
لم يكن خروج فارس النور من تحالف التأسيس حدثاً بسيطاً أو معزولاً يمكن المرور عليه دون توقف. فالرجل يشغل موقع حاكم إقليم الخرطوم وعضواً في المجلس الرئاسي للتأسيس، ما يجعل مغادرته أكثر من مجرد انسلاخ فردي، بل حلقة جديدة في سلسلة من التشققات التي بدأت تتسع داخل جسم التحالف. وما جرى هذه المرة في الشق المدني لا يبدو مفاجئاً إذا ما قُرئ في سياق المشهد الأوسع، إذ سبقه ما هو أكثر وقعاً وتأثيراً داخل المكونات العسكرية، بدءاً باللواء النور قبة، وصولاً إلى الجنرال السافنا. وهي تطورات تجعل من الضروري إعادة قراءة المشهد برمته من زاوية أعمق.
إلا أن الأخطر من الانشقاق نفسه هو تجاهل أسبابه أو إنكارها. فالإنكار قد يمنح القيادات شعوراً مؤقتاً بالطمأنينة، لكنه لا يوقف التآكل داخل جسم التحالف. وحين تُحجب الحقائق، وتُهمَل مسببات الخلل، وتُستبدل المراجعة الجادة بخطاب التعبئة والتحشيد وشغل الناس بفتوحات عسكرية متوهمة قادمة، تبدأ الأزمة الحقيقية في التفاقم بعيداً عن الأنظار.
وبدلاً من مواجهة الأسئلة الصعبة التي تطرحها هذه الانشقاقات، اتجهت بعض المنصات الإعلامية الموجهة إلى حملات من التخوين والتشهير والطعن في النوايا، وكأن المشكلة تكمن دائماً في الشخص المغادر لا في الظروف التي دفعته إلى المغادرة. والحال أن الدول والحركات السياسية الناضجة تتعامل مع الانشقاقات كمؤشرات تستحق الدراسة والفهم، لا جرائم تستوجب المحاكمات الإعلامية. فالأفكار الواثقة تناقش الأسباب، بينما الأفكار المرتبكة فتبحث عن الخلاص في مهاجمة الأشخاص.
ولا يعكس هذا النوع من ردود الفعل ثقة في المشروع بقدر ما يكشف عن تردد وخوف في مواجهة الحقائق، وعن ضحالة البيئة الفكرية التي تنتج هذا الخطاب – بيئة فكرية تفضّل وأد الأسئلة على البحث عن إجاباتها. والأسوأ من ذلك أن حملات التخوين لا تعالج المشكلة، بل تمنح شعوراً زائفاً بأنها جرى احتواؤها، بينما تظل الأسباب التي أفرزتها حية داخل المؤسسة، تواصل تمددها بصمت حتى تُنتج انشقاقاً جديداً. فليس كل من يغادر خصماً، وليس كل من يعترض عدواً، بل مختلفاً في الرؤية أو التقدير، يرى من الزاوية التي لا تراها. وأحياناً يكون الخطأ السياسي الأكبر هو الاعتقاد بأن إسكات الرسالة يغني عن فهم مضمونها.
ثمة مجموعة من العوامل المتداخلة التي تجعل قراءة المشهد داخل قيادة التأسيس أقل اتساقاً مع تعقيداته الفعلية. أول هذه العوامل يتمثل في ضعف القدرات السياسية والفكرية والتحليلية لدى جزء معتبر من الكوادر المحيطة بمراكز القرار، مما يجعل التعامل مع الوقائع يتم بردود أفعال آنية بدلاً من قراءة استراتيجية. والعامل الثاني يتعلق باحتكار القرار داخل دائرة ضيقة ذات طابع “معلوم”، الأمر الذي خلق حواجز بين القيادة العليا وبين القواعد، وأدى إلى تعطيل تدفق المعلومات الحقيقية نحو مراكز اتخاذ القرار. وفي كثير من الأحيان لا تصل إلى القيادة إلا الروايات التي ترغب الدائرة المحيطة في إيصالها، بينما تُحجب عنها مؤشرات التذمر والاحتقان المتنامية.
