تجليات يُتم الفكر في الفضاء الاسلامي لذكرى 57 لمحكمة الردة الأولى وتشكيل التحالف الديني العريض ضد الفهم الجديد للاسلام
د. عبد الله الفكي البشير

“إن الإسلام بقدر ما هو قوة خلاقة إذا ما انبعث من معينه الصافي واتصل بالعقول الحرة واشعل فيها ثورته وانطلاقه بقدر ما هو قوة هدامة إذا ما انبعث من كدورة النفوس الغثة واتصل بالعقول الجاهلة واثار فيها سخائم التعصب والهوس”.
محمود محمد طه، ديسمبر 1958
“وهم يريدون بعد هذا أن نؤمن ونطمئن إلى كل ما يتحدث به القدماء… نعم نستطيع أن نؤمن وأن نطمئن لو أن الله قد رزقنا هذا الكسل العقلي الذي يحبب إلى الناس أن يأخذوا بالقديم تجنباً للبحث عن الجديد. ولكن الله لم يرزقنا هذا النوع من الكسل، فنحن نؤثر عليه تعب الشك ومشقة البحث”.
طه حسين (1889- 1979)
مشايخ الأزهر ومحكمة الردة 1968
مشايخ الأزهر والسعي الحثيث لتشويه الفهم الجديد للإسلام/ الفكر الجمهوري
“نحن لا نلوم الفقهاء على عدم الفهم، ولكننا نلومهم على عدم الصدق، حتى في التزام الشريعة المرحلية”.
محمود محمد طه، ديسمبر 1968
ظل الدكتور مصطفى كمال وصفي (مصر)، الأستاذ بجامعة أم درمان الإسلامية، ينشر المقالات أيام محكمة الردة، داعماً لخط القضاء الشرعي، ومنافحاً من أجل الاعتراف باختصاص المحاكم الشرعية في موضوع الردة، في الوقت الذي أعلن فيه العديد من القانونيين السودانيين بعدم اختصاص المحاكم الشرعية بالحكم بالردة. ففي نقده لما أورده محمد إبراهيم خليل المحامي بشأن قانون المحاكم السودانية الشرعية والذي حدد اختصاصها، كما ورد آنفاً، بالحكم في المسائل المتعلقة بالزواج والطلاق وإقامة الأوصياء على القصر وجميع العلائق العائلية… إلخ. أورد الدكتور مصطفى كمال وصفي، قائلاً: ولاشك في أن وصف الإنسان من حيث دينه، بكونه مسلماً أو من أهل الكتاب، أو من غير أولئك، أو بكونه مرتداً، هو من الصفات التي تتعلق بشخصيته.. وبذلك فهو بلا أدنى خلاف من الأحوال الشخصية. بل إنه يعتبر من، المسائل المتعلقة بالزواج والطلاق، والتى وردت في مواد القانون، لأن للإرتداد أثر مباشر على العلاقة الزوجية ويؤدى إلى إنهائها، والإسلام شرط لصحة الزواج من المرأة المسلمة . وفي محاولة منه للتأكيد على اختصاص تلك المحاكم الشرعية والقضاء الشرعي بالحكم بالردة، كتب، قائلاً: كما يختص القاضي الشرعي بنظر العلاقة العائلية المترتبة على الطلاق فكذلك يختص بنظر العلاقة العائلية المترتبة على الإرتداد، وأضاف، قائلاً: بل إنني وجدت أن الإرتداد أولى من الطلاق ذاته في الاختصاص ما دام المرتد كان متزوجاً طبقاً لأوضاع الشريعة الإسلامية. وفي رأيه أنه يستحيل على القاضي الشرعي أن يتنصل من قضية ترفع إليه بطلب إعلان الردة. وإن فعل القاضي ذلك فإنه يكون منكراً العدالة لأنه أغلق الباب أمام إدعاء مشروع يستلزمه القانون” .
مشايخ الأزهر والمساندة للمدعيين: الأمين داود وحسين زكي
الأزهريون يكتبون أربع مقدمات لكتاب المدعي حسين زكي: القول الفصل في الرد على محمود محمد طه
“نحن واثقين جداً بأن محكمة الردة وراءها علماء مصريين أزهريين جاءوا ليدخلوا في سياستنا الداخلية، اتخذوا مسألة الردة ذريعة ليدخلوا بها. ونحن [الآن] نواجههم في مناشيرنا، ونعرف مواقف معينة مع بعضهم ما غرضهم الدين بالمرة. غرضهم التطوع لخدمة النظام القائم في مصر في تدخله في البلاد العربية عامة وفي السودان بصورة معينة. في المرحلة الأخيرة نحن نواجههم. هم كانوا وراء مسألة محكمة الردة…”.
