الكهرباء جاتكم !

هو الاعلان الجميل الذي كان يطالعك علي صفحات الجرائد الرئيسية في ستينيات القرن الماضي ، علي صفحات جريدتي الايام أو الصحافة تظهر أسماء المحظوظين الذين تبشرهم الادارة المركزية للكهرباء بقرب وصول الامداد الكهربائي لمنازلهم حديثة التشييد ، لا يطلب منهم سداد رسوم العداد والعمود أو تجهيز عربة لنقل العمال مع تحضير ( حق) الفطور ، كان الموظفون والعمال ( عيونهم مليانه) ، الراتب وبدل العمل الاضافي يغطي حتي كيلو موز للأولاد لزوم التحلية مع زيارة شهرية الي حديقة الحيوان لتكملة الفسحة علي شارع النيل.
تلك أزمان مضت وتطاولت العلوم في العالم عن الكهرباء وتوليدها بطرق تعددت من الرياح الي الشمس ، عندنا في السودان التقدم في مجال التوليد والإمداد الكهربائي سار الي الخلف ، ما عادت محطة بري الحرارية مصدر فخر واعتزاز مع الاعتذار المتكرر بالنقص في الوقود ، الشمس لا نستفيد منها في السودان لتوليد الكهرباء بل فائدتها تعود لشركات الادوية الاجنبية حيث تتعاظم مبيعاتها لأدوية مرض السحائي وضربة الشمس ، البحث عن الاعذار لإنقاص التيار الكهربائي من خزان سنار تجدها عند القوم من كثرة الطمي الي وجود أشجار حملها النيل الازرق وتسببت في أعطال، ذلك يترك مساحة لاستقدام الباخرة التركية ويقع عليها الاختيار لأنها من الباب العالي حيث عتبات أخوان السودان بينما تستقضي الباخرة التركية أجرتها كما فعل المرابي.
ما يقارب المائة عام في صناعة الكهرباء الا أن الخبرات السودانية علي رأس العمل أصابها النسيان ، الصالح من الخبراء أغرته دول الخليج وأناخ مطاياه بعضهم في صلالة عند شاطئ بحر العرب وآخرون في امتداده عند الخبر وما قصرت دبي والامارات فاستضافت من الخبراء ما زانت بهم ديارها .
الكهرباء تقطع لا تجئ هو ما صرنا نعيش معه في السودان ، الاعذار تأتيك من علية القوم بنقص قطع الغيار وهي مهمة في صناعات مماثلة وأخري يتحسب لها أهل الضمائر الحية ، فترة اعادة طلب قطع الغيار لها حسابات دقيقة تأخذ مدة التوريد من بلادها وفترة الاجراءات لتحديد الزمن السابق لنفاذ قطع الغيار لطلب بديل ، علوم وخبرات تناساها خبراء الغفلة عندنا وصارت صناعة الكهرباء كما هي تحضير أمصال جائحة الكورونا.
البرمجة عادة تتم للأحسن ، في امداد الكهرباء في السودان تأتيك البرمجة بالأسوأ ، تقطع الكهرباء لساعات طويلة يصعب حصرها وتتلخبط مواعيدها ، الكهرباء جاتكم أصبح هو نداء غير حيث يعني عودة التيار الكهربائي قبل أن ينقطع بعد فترة وجيزة ، تواصل الامداد الكهربائي يأتي ضعيفا وبلا تفسير ، لا يضع خبراء شركة الكهرباء في الاعتبار تأثير الانقطاع المفاجئ علي الثلاجات وبقية الاجهزة الكهربائية المنزلية ، في المستشفيات تحتاج أجهزة غسيل الكلي والفحص المخبري الي الكهرباء المستدامة وذلك استعصي في السودان مع خبراء في الكهرباء صاروا عبئا ثقيلا علي المهنة وعلي الديار.
في الحقيقة الامر يكمن العجز في تدني الامداد الكهربائي الي تدني أخلاقيات العمل ، العناية المهنية التي يتطلبها أداء العمل لا تبذل حيث العين علي الكسب من خارج مخصصات الراتب وبدل العمل الاضافي ، سهل ذلك وقوع معظم خبراء الكهرباء في براثن المشروع الحضاري الذي جاء لسرقة أراضي السودان وتحويلها الي دولارات لخاصته ويبذل منها الرشاوى لشراء ضعاف النفوس لإعادة ( البائظ) من أوراقه الي حكم السودان.
وتقبلوا أطيب تحياتي



