( أكفهرار) *فتحى البحيرى..ديمقراطيةالسرد و تعقيدات الشخوص

مُنذُ الانفجار الروائى الأعظم فى السودان و الذى اطلقنا عليه فى مقال سابق* “زمنُ الروايةِ السودانية”، مستعيرين تعبير الناقد المصرى الشهير جابر عصفور،تهاطلتْ علينا العديد من الأعمالِ الروائية لكُتّابٍ شبابٍ أغنَوْا حياتنا الثقافية بأعمالٍ ابداعيةٍ سرديةٍ عالية الجودة،افادوا فيها من فتوحات الرواية الحديثة،مغرباً و مشرقاً، الى جانب الافادة من الموروث السردى الشعبى الثاوى فى تاريخنا السودانى الغنىّ بالسرديات،ولعل كتاب الطبقات لود ضيف الله ينتصبُ هنا كمثالٍ ساطعٍ على ثراءِ تاريخنا السردى.
خلال هذه الفترة الممتدة ما بين بداية التسعينيات و حتى الان،تدفقت علينا أعمالاً روائية(كماً و كيفاً) لروائين سودانيين جديرةٌ بأن تُرشّحنا الى احتلالِ موقع متميز فى خارطة الكتابة الابداعية،اقليمياً و عالمياً،حتى لا يكون الطيب صالح نجماً اوحدا فى سماء ابداعنا الروائى..و ليس بركة ساكن و محسن خالد و أبكر ادم اسماعيل و احمد حمد الملك و الحسن بكرى و امير تاج السر و طارق الطيب و ليلى ابى العلا و مروان حامد الرشيد وعباس على عبود و عماد براكة و بثينة خضر مكى و حبيب نورة و بابكر على ديومة ورانية مأمون و عبدالغنى كرم الله الاّ مجرد نماذج لقائمة طويلة تُرصّعها اسماء روائيات و روائيين أحالوا و يحيلون قُبح واقعنا الراهن الى جمالٍ يدفعُ بنا الى ضفاف الامل بأن ظلامنا الحالى لن يطولَ أمد انجلائه…
فى هذا السياق السردى الثر تجئُ رواية الكاتب فتحى البحيرى (اكفهرار) -ويبدو انها الاولى له،على الاقل على مستوى النشر-لتدفع بالرواية السودانية الى افاقٍ جديدة…انها روايةٌ تمتازُ بثراءِ لغتها و حيادية سردها و غِناءِ شخوصِها المُصاغةِ من نسيجٍ نفسىٍّ معقّد،تُجْهد القارئ لاستكناه عمق دَلالاتها الرمزية..فاللغةُ السردية هنا منسوجةٌ بعنايةٍ تُشئُ بقدرةِ الروائى على امتلاك خامته الابداعية و تمكّنه من ادارة العملية الجمالية ببراعةٍ لا تُخطئُها العين..انها لغةٌ تجمع ما بين الشاعرية/الغنائية و الحوارية/المنولوجية،الى جانب التداعى الحر الذى يتيح لشخوص الرواية البوح الحميم عمّا يعتملُ بدواخلها لتكشف لنا عن مكنون ذواتٍ بعيدة العمق انسانياً و معقدة التركيب نفسياً.
تحتشد الرواية باللغة المحكية/الدارجة منضفرةً فى لحمة الفصحى،و هى لغةٌ موشاةٌ بالاشعار و الاغانى،الى جانب احتشادها ببلاغة الجناس اللغوى التى برع الكاتب فى زرعها فى جسد النص الروائى لتمنحه عذوبةً و جمالاً..فنقرأ:”لم ترحمنى من هذه الانت ما بتفهم و لم تحرمنى منها” (ص 5) أو “و بقى منهم بعض ارشادهم و كل صلاتهم و رشادهم”(ص 9) أو” السياق الذى لا نتؤات فيه و لا تعرجات،لا دقداق و لا رقراق” (ص 14) أو” لا اعرف الحرية و المسؤلية الا لحظتين غير متتاليتين .متطابقتين.متمارتين و مرتين” (ص 11)..و كأن الروائى و هو يلعب بتلك الثنائيات يسعى الى بث نفَس ايقاعى يحقق
حالة من التطريب اللغوى كى لا يقع النص الروائى فى وحل الخمول و الرتابة،و ليتسنى له الدفع بالعملية الابداعية الى افاقٍ جماليةاوسع.
تمتازُ الرواية بحيادٍ سردى يشُفُ فيه الراوى لدرجة الامحاء..فلا نكاد نلمس اثراً قوياً لحضور الراوى/السارد..مما يجعل الاحداث هنا تترى والشخوص تتحرك فى فضاء الرواية بحرية كاملة و كأن لا علاقة للروائي بها،اذ ان كل شئٍ فى الرواية يمضى وفق مشيئته الخاصة.هذه الديمقراطية فى السرد تندُرُ عادةً فى الأعمال الروائية الاولى لمعظم الكتاب،اذ تأتى التجربة الاولى للروائى-فى الغالب- محتشدةً بحضوره الكثيف كروائى و راوٍ فى معظم الاحيان،لان (انا) الكاتب الروائى هى التى تسرد الاحداث،فى معظم الاحايين،و هى التى توجهها توجيهاً مباشراً يُظهر تماهياً قوياً ما بين الراوى/السارد للاحداث و بين الروائى المنتج للعمل الفنى،الأمر الذى حدا ببعض النقاد الى ان ينظروا لبعض الروايات الاولى لكُتّابها بوصفها نوعاً من انواع السيرة الذاتية،و ذلك لفرط اكتظاظها بذات الروائى/الراوى.