محمود محمد طه، 25 مارس 1969
درج مشايخ الأزهر المبتعثين للسودان الذين يعملون بجامعة أم درمان الإسلامية وبالمعاهد العلمية، والمشتغلون بالوعظ ممن جاءوا بدعوات من مصلحة الشؤون الدينية، على مساندة للمحكمة الشرعية وللمدعيين في محكمة الردة: الأمين داود وحسين محمد زكي. وتمثلت المساندة في إقامة المحاضرات ونشر المقالات المساندة لهما في موقفهما، كما ظلوا يقرظون ما يكتبه المدعيان، خاصة عندما نشر الأمين داود كتابه: نقد مفتريات محمود محمد طه، ونشر حسين محمد زكي كتابه: القول الفصل في الرد على محمود محمد طه. ويمكن، على سبيل المثال، لا الحصر، أن نقف عند أربعة نماذج من هؤلاء المشايخ، وهم: الدكتور محمد السيد ندا، أستاذ علم الحديث بجامعة أم درمان الإسلامية، والدكتور الحسيني عبدالمجيد هاشم، المحاضر بجامعة أم درمان الإسلامية وأستاذ علم التصوف الإسلامي، والشيخ محمد محمود شاهين، مبعوث الأزهر إلى السودان، والدكتور سليمان السيد دنيا، أستاذ علم الفلسفة الإسلامية بجامعة أم درمان الإسلامية. فقد كتب أربعتهم تعليقات على كتاب حسين محمد زكي، ضمنوها مواقفهم من محمود محمد طه. فقد كتب الدكتور ندا، في تعليقه على كتاب حسين محمد زكي، بعد أن تحدث عن الذين ناصبوا الإسلام العداء من قديم الزمن وأعلنوا الحرب عليه دون خجل أو حياء، كتب، قائلاً: “إن آخر المهازل التي ظهرت حديثاً تلك التي قام بها محمود محمد طه والتي تحمل في طياتها عوامل هدمها وأدلة بطلانها” . ثم أضاف، قائلاً: وقد أتيحت لى فرصة الاطلاع على ما كتبه الأخ حسين محمد زكي في الرد على هذه المهازل فوجدته قد كر عليها بالنقض شبهة شبهة وإني إذ أشيد بجهوده في تتبع هذه الشبهة تفنيدها . كما علّق الشيخ شاهين، بعد أن قدم التهنئة لحسين محمد زكي على كتابه وعلى التوفيق في الدفاع عن دينه، والجهاد في سبيل إعلاء كلمته، فوصف الحجج التي صاغها زكي بالدامغة، وأنها ترد “كيد الكائدين، وتكشف زيف المبطلين”، ثم خاطب حسين محمد زكي، قائلاً: ولا أكتمك سراً إذا قلت لك: إن اطلاعي على أصول كتابك قد يحملني على العدول عن طبع كتابي الذي أعددته للرد على الجمهوريين اكتفاء بما قدمت من حجج، وما سقت من براهين ترشد الناس إلى الصواب وتميز لهم الخبيث من الطيب .
التشويه والمغالطات في تقديم الدكتور الحسيني لكتاب حسين محمد زكي
“إن الإسلام سلاح ذو حدين إذا أخذ عن علم ومعرفة رفع الناس إلى أوج الرفعة والإنسانية والرقي وإذا أخذ عن جهل ارتد بالناس إلى صور من التخلف البشع الذي يحارب باسم الله كل مظهر من مظاهر التقدم والفهم”.
