منصات السودانيين: بين سياط الكلمات ومقاصل التنمر الرقمي
شكّل خطاب الكراهية 12 في المئة من المنشورات المرصودة خلال مايو الماضي قبل انخفاضه إلى 10 في المئة في الشهر الذي يليه

لم تعد ساحات التواصل الاجتماعي بالنسبة إلى السودانيين مجرد فضاءات للتواصل وتبادل الأخبار والآراء، بل غدت امتداداً مباشراً للمجال العام، تتشكل فيها المواقف وتختبر فيها الانتماءات، ويجري عبرها التعبير عن الخلافات والانفعالات والاصطفافات، وفي سياق الحرب السودانية المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023، تحول الفضاء الرقمي إلى ساحة موازية للصراع، تتداخل فيها المناقشات السياسية مع التنمر الإلكتروني، وخطاب الكراهية، والتحريض، والتضليل.
وفي هذا الفضاء المفتوح، حيث تختلط حرية التعبير باندفاع اللحظة وسرعة التفاعل، برز العنف الرقمي بوصفه أحد أكثر مظاهر الخطاب العام إثارة للقلق، إذ لم يعد الخلاف في الرأي يقف دائماً عند حدود الحجة والنقاش، وإنما ينزلق في كثير من الأحيان إلى الإهانة الشخصية والشتائم والسخرية والتنمر والتشهير والوصم والتهديد، وغيرها من أشكال الإساءة التي تستهدف الأشخاص بقدر ما تستهدف مواقفهم وأفكارهم.
وتكتسب هذه الظاهرة حساسية خاصة حين تصبح المنصات الرقمية ساحة للتعبير عن قضايا عامة شديدة الاستقطاب، فيتحول الاختلاف السياسي والاجتماعي إلى مواجهات لفظية تتجاوز حدود النقاش إلى المساس بالكرامة الشخصية والاجتماعية، وما يمنح العنف الرقمي قدرته على الانتشار ليس حدة العبارة وحدها، وإنما قابلية المحتوى المسيء للتكرار والاقتباس وإعادة التداول، بما يوسع دائرة أثره، ويجعل الإساءة الفردية جزءاً من خطاب عام يتراكم ويتطبع مع الوقت.
ومن هنا لا يقتصر النظر إلى العنف الرقمي بين السودانيين على كونه مجموعة من التعليقات الجارحة أو السلوكيات المنفلتة على المنصات، بل بوصفه ظاهرة تمس طبيعة الحوار العام نفسه، وتعيد رسم الحدود بين الاختلاف المشروع والإساءة، وبين النقد والملاحقة، وبين التعبير عن الموقف وتجريد الآخر من حقه في الكرامة والاختلاف.
إيذاء منظم
يتخذ العنف الرقمي في الشأن العام السوداني صوراً عدة، غير أن التنمر الرقمي يظل من أكثرها التصاقاً بالحياة اليومية على منصات التواصل الاجتماعي، لأنه لا يقف عند حدود الإساءة العابرة، وإنما يتحول حين يتكرر ويستهدف شخصاً أو جماعة بصورة متعمدة، إلى نمط من الإيذاء المنظم الذي يضيق مساحة المشاركة ويجعل الحضور في المجال العام مكلفاً نفسياً واجتماعياً.
وتشير دراسة سابقة أجريت في “جامعة الخرطوم”، شملت تحليل 200 منشور ومقابلات مع صحافيين وناشطين ومسؤولين، إلى أن وسائل التواصل أسهمت في تعميق الاستقطاب ونشر المعلومات المضللة، ومن أبرز الوقائع والأنماط المتكررة تخوين المعارضين والناشطين والداعين للسلام، ووصفهم بالعمالة أو الانحياز للجيش أو “الدعم السريع”، وحملات التشهير بهم والسخرية من الضحايا والنازحين، واستهداف أشخاص بسبب قبائلهم أو مناطقهم أو انتماءاتهم السياسية.
وتزداد خطورة التنمر الرقمي حين لا تبقى الإساءة فعلاً ثنائياً بين مسيء ومستهدف، بل تتحول إلى ممارسة جماعية، فالتعليق الجارح قد يستدعي عشرات التعليقات، والمنشور المسيء يمكن أن يعاد نشره وتداوله حتى يفقد سياقه الأول ويكتسب حياة مستقلة، وهنا لا يكون الضرر ناتجاً من العبارة وحدها، وإنما عن تراكمها وتكرارها واتساع جمهورها، وتشير الأدبيات المتخصصة إلى أن اتساع الجمهور واستمرار المحتوى وإمكان انضمام آخرين إلى الاستهداف من الخصائص التي تمنح التنمر الرقمي أثراً مختلفاً عن الإساءة العابرة.
