
من أين جاء مصطلح “حوار الطرشان”؟
تعبير “حوار الطرشان” من المصطلحات السياسية والاجتماعية الشائعة في العالم العربي، ويُستخدم لوصف حالة يتحدث فيها الجميع ولا يسمع أحد أحداً، أو عندما يكون الحوار مجرد واجهة شكلية تخفي وراءها قرارات جاهزة سلفاً لا علاقة لها بما يُطرح على الطاولة. وهو تعبير يختزل حالة عبثية يصبح فيها النقاش مجرد ضوضاء سياسية، لا غايته البحث عن الحقيقة ولا الوصول إلى حلول، وإنما توفير غطاء شكلي لسياسات ومشروعات تم إعدادها مسبقاً في مطابخ دولة مجاورة.
ومن هذا المنظور، فإن ما يُطرح اليوم تحت عنوان “حوار البرهان” لا يبدو حواراً وطنياً بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل أقرب ما يكون إلى نسخة محدثة من تجارب سياسية فاشلة سبق أن جُرِّبت في السودان، وأنتجت المزيد من الانقسام والحروب والأزمات. يجيء الحوار بينما لا تزال النيران مشتعلة في أنحاء البلاد، والدماء تسيل، والملايين بين نازح ولاجئ وجائع، وكأن المطلوب من السودانيين أن يناقشوا شكل السفينة بينما هي توشك بالفعل على الغرق.
الحوار الوطني أم حوار الاستتباع؟
هناك فرق جوهري بين الحوار الوطني الحقيقي وبين حوار الاستتباع.
فالحوار الوطني الشامل يُعقد من أجل الوطن لا من أجل السلطة، ومن أجل معالجة الأزمة لا الالتفاف عليها. شرطه الأول والأساسي هو وقف الحرب وتهيئة البيئة السياسية والإنسانية اللازمة لإطلاق عملية مصالحة وطنية شاملة لا تستثني أحداً. وهو حوار تُدعى إليه جميع القوى السياسية والمجتمعية والمدنية بلا إقصاء أو انتقاء، وتكون فيه السيادة لمخرجات الحوار نفسها، لا لرغبات المجموعة المتنفذة وراء ستار أو حسابات الجهة الداعية إليه.
في مثل هذا الحوار يجلس الجميع على قدم المساواة، دون امتيازات لطرف على آخر، ويكون التمويل شفافاً، إما من خزينة الدولة وفق توافق مسبق بين المشاركين أو من خلال مساهمات ذاتية معلنة. أما البوصلة الوحيدة التي توجهه فهي المصلحة العليا للوطن، لا مصالح الأفراد أو الجماعات أو الرعاة الخارجيين. كما يتميز بالشمول من حيث القضايا المطروحة، والكثافة من حيث التمثيل والمشاركة الشعبية والسياسية.
أما حوار الاستتباع فهو شيء مختلف تماماً. حوار يُدعى إليه الناس لكي يفقدوا إرادتهم لا لكي يمارسوها، ولكي يمنحوا الشرعية لمشروع جاهز لا لكي يصنعوا مشروعاً وطنياً جديداً. وهو حوار يتجاهل جذور الأزمة الحقيقية، ويتعمد النظر بعيداً عن أسباب الكارثة، ويُصمم منذ لحظة ميلاده للوصول إلى نتائج محددة سلفاً. لا يهدف إلى حل المشكلة، بل إلى الالتفاف عليها وتأجيل انفجارها القادم. وتموله عادة الجهة المستفيدة منه، وتتحكم في مساراته ومخرجاته وحدود النقاش داخله.
ومن الصعب النظر إلى ”حوار البرهان” خارج هذا الإطار. فهو في جوهره لا يبدو سوى نسخة مشوهة وأكثر هشاشة من تجربة “حوار الوثبة” التي فشلت في معالجة أزمات السودان المزمنة، وأسهمت عملياً في إطالة عمر الأزمة لا في إنهائها.
