أوقفوا تسميم السلام

♦ عبودية الخوف: حين يصبح الموت هو البديل عن الحرية
♦ السودانيون لا يموتون من نقص الحوار… يموتون لأن الحرب لم تتوقف
✍ عبدالحافظ سعد الطيب
هناك لحظة يصبح فيها الصمت مشاركة، ويصبح التردد تواطؤًا مع الزمن، ويصبح تكرار الكلمات الجميلة نوعًا من الهروب من الحقيقة.
والسودان الآن في هذه اللحظة.
لذلك لن نجامل أحدًا.
ولن نحتمي خلف الأسماء الكبيرة.
ولن نسمح بأن تُستخدم كلمات مثل السلام، والأمن، والإنقاذ، والحوار، والمصالحة لتسميم المعنى الحقيقي لهذه الكلمات.
لأن القضية السودانية الآن، بكل تعقيداتها، يمكن اختزالها في سؤال واحد:
🔹 كيف نوقف الحرب؟
ليس كيف نؤسس لجنة جديدة.
ليس كيف نمنح الحوار اسمًا أكثر جاذبية.
ليس كيف نجمع أكبر عدد من الشخصيات حول طاولة.
وليس كيف نصنع مشهدًا سياسيًا جديدًا بينما السودانيون يموتون في مشهد الحرب القديم.
▪ أوقفوا الحرب أولًا.
ثم تحدثوا عن كل شيء.
💥 لقد تغير معنى الأمن
كان يمكن في الماضي أن يقول أحدهم:
أعطوني السلطة، وسأعطيكم الأمن.
وكان يمكن لجزء من الناس، تحت وطأة الخوف من الفوضى، أن يقبل بهذه الصفقة.
💥 وهنا كانت تبدأ عبودية الخوف.
يتنازل المواطن عن جزء من حريته مقابل وعد بالأمن.
لكن السودان وصل إلى مرحلة أكثر عبثًا وقسوة:
لم يعد هناك أمن مقابل الحرية.
الخوف نفسه أصبح هو الحياة.
المواطن الذي يُطلب منه أن يقبل بالقهر خوفًا من الفوضى، يجد نفسه في النهاية يعيش داخل الفوضى.
والذي قيل له إن تقييد حريته سيحمي حياته، قد يجد أن حياته نفسها أصبحت مهددة.
فما قيمة السلطة الدامية التي تطلب من المواطن أن يصمت بحجة الأمن، ثم لا تستطيع أن تمنحه الأمن؟
وما قيمة الدولة التي تطلب من المواطن أن يتنازل عن حقه في الأمن في الحياة ، بينما تعمل وتخطط علي تهديد وجوده وحياته وحياة أطفاله ومستقبلهم (انتشر فيديو لمدير كلية الطب جامعة الخرطوم يهدد الطلاب اما العودة أو إعدام مستقبلهم)
هنا تنكشف الخدعة.
الأمن صار رديف الموت والقتل والخوف .
الأمن الحقيقي هو أن يستطيع الإنسان أن يعيش حرًا وآمنًا، لا أن يختار بين الاثنين.
لقد أغرقونا في الحوار
وسط هذا الخراب، ظهر السؤال الذي يريد البعض أن يحتل المشهد:
💥 الحوار السوداني ـ السوداني.
▪ وكأن السودانيين لم يتحاوروا بما يكفي.
▪ وكأن المشكلة أن السودانيين يحتاجون إلى اكتشاف بعضهم البعض حول طاولة.
▪ وكأن أمًّا فقدت ابنها تحتاج إلى مؤتمر حتى تعرف معنى السلام.
▪ وكأن النازح الذي ترك منزله يحتاج إلى ورشة عمل ليقتنع بأن الحوار مهم.
▪ وكأن من فقد أرضه ومصدر رزقه يحتاج إلى بيان سياسي حتى يعرف أن السودان يحتاج إلى التوافق.
لا.
💥 السودانيون ليس بسيطين كما يحب المدعين و يعرفون وترقبونكم باندهاش
والشعب يعرف أكثر مما تتصور النخب.
▪ يعرف أن الحرب يجب أن تتوقف.
