمكن فصل انهيار أوضاع المعلمين عن هذا المناخ المسموم.
فالمعلم الذي يخشى الكلام لن يطالب بحقه.
والمعلم الذي لا يثق بزملائه لن يصنع جبهة مهنية قوية.
وهكذا تنجح السلطة دائمًا في تفتيت الصف التعليمي عبر صناعة الانتهازيين الصغار الذين يقومون بالمهمة القذرة بأقل تكلفة.
إن أخطر ما يواجهنا اليوم هو تطبيع هذه الظاهرة، والتعامل معها كأنها جزء طبيعي من الحياة المدرسية.
وهذا أخطر من الظاهرة نفسها، لأن المجتمع حين يتعايش مع الانحطاط الأخلاقي يفقد قدرته على مقاومته.
لهذا فإن المواجهة لم تعد ترفًا، بل ضرورة أخلاقية ومهنية.
فالمواجهة تبدأ بكشف هذه السلوكيات دون خوف أو مواربة.
وتبدأ بإعادة تعريف الزمالة باعتبارها موقفًا أخلاقيًا لا علاقة اجتماعية سطحية.
وتبدأ حين يفهم الجميع أن كرامة المعلم لا تتجزأ، وأن من يبيع زميله اليوم سيبيع المهنة كلها غدًا.
ولسنا بحاجة إلى خصومات شخصية، بل إلى وضوح أخلاقي صارم.
ولسنا بحاجة إلى المجاملات السودانية الباردة التي تخفي السقوط الاخلاقي تحت السجاد، بل إلى شجاعة تسمية الأشياء بأسمائها.
فالخيانة ليست “شطارة”، والوشاية ليست “ذكاءً”، والانبطاح للسلطة ليس “حكمة”.. إنها كلها أسماء مختلفة لسقوط أخلاقي واحد.
وحين يستعيد المعلم ثقته في زميله، يمكن أن نبدأ فعلًا الحديث عن إصلاح التعليم.
أما إذا استمر الخوف يسكن غرف المعلمين، واستمرت ثقافة الوشاية والتقارير والارتزاق المهني، فلن يبقى من التعليم سوى جدران متداعية وشهادات بلا قيمة ومهنة تنزف من الداخل.
أرجو أن أوفق في كتابة سلسلة مقالات تفتح هذا الملف المسكوت عنه، وتعري ظاهرة ظلت تنخر في جسد التعليم السوداني طوال ما يقارب أربعة عقود، حتى أصبحت جزءًا من المشهد اليومي الذي يحاول كثيرون إنكاره أو التغطية عليه.
لكن ما جرى للمعلم السوداني لن يُفهم كاملًا ما لم يُكشف هذا الوجه القبيح من الخيانة الداخلية، ذلك الوجه الذي كان – ولا يزال – أحد أخطر أسلحة السلطة في كسر المعلمين وإذلالهم وتفتيت وحدتهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..