ويضاف إلى ذلك عامل لا يقل أهمية عن سابقيه، يتمثل في التهميش المتعمد لعدد كبير من المثقفين والخبراء وأصحاب الكفاءات من أبناء الهامش. فالمشكلة لم تكن يوماً في ندرة العقول القادرة على القراءة والتحليل والتخطيط، بل في إرادة الاستفادة منها، وفي التعامل معها وكأنها منافساً محتملاً لا رصيداً ينبغي الاستفادة منه. إذ وَجد كثير من أصحاب الخبرات الأكاديمية والمهنية أنفسهم خارج دوائر التأثير لأنهم لا يملكون ثقلاً إثنياً فاعلاً أو نفوذاً سياسياً يؤهلهم للعبور إلى مراكز القرار. وهكذا خسرت القيادة فرصة الإفادة من رؤى وخبرات كان يمكن أن تسهم في البناء وتصحيح المسار ومعالجة مواطن الخلل قبل استفحالها.
أما العامل الرابع فيتعلق بالشعور المتزايد لدى بعض المكونات بالتمييز غير المعلن في توزيع النفوذ والمواقع والفرص. وبما أن التأسيس اعتمدت في جانب كبير من تركيبتها على منطق المحاصصات بدلاً من معيار الكفاءة والاستحقاق، فقد كان من الطبيعي أن ينعكس ذلك على توزيع مواقع التأثير داخلها. وقد بدأ هذا الشعور مبكراً مع استبعاد بعض المكونات الموقعة على ميثاق التحالف من الهيئة القيادية، مقابل الإبقاء على مكونات أخرى مختارة من بين الموقعين، وهو ما عمّق الإحساس بأن المشاركة لم تُبنَ على قاعدة الشراكة المتساوية بقدر ما قامت على اعتبارات انتقائية. ويزداد هذا الشعور حدة حين تنظر بعض المكونات إلى خريطة النفوذ داخل التأسيس فتجد أن ميزان السلطة لا يعكس بالضرورة ميزان التضحيات. فهناك من شارك في الحرب منذ لحظاتها الأولى، ودفع أثمانها بشرياً وعسكرياً وسياسياً، ثم وجد نفسه بعيداً عن مواقع التأثير، بينما صعدت إلى الواجهة قوى ومجموعات لم تتحمل القدر نفسه من الأعباء، أو التحقت بالمشروع في مراحل متأخرة. ومهما كانت المبررات المقدمة لهذا الواقع، فإن الرسالة التي تصل إلى المتضررين تظل واحدة: أن معيار القرب من مركز القرار أصبح أكثر تأثيراً من معيار المساهمة والتضحية في صناعة الحدث.
ومهما حاول البعض التقليل من أثر هذه المسألة، فإن ذلك لا يغير من حقيقة أن الإحساس بالتهميش والغُبن ظل، عبر تجارب سياسية عديدة، من أكثر العوامل قدرة على تفكيك التحالفات من الخلافات الفكرية نفسها، لأنه يمس جوهر الانتماء لا تفاصيل الاختلاف. فالناس قد تصبر على اختلاف البرامج، لكنها نادراً ما تصبر على شعورها بأنها شريك من الدرجة الثانية داخل الكيان الذي تنتمي إليه. وعندما يستقر هذا الشعور داخل أي تحالف، فإنه يتحول مع الوقت من همس في المجالس إلى أزمة ثقة تضرب أساس الشراكة نفسها، وتعرقل نجاح التجربة.
كما ينبغي على تحالف التأسيس أن يترك سياسة النظر القاصر إلى أسفل، وأن لا يغفل حقيقة أن ما قدمته هذه الكيانات المهمشة من تضحيات وأثمان بشرية جسيمة لم يكن شيكاً على بياض ولا رصيداً للاستهلاك داخل قيادة التحالف، ولا قرباناً يُقدَّم لصالح أي طرف آخر. فهي تضحيات تفرض احترامها بقدر ما تفرض حقها في الاعتبار داخل أي معادلة سياسية عادلة. ولذلك فهي لن تقبل أن تُعامَل كهوامش سياسية، بل كعنصر أصيل في ميزان الثورة لا يستقيم بدونه معنى الشراكة ذاتها.