حرب مدمرة.. وطبقة حاكمة لم تتعلم شيئاً
بعد ما يقارب أربعة أعوام من الحرب التي أحرقت الأخضر واليابس، ودمرت المدن والقرى والبنى التحتية، ودفعت الملايين إلى النزوح واللجوء، كان المنتظر من البرهان والقوى الداعمة له أن تستوعبوا حجم الكارثة وأن يدركوا أن السودان لم يعد يحتمل المزيد من المناورات السياسية.
لكن الإعلان عن هذا الحوار الباهت يبعث برسالة معاكسة تماماً؛ رسالة مفادها أن الجماعة المتنفذة لم تتعلم شيئاً من دروس الحرب، ولم يستوعب حجم الانهيار الذي أصاب الدولة والمجتمع. فبدلاً من البحث عن وقف شامل للحرب وفتح الطريق أمام مصالحة وطنية حقيقية، يجري إنتاج منصة جديدة لإعادة تدوير الأزمة تحت شعارات ومضامين فارغة.
إن أخطر ما في هذا الحوار أنه يحاول القفز فوق الحقيقة الأساسية لا يمكن بناء سلام فوق أصوات المدافع’ ولا يمكن إنتاج توافق وطني بينما الملايين يعيشون خارج ديارهم، ولا يمكن الحديث عن مستقبل البلاد بينما أسباب الحرب نفسها لا تزال قائمة دون معالجة.
إلى أين يقود هذا المسار؟
إذا استمر هذا النهج، فإن النتائج الكارثية المتوقعة لا تحتاج إلى كثير من الخيال.
أولاً، استدامة الحرب وتفاقم المأساة الإنسانية، لأن أي حوار يتجاهل جذور الصراع ويستبعد الفاعلين الحقيقيين لن يكون قادراً على صناعة السلام.
ثانياً، تعميق احتمالات تقسيم السودان إلى كيانين متصارعين، مع ترسخ خطوط الفصل العسكرية والسياسية والاقتصادية بين مناطق النفوذ المختلفة.
ثالثاً، فتح الباب أمام مزيد من التفكك والتشظي، بحيث لا يصبح الحديث عن سودان موحد أمراً بديهياً كما كان في السابق، بل مجرد أمنية تتآكل يوماً بعد يوم.
رابعاً، تعزيز هيمنة القوى الخارجية على الموارد والثروات الوطنية، خصوصاً في المناطق التي أصبحت رهينة للحسابات الإقليمية والدولية ومصالح الفاعلين الأجانب.
خامساً، ارتفاع معدلات الهجرة والنزوح والفقر واللجوء، وتحول السودان، اكثر مما هو عليه اليوم، إلى واحدة من أكبر بؤر الأزمات الإنسانية في العالم لعقود قادمة.
جريمة سياسية في حق المستقبل
المشاركة في مثل هذه الحوارات الشكلية لم تعد مجرد خطأ سياسي، بل تكاد ترقى إلى مستوى التواطؤ مع استمرار الأزمة. فحين يُطلب من السودانيين أن يمنحوا الشرعية لمشروع لا يعالج الحرب ولا يوقف النزيف ولا يفتح الطريق أمام تسوية وطنية شاملة، فإن المطلوب منهم عملياً هو المشاركة في إعادة إنتاج الكارثة نفسها.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى حوار يُستخدم كستار دخاني لإخفاء الفشل، ولا إلى منصات دعائية تُصمم نتائجها قبل أن تبدأ جلساتها. ما يحتاجه السودان هو عملية وطنية حقيقية تنطلق من وقف الحرب أولاً، ثم المصالحة الشاملة، ثم إعادة بناء الدولة على أسس جديدة يتساوى فيها الجميع.
أما حوار البرهان، بصيغته المطروحة، فلا يبدو مشروعاً لإخراج السودان من هذه المحنة بقدر ما يبدو كوصفة متكاملة لتسريع انهياره. وإذا كان التاريخ قد علم الشعوب شيئاً، فهو أن الحوارات التي تُبنى لخدمة السلطة لا تنتهي بإصلاح الأوطان، وإنما تنتهي غالباً بإطالة عمر الأزمات حتى تصبح تكلفة الخروج منها أكبر من قدرة الشعوب على الاحتمال.