▪ يعرف أن القتل يجب أن يتوقف.
▪ يعرف أن النزوح يجب أن يتوقف.
▪ يعرف أن السلاح يجب أن يعود إلى مكانه الطبيعي.
▪ ويعرف أيضًا أن من حقه بعد ذلك أن يقرر كيف تُبنى الدولة.
إذن:
💥 لا تُغرقوا زمن الحرب في حوار عن الحوار.
▪ لا تسمّموا فكرة السلام
▪ نحن لا نرفض الحوار.
▪ ولا نرفض السلام.
▪ ولا نرفض المصالحة.
لكن مع من
ولا نرفض أي جهد سوداني صادق لإنقاذ البلاد.
لكننا نرفض أن تُستخدم هذه الكلمات النبيلة لتغطية مسار لا يجعل وقف الحرب مركزه الحقيقي.
لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث لفكرة السلام هو أن تصبح أداة لتأجيل السلام.
وأسوأ ما يمكن أن يحدث للحوار هو أن يتحول إلى بديل عن الفعل.
وأسوأ ما يمكن أن يحدث للأمن هو أن يتحول إلى ذريعة لمزيد من القهر.
عندها لا نكون قد أنقذنا الكلمات.
بل سممناها.
♦ الأسماء الكبيرة ليست حصانة للمسار
ولذلك لا ينبغي أن تتحول مشاركة أي شخصية، مهما كان اسمها أو تاريخها أو احترام الناس لها، إلى شهادة براءة لمسار سياسي كامل.
▪ الاسم الكبير لا يجعل الطريق صحيحًا.
▪ والسيرة المحترمة لا تجعل المبادرة ناجحة.
▪ والأكاديمي المرموق لا يستطيع أن يمنح مشروعًا سياسيًا شرعية لا يملكها الواقع.
الواقع هو الحكم.
💥 نسأل ببساطة:
هل اقتربنا من وقف الحرب؟
هل انخفض قتل المدنيين؟
هل توقفت آلة النزوح؟
هل أصبح السلاح أقل حضورًا في حياة الناس؟
هل بدأت ترتيبات عملية قابلة للقياس لإنهاء القتال؟
إذا كانت الإجابة لا، فليكن السؤال واضحًا:
🔹 ماذا نفعل إذن؟
لا تنتظروا آخر من يقفز من المركبه
هناك شيء أكثر أهمية من انتظار أسماء جديدة تعلن انسحابها.
لا ينبغي أن ننتظر آخر شخص يقفز من المركب حتى نعترف بأن المركب نفسه في خطر.
ولا ينبغي أن يصبح النقاش:
من خرج؟
ومن بقي؟
ومن تردد؟
ومن أعلن؟
فهذا يحوّل القضية من فشل المسار إلى دراما الأسماء.
والسؤال أكبر من ذلك.
إذا كان المسار لا يقود إلى وقف الحرب، فالمشكلة ليست في الراكب.
المشكلة في الاتجاه.
ولا يحتاج الإنسان إلى أن ينتظر وبترقب حتى يغرق المركب كاملًا لكي يقول:
كان علينا أن نغيّر المسار.
السودانيون ليسوا جمهورًا
هذه نقطة يجب أن تُقال بلا خوف:
الشعب السوداني ليس جمهورًا في مسرح سياسي.
ليس مطلوبًا منه أن يصفق لكل لجنة.
ولا أن يمنح كل مبادرة شرعية تلقائية.
ولا أن يعتبر كل اجتماع تقدمًا.
ولا أن يصدق أن كثرة الأسماء تعني قرب السلام.
الشعب هو صاحب المصلحة.
والشعب هو الذي يدفع ثمن الحرب.
ولذلك فإن صوته يجب أن يكون أعلى من صوت النخب عندما يتعلق الأمر بوقف الحرب.
💥 الجماهير لا تحتاج منكم أن تشرحوا لها أنها تريد السلام.
هي فقط تريد أن تراه.
💥 من عبودية الخوف إلى سيادة المواطن
وهنا تصبح القضية أعمق من الحرب نفسها.