يأتى السرد الروائى هنا مرويّاً بلسان أكثر من راوٍ مما يعتقه من أسر (الانا )المسيطرة ..فالى جانب الراوى الرئيسى و الشخصية المحورية (صلاح)،تُروى الاحداث بلسان أكثر من شخصية رئيسية اُخرى ك(نفيسة كباشى) و (جلال) صديق الراوى..و حتى حينما يتدفق السرد على لسان الشخصية المحورية (صلاح) فانه يأتى محايداً و كأن ليس للراوى صلةً مباشرةً به ،او ياتى بطريقة يُوهمَنا من خلالها بأننا شركاء معه فى عملية السرد،او أننا شُهودٌ معه على الاحداث.اذ نلحظ تناثر عبارات مثل:”كما تعلمون فأن …” او “سوف لن تصدقوننى…. “او “نسيت ان اقول لك ….” أو ” كما رأيتم بانفسكم…..” و غيرها الكثير من الشواهد التى يسعى الكاتب من خلالها تأكيد ذلك الايهام بان لا يد له مباشرة فيما يجرى،.أو اننا ايضاً شركاء معه فى هذه العملية السردية التى يحاول توريطنا فيها كفاعلين فى وقائعها الدرامية و ليس كمُنفْعلِين فقط.
و غالباً ما يتحققُ جمالِ السرد كلما شفّتْ ذاتِ الكاتب و ارتحل بعيداً عن نَصِه و كأن علاقته به كعلاقتنا به نحن القراء.. وهذه الديمقراطية السردية هى ما يجعلُ العمل الابداعى يتخلّق فى مناخٍ معافىً من سيطرة الروائى، فيتبدى أكثر اقناعاً و امتاعاً..و لقد نجح (البحيرى) كثيراً فى تحقيق هذه الغاية.
شأنٌ اخر، و لعله الأهم فى تقديرى،منح هذه الرواية ثراءً و امتاعاً، وهو تعقيد البناء النفسى لشخوصِها التى ابتعد بها الروائى عن التسطيح.و هى على قلتها-اذ لا تتعدى الستة-الا ان ثلاثاً من شخصياتها المركزية غُزلتْ من نسيج نفسى مركّب و عميق، و هى صلاح(الشخصية المحورية و راوي الاحداث) ورتّاية الحاج ( محبوبته و زوجته الاولى) و نفيسة كبّاشى (قريبته و زوجته الثانية) )فتلك الشخصيات تستمد تعقيدها من تعقيدات الواقع الذى يُشكّلها و من الشروط النفسية التى تُكوّنها.فالمرأتان،(نفيسة)و (رتاية)مثقفتان دارفوريتان أُنتجتا -على مستوى الوعى- فى هذه اللحظة التاريخية المعقدة من تاريخنا المعاصر.و انخرطتا -كلٌ على حدا -فى نشاط ثقافى و سياسى محموم قادهما معاً الى الارتباط سوياً بالشخصية المحورية (صلاح) الجامعى و المثقف اليسارى الذى يمتهن الكلام، و الذى ارتبط ب (رتاية الحاج)،ثم تزوج من (نفيسة كباشىى)التى أحبته بعنفٍ لدرجة ان دفعته للارتباط بمحبوبته (رتاية)التى كانت منذ البدء صنيعتها هى(نفيسة). وهنا تتجلى العلاقة المعقدة و المتشابكة التى تربط هذا (الثالوث) المعقّد بعضهم البعض.يقولُ الراوى (صلاح) والذى هو شخصية الرواية المحورية فى شأن علاقته ب(رتاية الحاج):” و فى أمر علاقتى بالنساء توصلتْ نفيسة كباشى لما يلى:مجيئى من اسرة محافظة و طريقتى الأشد تحفظاً فى التعامل مع الفتيات جعلت منى لا اعرف بعمق سوى واحدة لم تكن تنظر الىّ باعتبارى حبيباً و زوجاً.و بذات الوقت قدّرت نفيسة كباشى ان تكوينى يحتم علىّ الانخراط بأسرع وقت فى مهام خارج هذه المشكلة فأنتجت لى -من وراء ظهرى طبعاً -هذا الحل المسمى رتاية الحاج و بتفاصيله و تداعياته تلك”(ص 51).اذاً رتاية الحاج هى من صنيعة نفيسة كباشى و مهندسة علاقاتها بزوجها (صلاح) الذى كان اسير علاقته بها،اى نفيسة كباشى التى كانت منذ البدء لغُزاً محيّراً فهى كما يصفها:”ليست أمراة من لحم و دم.ان تجليها فى شكل انثى ليس سوى تقريب غير مضر.نفيسة كباشى فى حقيقة امرها ليس سوى الوصايا العشر و القيم النبيلة.نفيسة حب الناس.حب الخير.نفيسة كباشى هى الثورة و هى السلم ايضا.هى القمح و التمر و البرتقال.لا يمكن لعاقل ذكى معتد بذاته مثلى ان يسلمها خطامه لو لم تكن تجسيداً لكل هذا و أكثر هى الفطرة السليمة و المتعة السليمة.الفكرة السليمة و العشرة السليمة ايضا” (ص 53