محمود محمد طه، نوفمبر 1964
أيضاً كتب الدكتور الحسيني عبدالمجيد هاشم عن كتاب حسين محمد زكي، وقد انطوت الكتابة على مغالطات وتشويه للفكر الجمهوري/ الفهم الجديد للإسلام. فبعد أن وصف كتاب زكي بأنه “رد على دعاوي باطلة صدرت من الأستاذ (محمود محمد طه) رئيس الحزب الجمهوري وشغلت الرأي العام في السودان” ، تحدث عن الرسالة الجديدة للحزب الجمهوري، في الوقت الذي ليس هناك حديث عن رسالة جديدة، وإنما هناك حديث عن الرسالة الثانية من الإسلام، وهي “الفهم الجديد للإسلام”، وليس رسالة جديدة، كما ورد آنفاً. وقرر الحسيني بأن “ليس في الإسلام رسالتين. أولى وثانية”. كان هؤلاء الفقهاء يعبرون عن عجزهم في الفهم، فمواقفهم لا تستند على كتب ومنشورات الحزب الجمهوري، وإنما على خيالاتهم، ولم يمنحوا أنفسهم الوقت للاطلاع على ما وظفوا أنفسهم لنقده. ثم ذهب للحكم، دون معرفة وعلم واطلاع على الفكر الجمهوري/ الفهم الجديد للإسلام، ليحكم، قائلاً: “ودعاوي البهائية في غايتهم تتفق مع دعوى الحزب الجمهوري. فليس الجمهوريون مجددين في ذلك بل نقلة”. نقف هنا، ونلتقي في الحلقة التاسعة.
ثم ذهب إلى القول بأن الحزب الجمهوري “لو كان صادقاً في دعواه ويجادل بالمنطق كما يدعي هو وأتباعه لينادوا بقوانين الشريعة الإسلامية، والدستور الإسلامي” . وكان الحزب الجمهوري قد واجه دعوة هؤلاء المشايخ تطبيق الشريعة الإسلامية وإدعائهم الغيرة على الدين، في بياناته. ففي بيان له، جاء بعنوان: “تدخل علماء الفقه المصريين في السياسة السودانية”، أوضح الحزب بأن هؤلاء “العلماء الأجلاء” الذين يملأون مساجد السودان وصحافته، وعظاً وإرشاداً، وتباكياً، غير صادقين في إدعائهم الغيرة على الدين، وإنما هم يستغلون الدين ليبرروا تدخلهم السياسي.. فإن كان هؤلاء الفقهاء المصريون غيورين على الدين حقاً فليبدأوا بدارهم قبل ديار غيرهم.. فليصيحوا بدعوة الدستور الإسلامي هذه في وجه حكومتهم المصرية . ثم ختم الحزب بيانه، قائلاً: “فليخسأ الفقهاء المصريون، وليوفروا على أنفسهم وعظهم وإرشادهم فهم في أنفسهم، وبلادهم أحوج منا إلى ذلك” . كما دعاهم في بيان آخر إلى أن يكفوا عن حشر أنوفهم في السياسة السودانية، والسياسة محرمة عليهم في بلادهم، كما أنهم يدعون إلى الدستور الإسلامي ويعظون ويرشدون (وبيتوهم من زجاج)” .
كذلك تناول الدكتور سليمان السيد دنيا كتابي: الأمين داود وحسين محمد زكي، وذكر بأنه بصدورهما “يحق لرجال الدين، أن يرفعوا رؤوسهم مزهوين بالتخلص من ربقة التقصير الذي يرمون به” . وأضاف، قائلاً: “الحق أن الكتابين يبرآن ذمة مؤلفيهما”. ثم تحدث عن مواجهة الكتابين لأخطر الدعاوي التي يراد بها هدم الإسلام، وهي تلك التي تحاول أن تلبس الأفكار المنافية للإسلام، لبوس الإسلام فإن مثل هذه الدعوى قد ينطلي عليها اسم التجديد في فهم الإسلام، وتوسع في حديثه .
النفوذ السياسي المصري يُوجه الفقهاء لعزل الحزب الجمهوري وزعيمه عن الجماهير
سيناريو محكمة الردة
“نحن نعلم أن الفقهاء المصريين، بحكم مركب النقص فيهم، إنما يحاولون جلب رضا زعامتهم عليهم بإثارة الشبهات حول الحزب الجمهوري، بوصفه الجهة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تملك الآن الشجاعة في كشف التضليل الناصري على أسس علمية جادة” .