ويأخذ التنمر طابعاً أكثر تعقيداً حين يصبح الاختلاف السياسي أو الاجتماعي مدخلاً إلى استهداف الشخص نفسه، فتستبدل مناقشة الفكرة بالحط من صاحبها، ويتحول النقد إلى تجريح والاختلاف إلى خصومة شخصية، والمشاركة إلى امتحان للقدرة على احتمال الإهانة، وبذلك يغدو التنمر الرقمي أحد الأشكال التي لا تسيء إلى الأفراد وحدهم، بل تضعف شروط الحوار العام وتدفع الخطاب من مساحة الاختلاف المشروع إلى دائرة الإقصاء والإيذاء المتبادل.
وتؤكد تقارير رصد متفرقة استمرار الظاهرة، فقد شكّل خطاب الكراهية 12 في المئة من المنشورات المرصودة في مايو (أيار) الماضي، قبل انخفاضه إلى 10 في المئة في يونيو (حزيران) الماضي، وهي نسب تخص عينة الرصد ولا تمثل كل المحتوى السوداني.
دوافع العنف
في السياق، رأى المتخصص في علم الاجتماع السياسي والاتصال الرقمي، طارق عبدالرحمن، أن العنف الرقمي المتبادل بين السودانيين في الشأن العام لا يمكن رده إلى سبب منفرد، ولا إلى طبيعة المنصات وحدها، فهو في جانب كبير منه امتداد لتوترات اجتماعية وسياسية ونفسية عمقتها الحرب، وجدت في البيئة الرقمية مجالاً سريعاً للتعبير والتصعيد، وتابع “أن الاستقطاب الحاد يمثل أحد أهم دوافعه، حين يتحول الاختلاف في الموقف السياسي أو الاجتماعي من نقاش حول الأفكار إلى صراع على الأشخاص، فتستدعى اللغة الجارحة لإضعاف الخصم أو التشكيك في وطنيّته وصدقيته، لا لمناقشة ما يطرح”، مضيفاً “أن الغضب المتراكم والخوف والإحباط والإحساس بالفقد والعجز، وضغوط النزوح والانقسام الأسري والاجتماعي التي خلفتها الحرب، قد تدفع بعض المستخدمين إلى تفريغ الانفعال في الفضاء العام، خصوصاً مع انسداد قنوات التعبير والمساءلة، وفي حالات أخرى يتخذ السلوك طابعاً انتقامياً، كرد إساءة بإساءة، أو معاقبة صاحب موقف مخالف، أو محاولة تشويه صورته أمام جمهوره، وقد تتداخل مع ذلك دوافع أخرى، مثل الرغبة في لفت الانتباه وإثبات الولاء لجماعة أو تيار معين، والدفاع عن رواية الحرب، واكتساب القبول داخل دائرة رقمية تكافئ أحياناً حدة الهجوم”.
وأشار المتخصص في علم الاجتماع السياسي والاتصال الرقمي إلى أن خصائص البيئة الرقمية تخفض كلفة السلوك العدواني، “فالمسافة عن المستهدف، وإمكان التخفي، وسرعة تداول المحتوى، واتساع الجمهور، كلها قد تمنح المستخدم جرأة لا يمتلكها في المواجهة المباشرة”، مؤكداً أن الأمر يزداد تعقيداً في زمن الحرب “حين تختلط المواقف السياسية بالمخاوف الأمنية والهويات والانتماءات، وتصبح الشائعة أو الاتهام أو الوصف المهين قابلاً لأن يفهم بوصفه اصطفافاً أو خيانة، ومع تكرار الإساءة وتفاعل الجمهور معها تتحول الممارسة الفردية إلى سلوك جماعي يعزز الاستقطاب ويضيق مساحة الحوار، إذ يصبح العنف الرقمي انعكاساً للتوترات التي يعيشها المجتمع، وفي الوقت نفسه عاملاً في إعادة إنتاجها، وهكذا أصبح العنف الرقمي جزءاً من ديناميات الحرب، وقد ينتقل أثره من الإهانة والتشهير إلى التحريض والاستهداف الواقعي”.
آثار ممتدة
من ناحيتها، رأت المتخصصة في علم النفس الاجتماعي عفاف الأمين أن “آثار العنف الرقمي المتبادل بين السودانيين في الشأن العام لا تتوقف عند الأذى الذي تتركه العبارة الجارحة في لحظتها، وإنما تتراكم مع التكرار والانتشار لتطاول الفرد وعلاقاته ومشاركته في المجال العام، وقد يتحول هذا السلوك إلى تنمر متبادل تتغذى حلقاته بعضها من بعض، فالإهانة تستدعي إهانة، والسخرية تقابلها سخرية أشد، حتى يصبح الطرفان عالقين في دائرة من التصعيد يصعب معها استعادة النقاش إلى موضوعه الأصلي”، وقد يولد التعرض المستمر للإهانة والسخرية والتشهير والتهديد، القلق والتوتر والإحساس بالاستهداف، ويقوض الثقة بالنفس وبالآخرين، ويدفع بعض المتضررين إلى تقليص حضورهم الرقمي أو الانسحاب من النقاش العام اتقاء للإساءة.