لم تكن نفيسة كباشى بالنسبة لصلاح امرأة بالمعنى المتواضع عليه للمرأة.و هى ذاتٍ ليستْ كالذواتِ المألوفة،و يبدو ذلك ما جعل صلاح يدور فى فلكها ويستوطن عوالمها الغامضة و يُسلمها كل شئ.فهى كما يراها:”كائن اسمى من ان يكون له جسد (….) و أخطر من ذلك كله هو اننى لا أعرف حتى الان ملامح وجهها بالضبط و لا استطيع رسمها او وصفها لأحدٍ بدقة (….) ربما ان هناك ثمة اسرار روحانية خفية فى علاقتى بها” (ص55)..و كل ذلك يفصح عن مدى تعقيد تلك العلاقة التى تربط صلاح بنفيسة كباشى و التى تزداد تعقيداً فى موازاة علاقته ب(رتاية الحاج) و التى تختلف فى مواصفاتها الجسدية عن نفيسة كباشى من حيث يرى صلاح:”مواصفات رتاية الحاج الجسدية تناسبنى دون شك أكثر من مواصفات نفيسة كباشى.رتاية الحاج طويلة القامة.ممتلئة قليلا.تملك شفتين ممتلئتين و ساقين ممتلئتين كذلك.و هذا كله غير متوفر فى نفيسة كباشى.نفيسة كباشى يا سبحان الله تجمع النحافة الى رقة الشفتين و دقة الساقين (….) و الأهم من ذلك رتاية الحاج لم تكن مختونة فرعونياً و ذلك فرق جوهرى دون شك.”(ص38) .. و لكن و برغم تلك التباينات الا ان المرأتين قد توحدتا بعد ارتباطهما بصلاح لدرجة التماهى و الاتساق التام.اذ انهما:”فيما بعد جداً.بدأت المتوحشتان(نفيسة و رتاية) تحبلان و تنفسان و ترضعان.صدقونى انهما كانتا تحيضان معاً و تطهران معاً.تطرداننى عندما تحيضان. وتدعواننى عندما تطهران.الأدهش من ذلك.تحبلان معاً تقريبا.و تنفسان معاً تقريباً و ترضعان معا.الأدهى من ذلك كله يا اصدقاء.من شاء فليؤمن و من شاء فليكفر.كانتا تنجبان فى كل مرة ثلاثة أطفال.تتئم هذه عندما تفرد تلك.و العكس” (ص 19).. يتبدى من ذلك مدى تعقيد و تشابك هذه العلاقة (الثلاثية) لابطال الرواية،والتى تُظهرُ شخوصاً ذات أكثر من بُعدٍ انسانى،بل و فى بعض الاحيان يمضى وصفها روائياً باتجاهٍ أبعدَ من كونِها ذواتٍ انسانيةٍ فقط ،كما راينا فى وصف نفيسة كباشى. ويتجلّى من خلال تلك العلاقة أُفقًا صوفياً -يتناثرُ فى فضاء الرواية- مما أعطاها مسحةً غرائبية ً تنداح بمستوياتٍ متعددة داخل الرواية.
ان تلك العلاقة المتشابكة و المعقدة ،لذواتٍ بعيدة الغور، بالاضافة الى الأُفقِ الصوفىّ و البعد الغرائبىّ هى ما اتاح لهذه الرواية المتميزة الابحار بعيداً فى عوالم رمزية غنية تفيض عذوبةً و جمالاً و تقطعُ أنفاسَ قارئِها( اللاهث) لتُرهقُه من حيث هى تُمتعُه.
لدى الفراغ من قراءة هذه الرواية الثرة تحس انك امام كاتب قادمٌ الى الرواية بثبات و قوة يتؤكأ على ملكةٍ سرديةٍ لا تخطئها العين.
*صدرت هذه الرواية فى العام الماضى 2013 عن (مطبوعات موقع كتابك الالكترونى) فى 121 صفحة من القطع الصغير.كل المقتطفات مأخوذه من هذه الطبعة للرواية.
*انظر مقالنا النقدى بعنوان (جماليات السرد تتمرغ فى رحيق الذاكرة) الذى قرأنا من خلاله احدى روايات الكاتب عباس على عبود ،و الذى نُشر بالملحق الثقافى لصحيفة السودانى فى مايو 2006 ،و أُعيد نشره فى مجلة كتابات سودانية( العدد الحادى و العشرون) 2006

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..