لقد كان المأمول أن تقدم التأسيس نموذجاً مختلفاً في الإدارة والمشاركة وصناعة القرار، وأن تكون حكومة برامج وتنمية وتغيير حقيقي يشعر به الناس في حياتهم اليومية. وكان المنتظر أن تُفتح الأبواب أمام الكفاءات والخبرات، وأن تُبنى المؤسسات على أسس أكثر عدلاً واتساعاً من تلك التي طالما انتقدها قادة التأسيس في دولة 56. كما كان الناس ينتظرون ثورة حقيقية على الجمود الإداري والبيروقراطية التي عطلت التنمية ومصالح المواطنين لعقود طويلة، وقيام جهاز حكومي أكثر حيوية وقدرة على الإنجاز والاستجابة السريعة للتحديات، يستفيد من تجارب الأمم الأخرى ويبدأ بناء الدولة من حيث انتهت التجارب الناجحة، لا أن يعيد إنتاج الإخفاقات القديمة بالأدوات والعقليات نفسها.
ولا يعني ذلك أن أحداً كان يتوقع معجزات أو نتائج تنموية كبرى خلال هذه الفترة القصيرة. فنحن نعرف جيداً ان الدول لا تُبنى في أشهر، وآثار الحروب لا تُمحى بقرارات. غير أن ما كنا نأمله هو أن نرى مؤشرات واضحة على اتجاه الحركة، وبرامج معلنة للعامة تحدد الأولويات، وخططاً عملية تشرح للناس كيف ستُعالج المشكلات المتراكمة وما هي المراحل التي ستقود إلى تحقيق الأهداف المعلنة. فالنتائج قد تتأخر، لكن البرامج لا ينبغي أن تتأخر معها. فنحن في عهد جديد لا يستحمل ان ندير فيه شئون بلادنا الأساليب التقليدية التي عفى عنها الدهر.
غير أن ما رأيناه حتى الآن هو حكومة كسولة، تكيفت مع الواقع القديم بدل أن تتجاوزه. فلا برامج واضحة المعالم استطاعت أن تفرض حضورها في حياة الناس، ولا رؤية تنفيذية متكاملة قُدمت للرأي العام، ولا برامج توعوية قادرة على إحداث تحول في وعي المجتمع، ولا حيوية حكومية تعكس روح مشروع جاء أصلاً لتغيير واقع أضر بالناس. بل إن كثيراً من المواطنين ما زالوا عاجزين عن فهم ما الذي تعمل عليه الحكومة فعلياً، أو تحديد أولوياتها العاجلة، أو الوجهة التي تريد أن تقود إليها الدولة… لا أحد يدري!!
وما يزيد المشهد مرارة أن كثيراً من المظالم التي يشكو منها الناس اليوم هي ذات المظالم التي قامت هذه الثورة على رفضها ومقاومتها. فالمشاريع الثورية تفقد مصداقيتها حين تبدأ في ممارسة السلوك ذاته الذي قامت ضده. وليس هناك ما يؤلم الناس أكثر من أن يكتشفوا أن الطريق الذي وُعِدوا بأنه سيقودهم إلى واقع جديد ينتهي بهم إلى المحطة القديمة نفسها، وأن الحرب التي اندلعت باسم إنهاء الإقصاء انتهت إلى التعايش معه أو إعادة إنتاجه بأشكال جديدة.