السودان يحتاج إلى الخروج من ثقافة:
«اصمت لكي نحميك.»
إلى ثقافة:
«نحميك لأنك مواطن، ولذلك من حقك أن تتكلم وتحاسب وتختار.»
هذه هي النقلة الحقيقية.
لأن الدولة التي تجعل المواطن يختار بين الأمن والحرية تضعه أمام ابتزاز دائم.
أما الدولة التي تحترم مواطنيها فتقول:
أمنك حق.
وحريتك حق.
وصوتك حق.
ومشاركتك حق.
ومحاسبتك للسلطة حق.
وهذا هو المعنى الذي يجب أن نعيد اكتشافه.
ليس المطلوب أن يعيش السوداني آمنًا لأنه صامت.
بل أن يعيش آمنًا لأنه مواطن كامل الحقوق.
وقف الحرب ليس بندًا في أجندة الحوار
وهنا نصل إلى جوهر المسألة.
وقف الحرب لا ينبغي أن يكون فقرة رقم سبعة في جدول أعمال سياسي.
ولا بندًا يمكن تأجيله حتى تتفق النخب على شكل الدولة.
ولا ورقة تضاف في نهاية المؤتمر.
وقف الحرب هو الشرط الذي يسمح أصلًا بوجود المستقبل.
بعد وقف الحرب يمكن أن نختلف.
بل يجب أن نختلف.
نختلف حول الدستور.
وحول شكل الدولة.
وحول الجيش.
وحول الاقتصاد.
وحول العدالة.
وحول المركز والأقاليم.
وحول السلطة والثروة.
وحول مستقبل السودان.
لكن لا يمكن أن نختلف حول حق السوداني في أن يعيش.
كفى إدارةً للخوف
لقد عاش السودانيون طويلًا تحت إدارة الخوف.
الخوف من الانقلاب.
الخوف من الجيش.
الخوف من المليشيا.
الخوف من الحرب.
الخوف من الجوع.
الخوف من الغد.
وفي كل مرة تأتي نخبة جديدة لتقول:
تحملوا قليلًا… هناك حل سياسي في الطريق.
ثم يطول الطريق.
ويكبر الموت.
وتتسع المقابر.
وتكبر أعداد النازحين.
وتبقى النخب تتجادل حول الطاولة.
آن الأوان لأن نقلب المعادلة.
ليس المواطن هو الذي يجب أن يخاف من فشل السياسيين.
السياسيون هم الذين يجب أن يخافوا من غضب المواطن ومن حكم التاريخ.
أوقفوا الحرب… ثم تحدثوا عن السودان
لا نريد إنقاذ الحوار.
نريد إنقاذ الإنسان.
لا نريد إنقاذ صورة لجنة.
نريد إنقاذ بلد.
لا نريد إنقاذ مواقع النخب.
نريد إنقاذ حياة السودانيين.
ولا نريد أن نختلف حول من يملك أفضل صياغة للسلام.
نريد أن نعرف:
من يستطيع أن يوقف الحرب؟
هذه هي المسألة.
ومن هنا، فإن كل مبادرة وكل لجنة وكل اسم وكل مؤتمر يجب أن يخضع لسؤال واحد:
هل يقربنا هذا من وقف الحرب أم يستهلك وقت الحرب؟
إذا قربنا منها، ندعمه.
إذا أبعدنا عنها، نرفضه.
بغض النظر عن الاسم.
وبغض النظر عن الموقع.
وبغض النظر عن التاريخ.
وبغض النظر عن جمال الكلمات.
لأن السودان لم يعد يحتمل أن تتحول الكلمات النبيلة إلى مخدر سياسي.
لقد طال الخوف.
وطال الموت.
وطال الانتظار.
والشعب السوداني لا يحتاج إلى من يقنعه بأن السلام جميل.
الشعب يريد السلام نفسه.
ولذلك نقولها بلا مواربة:
أوقفوا الحرب.
ثم اجلسوا وتحاوروا كما شئتم.
لكن لا تجعلوا الحوار طريقة جديدة لإدارة الحرب، ولا تجعلوا السلام اسمًا آخر لتأجيل السلام.
من كتاب السودمقراطية