الحزب الجمهوري، أبريل 1969
ظلت مصر تتربص بمحمود محمد طه وكان لابد من عقوبة سياسية. فقيام الثورة المصرية منذ عام 1952 مثّل تغييراً كبيراً في موازين القوى، كما أن التأثير المصري آنذاك، نهاية عقد الستينات، كان تأثيراً قوياً في واقع السودان، وتأثيره كان شديداً في السياسة السودانية. كان محمود محمد طه قد بيَّن أن التدخل المصري في السودان، كما ورد آنفاً، في ذلك الوقت وجد فرصة واسعة. وأرجع السبب إلى ضعف حزب الأمة ولمشاركته في الحكم مع الاتحاديين حلفاء مصر. وكان النفوذ المصري يعتمد في تنفيذ مخططاته في السودان، إلى جانب مشايخ الأزهر والمبتعثين إلى السودان، على حلفائه المحليين، وكان على رأس هؤلاء الأحزاب الاتحادية. ففي ظل هذا الضعف والفراع تولى الحزب الجمهوري المواجهة . وفي ظل المواجهة المستمرة التي قادها الحزب الجمهوري لمصر منذ أربعينات القرن الماضي، وأتبعها بمواجهة مستمرة لعبدالناصر وللتدخل المصري في شؤون السودان وبلغت المواجهة أشد حالتها خلال فترة الستينات، وكان لابد من وضع وتصميم سيناريو لعقوبة تتوخى ذريعة مُحكمة، وتستعطف الجماهير، للحد من نشاط الحزب الجمهوري، وعزل زعيمه محمود محمد طه، وتشويه صورته وإجهاض مشروعه. فاستعطاف الجماهير أمر سهل، ذلك “لغلبة الجهل عليها، وقوة روح التبعية فيها، ولقلة المعلومات الوافية عندها”. أتت الذريعة بتصميم سيناريو ذي تأثير فعال وقوي على الجماهير ونافذ، ألا وهو سيناريو محكمة الردة عام 1968. كان النفوذ السياسي المصري قد وجه فقهاء مصر ليضللوا فقهاء السودان. فاستجاب فقهاء السودان وبتحالف مع الساسة التقليديين، نفذوا التصميم والرسم الأجنبي لسيناريو محكمة الردة. يقول محمود محمد طه وهو يتحدث عن النفوذ السياسي المصري في السودان: النفوذ السياسي المصري وجه الفقهاء المصريين ليضللوا فقهاء السودان في أن يحكموا على الحزب الجمهوري في ميدان يمكن أن يتهم فيه. ولا يمكن أن يتهم بالعداوة لجمال عبدالناصر أو برأيه في مشكلة الشرق الأوسط، ولهذا وحدباً على الدين كان لابد أن يثار الغبار في إتجاه الدين ليحكموا على الحزب الجمهوري . وعادة الفقهاء والمشايخ أنهم لا يتأخرون في تنفيذ أوامر السلطان. كما أنهم يتميزون بقدرات فائقة في وضع المؤامرات، والتنميط السلبي للصورة في الشارع. فمنابر المساجد، أقوى آليات تجسير التواصل مع الجماهير، وذات التأثير الفعال في الجماهير، التي كانت تحت سيطرتهم وهيمنتهم وتُسَير بإمرتهم. فتم توظيف كل تلك المقدرات والآليات، بشراكة بين فقهاء السودان وفقهاء مصر والقضاة الشرعيين والإخوان المسلمين والأحزاب الطائفية والتقليدية، في سبيل إقامة محكمة الردة.
الشاهد أن محكمة الردة عام 1968 في حق محمود محمد طه، كانت سابقة خطيرة، في الفضاء الفكري والديني والسياسي في السودان. ولم تكن هناك خبرة محلية في وضع السيناريوهات للردة، فالخبرة وكذلك الذاكرة السياسية السودانية لا تحمل تجربة حكم محكمة بالردة على أي سوداني. وفي تقديري أن إخراج فكرة محكمة الردة، ووضع سيناريو المحكمة ورسم خطة سيرها كان عملاً أجنبياً. وكان الفقهاء والقضاة الشرعيون في السودان مجرد أدوات، تم استغلالهم لتنفيذها. كما تم تسويق فكرة الردة للسياسيين وللمثقفين فاشتراها بعضهم، وتحمسوا لتنفيذها حماسة شديدة، وما علموا بأنهم ظلموا أنفسهم وأرتكبوا جرماً شنيعاً في حق السودان وفي حق أهله، وفي حق الإنسانية جمعاء.



