
خطاب الكراهية من الموضوعات التي جرى الحديث عنها في الندوة الإسفيرية التي نظمها مركز واشنطن الثقافي يوم السبت الماضي، تحت عنوان: «دور الهوية في إشعال الحروب السودانية». ربط البروفيسور فرانسيس دينق بين خطاب الكراهية والعنف في الحروب السودانية، وذكر نقطة مهمة تتمثل في أن العداء يغيّر نظرة الإنسان إلى عدوه؛ فينتقل من مفهوم كونه إنساناً إلى اعتباره حيواناً أو حشرة، ليجد من يمارس العنف اللفظي أو الجسدي مبرراً للوحشية. وحين يُنظر إلى الآخر باعتباره غير إنسان، يصبح قتله أو إيذاؤه أمراً يمكن تبريره، لأنه لم يعد يُرى بوصفه مواطناً يستحق حقوق المواطنة والاحترام.
وهنا تبرز أهمية الربط بين تفسير فرانسيس دينق للكراهية والعنف، وما طرحه البروفيسور عبد الله النعيم حول تطور أزمة الهوية، مستشهداً بقانون «الوجوه الغريبة» في ولاية نهر النيل وتناقضه مع مفهوم حقوق المواطنة، وكذلك حديث البروفيسور أحمد إبراهيم أبو شوك عن تصنيف الآخر ووضعه في قوالب معينة تمهيداً لمحاربته. فحين يأتي خطاب الكراهية وينزع الإنسانية عن الآخر، يصبح السياسي المختلف في الرأي «غريباً» أو «خائناً» أو «مرتزقاً»، ويُصنَّف في إطار «الوجوه الأخرى» التي لا تنتمي إلى الجماعة. وهذا الترابط بين حديث الأساتذة الثلاثة ينبغي أن يكون مدخلاً لمواجهة خطاب الكراهية بمفاهيم علمية وفكرية تخرجنا من هذا الوحل الذي أغرق المجتمع السوداني في دوائر العنف والانقسام.
إن مفهوم «دع العدو يكون غير إنسان»، الذي ينطلق منه خطاب الكراهية، واضح في أنه يقوم دائماً على شيطنة الخصوم، وتحويل الاختلاف في الرأي السياسي أو العرقي أو الجهوي أو القبلي أو الديني إلى صراع وجودي هدفه إلغاء الآخر.وقد عمّقت الحركة الإسلامية هذه المفاهيم حين واجهت خصومها بالقتل والتعذيب والتشريد والفصل من الوظيفة. ولا شك أن التطبيع مع العنف يحوّل الكراهية اللفظية، بمرور الوقت، إلى سلوك عدواني ومادي يصبح مقبولاً اجتماعياً، أو على الأقل يجد من يبرره ويدافع عنه. ومع الوقت، يساهم خطاب الكراهية وشيطنة الآخر بدرجة كبيرة في صناعة البيئات السامة، ونشر التوتر الرقمي والنفسي المستمر عبر منصات التواصل الاجتماعي. وبمرور الزمن، أصبح الخطاب العدائي سلوكاً يمارسه البعض بنسب متفاوتة، ولا يستثني حتى بعض الذين يدّعون الانتماء إلى معسكر الديمقراطية والقيم الأخلاقية، فأصبحوا يستخدمون خطاب الكراهية أداة لتعبئة الأنصار وتبرير الاعتداءات اللفظية على المختلفين معهم. وهنا تبرز الحاجة إلى فهم الجوانب النفسية والاجتماعية التي تغذي هذا الخطاب، دون اختزال كل من يمارس خطاب الكراهية في كونه مصاباً باضطراب نفسي. فالكراهية قد ترتبط بعوامل متعددة، منها الخوف، والإحباط، والتعصب، والشعور بالتهديد، والانتماء الأعمى إلى الجماعة السياسية أو الجهوية أو القبلية على حساب الآخرين. وقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي، رغم أدوارها الإيجابية، منصة واسعة لانتشار الخطاب المسموم، إذ تمنح مروجي الكراهية مساحة كبيرة للتعبير عن دوافعهم، وتساعد أحياناً على تضخيم مشاعر الغضب والخوف والاستقطاب.وقد يكون تدني تقدير الذات أحد العوامل التي تدفع بعض الأشخاص إلى إهانة الآخرين ومحاولة التقليل منهم لتعويض شعور داخلي بالنقص أو الضعف. كما يمكن أن يكون الخوف من المجهول أو المختلف أحد منابع الكراهية، خصوصاً عندما يتم تقديم الجماعات الأخرى باعتبارها تهديداً للهوية أو المصالح. كما يمكن أن يعبر خطاب الكراهية عن نوع من الإسقاط النفسي، حين ينسب الشخص إحباطاته أو فشله إلى الآخرين، ويبحث عن شماعة يعلّق عليها أسباب أزماته. وقد يستمد هذا الخطاب قوته أيضاً من الهوية الجماعية المتطرفة، ومن الانتماء الأعمى إلى المجموعة السياسية أو الجهوية أو القبلية، بحيث يصبح الدفاع عن الجماعة مبرراً لإهانة الآخرين أو الاعتداء عليهم.
والأخطر من ذلك هو البلادة الانفعالية التي تجعل مروّج خطاب الكراهية عاجزاً عن تخيل حجم الأذى النفسي الذي يتسبب فيه للضحية، أو إدراك الآثار الممتدة لكلماته على المجتمع كله؛ من تخريب للسلم الأهلي، وتفكيك للنسيج الاجتماعي، وزرع للشك والريبة بين مكونات المجتمع الواحد. فالكلمة ليست مجرد كلمة حين تُقال في بيئة مشحونة بالحرب والاستقطاب. وقد تتحول العبارة المحرّضة إلى فعل، والفكرة العنصرية إلى سلوك، والخطاب العدائي إلى عنف مادي.
وليت مروّجي خطاب الكراهية يدركون أن العيش في حالة مستمرة من الغضب والعداء والاستنفار النفسي لا يؤذي ضحاياهم وحدهم، بل ينعكس أيضاً على صحتهم النفسية والجسدية، إذ يرتبط الضغط المزمن بارتفاع هرمونات الإجهاد، ومنها الكورتيزول، وما قد يترتب على ذلك من آثار سلبية على الصحة.
إن السودان لا يحتاج إلى مزيد من الكراهية، فقد دفعت البلاد ثمناً باهظاً من الدماء والدمار بسبب تحويل الاختلاف إلى عداوة، والعداوة إلى إقصاء، والإقصاء إلى عنف.
اللهم اجعل قلوبنا عامرة بالمحبة والسلام، حتى نلقى الله بقلوب سليمة.
لا للحرب… نعم للسلام والمواطنة المتساوية