وأضافت الأمين أن “الخطر لا يكمن في الضرر النفسي الفردي وحده، فحين يصبح التجريح لغة مألوفة للتعامل مع الاختلاف، تتراجع الحدود الفاصلة بين النقد والإهانة، ويصبح العنف اللفظي جزءاً من قواعد التفاعل نفسها، ومع كثرة تداول الشتائم والتشهير والتحقير، فقد تفقد اللغة المسيئة قدرتها على إثارة الاستنكار، فتتآكل حساسية الجمهور تجاه العنف اللفظي، ويغدو ما كان مستهجناً بالأمس جزءاً مألوفاً ولغة عادية في النقاش، مما يضعف معايير الاحترام ويزيد قابلية المجتمع للاستقطاب”، لافتة إلى أن العنف الرقمي قد يعيد تشكيل العلاقات بين الجماعات، “إذ يغذي الشك والعداء ويختزل الأفراد في انتماءاتهم السياسية أو الجغرافية أو الاجتماعية، بما يوسع مسافة الخلاف ويصعب إمكان التعايش والحوار، وتزداد خطورة ذلك مع استمرار الحرب، إذ تتقاطع الصدمة والخوف والفقد والنزوح مع الاستقطاب السياسي، فتغدو المنصات امتداداً للتوترات الواقعية بدلاً من أن تكون مساحة لتخفيفها، ولا يعود العنف الرقمي مجرد مشكلة سلوكية، بل يصبح عاملاً يضيق المجال العام، ويشوه الحوار، ويضعف الثقة الاجتماعية، وقد ينقل بعض أنماط العداء من الفضاء الرقمي إلى العلاقات والحياة اليومية، وتؤكد الأدلة الحديثة أن العنف الرقمي يمكن أن يرتبط بالفعل بأضرار نفسية واجتماعية وسياسية تتجاوز حدود الإنترنت”.
ضرورة المساءلة
ورأت المحامية وصال عبدالله أن ضحايا العنف الرقمي لا يفقدون حقهم في الحماية لمجرد أن الإساءة وقعت عبر شاشة، “فحرية التعبير لا تمنح حصانة للسبّ أو التشهير أو التهديد أو انتهاك الخصوصية، ولا تجعل التنمر المتكرر سلوكاً مباحاً متى انطوى على فعل يجرمه القانون، وفي السودان لا يبدو أن هناك جريمة مستقلة تحمل اسم التنمر الإلكتروني بالمعنى الاصطلاحي، لكن بعض صور التنمر والإساءة الرقمية يمكن أن تدخل، بحسب الوقائع وطبيعة المحتوى والقصد والضرر، تحت نصوص قائمة في القانون الجنائي وقانون مكافحة جرائم المعلوماتية”.
وأوضحت المحامية أن “قانون جرائم المعلوماتية” لعام 2007 تضمن نصاً صريحاً حول إشانة السمعة باستخدام شبكة المعلومات، كما عالج القانون الجنائي لعام 1991 إشانة السمعة في صورتها التقليدية، “لذلك ينبغي تحديد النص النافذ وقت وقوع الفعل قبل اتخاذ أي إجراء، والتكييف القانوني لا يتوقف على وصف المنشور بأنه تنمر، فقد تكون الواقعة تشهيراً أو تهديداً أو انتهاكاً للخصوصية، أو فعلاً آخر بحسب محتواها وملابساتها والأدلة المتاحة”.
وأكدت عبدالله أن للمتضرر أن يحفظ الأدلة الرقمية قبل حذفها، مثل لقطات الشاشة والروابط وأسماء الحسابات والرسائل وتواريخ النشر وأي إعادة نشر، ثم يتقدم بالبلاغ إلى الجهة المتخصصة، مع إمكان طلب المشورة القانونية في شأن المسار الجنائي أو المدني والطلبات حول الضرر والسمعة.
وذكرت المحامية أن هناك سابقة قضائية سودانية مباشرة في هذا المجال، “فقد نظرت المحكمة القومية العليا عام 2018 في الطعن، وقررت في قضية تتعلق بالمادة 17 من قانون جرائم المعلوماتية لسنة 2007، أن جريمة إشانة السمعة الإلكترونية يمكن أن تتحقق من دون وجود الجاني في مكان المجني عليه، ولا يشترط فيها ما يشترط في الإشانة التقليدية من نشر أو نقل، بل يكفي إرسال المعلومات إلى المجني عليه، وتكشف هذه السابقة أن القانون السوداني عرف باكراً إمكان مساءلة الإساءة الواقعة عبر الوسائط الرقمية، وإن كان تنزيلها على حالات التنمر المتبادل يتطلّب فحص كل واقعة على حدة، وبحسب ظروفها”.
اندبندنت عربية