والحقيقة أن بذور الأزمة الحالية لم تُزرع اليوم. فقد كانت موجودة منذ فترة طويلة، غير أن كثيراً من القيادات المدنية والعسكرية التي كانت تضيق بهذه الأوضاع لم تكن تملك هامشاً حقيقياً للمناورة. كان التذمر حاضراً، لكنه ظل مكتوماً. وكان الاعتراض موجوداً، لكنه بقي حبيس المجالس المغلقة إلا قليلاً مما يَرْشَح. ولم يكن ذلك مقتصراً على القيادات السياسية والعسكرية فحسب، بل شمل أيضاً شرائح واسعة من الكفاءات والخبرات التي ادركت مبكراً مواطن الخلل في بنية التحالف وآليات إدارته، لكنها وجدت نفسها بعيدة عن مواقع التأثير. ومع مرور الوقت تراكم الإحباط لدى هؤلاء جميعاً، بينما استمرت القيادة في الاعتقاد بأن الصمت دليل رضا، لا نتيجة مباشرة لغياب البدائل.
فمصادر التمويل المالي والامداد العسكري كانت وما زالت مُرَكَّزة في يد جهة واحدة تقريباً، ما جعل كثيرين يقبلون البقاء تحت سقف لا يرضون عنه لأن البديل لم يكن متاحاً. وقد اعتقدت الدوائر المسيطرة أن هذه المعادلة يمكن أن تستمر إلى أجل طويل، وأن من لا يملك خياراً آخر سيبقى مضطراً إلى الخضوع للأمر الواقع مهما بلغت درجة تذمره. لكن التاريخ الإنساني لا يسير بهذه البساطة. فالولاء الذي يُنتَج من انعدام الخيارات يظل ولاءً هشاً ينتظر أول فرصة للتحرر.
واليوم تبدو المعادلة مختلفة عما كانت عليه في السابق. فثمة مؤشرات متزايدة على ظهور منافذ دعم وتمويل جديدة ترتبط بقوى إقليمية مؤثرة. وسواء اصبحت هذه المؤشرات واقع كامل أو بقيت في حدود الاحتمال، فإن مجرد وجود بدائل محتملة يكفي لتغيير سلوك كثير من السياسيين والعسكريين الذين ظلوا لسنوات يتحركون داخل مساحة مغلقة. ولذلك فإن البحث عن مخارج جديدة من هيمنة القيادة الحالية، أو الاستجابة لإغراءات سياسية ومالية بديلة، أصبح خياراً مطروحاً بصورة لم تكن متاحة من قبل.
لهذا تبدو احتمالات الانشقاقات المقبلة أعلى من أي وقت مضى. وما ظهر حتى الآن قد لا يكون سوى مقدمة لما هو أكبر. فالمكون المدني مرشح لمزيد من التصدعات، وقد تلحق به خلال فترة وجيزة مكونات عسكرية أخرى إذا استمرت الظروف نفسها دون معالجة حقيقية.
المعضلة أن قيادات تحالف التأسيس ما زالت تتعامل مع هذه التطورات كأحداث معزولة عن بعضها، بينما تشير الوقائع إلى أنها أجزاء من أزمة واحدة. وكل أزمة تُهمَل معالجتها مبكراً تتحول مع الوقت إلى واقع يفرض نفسه على الجميع، لا إلى خيار يمكن تجاهله. وهناك لحظة في عمر كل تحالف يصبح فيها الإصلاح أكثر تكلفة من المعالجة المبكرة، ثم تأتي لحظة أخرى يصبح فيها الانهيار أقل تكلفة من الاستمرار. ولعل في تاريخ الثورات درساً لا يشيخ؛ فكثير منها لم يُهزم من الخارج، وإنما تصدّع من الداخل كعصا سليمان، ظل قائماً في أعين الناس حتى كشفت دابة الارض ما كان خافياً … فهل من مُعتَبِر!!
ما يحتاجه التأسيس اليوم ليس بيانات تطمين ولا حملات إنكار، بل مراجعة عميقة وشجاعة تبدأ من طريقة إدارة التحالف نفسها، ومن طبيعة توزيع السلطة داخله، ومن آليات اتخاذ القرار، ومن علاقته بمكوناته المختلفة، ومن أسلوب عمل الحكومة.
فالمعابد السياسية لا تنهار عادة عند أول شَق، بل تبدأ نهايتها الحقيقية حين تفقد القدرة على الاستماع إلى تحذيرات الداخل، فتتراكم الشقوق الصغيرة حتى تتحول فجأة إلى صدع لا يمكن ترميمه.



