عندما تصبح أجهزة الدولة الأمنية تنظيمات اجرامية

عندما تصبح اجهزة الدولة الأمنية تنظيمات اجرامية (السودان نموذج)

تورط عناصر أجهزة الأمن السودانية في تجارة البشر والهجرة غير الشرعية أمر ظللت أقرأ عنه في الصفحات الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي السودانية خاصة الهجرة من شرق السودان حيث اثيوبيا وارتريا التي كشف الناشط (محمد احمد ودقلبا) عنها موثقا جانب من اسماء وصور عناصر اجهزة الأمن السودانية مشاركة في الأمر وهو ما دفع بجهاز المخابرات السوداني طلب القبض على (ودقلبا) بواسطة السلطات السعودية التي يقيم في أراضيها وتم تسليمه لأجهزة الأمن السودانية التي مارست عليه تعذيب حسب التقارير التي تتسرب عن حالة الناشط المعتقل منذ شهور.
ومثل الشرق تتدفق مجموعات مهاجرة الى أوربا من دول وسط وغرب افريقيا عبر السودان وتشاد ومنها الى ليبيا حيث يهاجر بعضهم ويتعرض البعض الآخر للتعذيب والتنكيل والإغتصاب والقتل بغرض الفدية اوالرق.
ساقتني الأرزاق قبل بضع اسابيع الى مدينة (الجنينة) حاضرة ولاية غرب دارفور بغرب السودان التي تبعد عن مدينة (ادري) التشادية نحو نصف ساعة بالسيارة عبر الطريق المسفلت.
مدينة (الجنينة دارندوكا) ذات التاريخ العريق وبسالتها التي صدت التغول الفرنسي بنحو سبعة الف شهيد ضمنهم السلطان بحرالدين في معركة (كريندينق) 1910 ومعركة (دورتي) 1912م، التي سجلها التاريخ كمعارك خالدة انتصر فيها السلاح الأبيض على الأسلحة الحديثة وقتها، رغم هذا التاريخ الذي سطرته الجنينة ومناطقها ظل حالها مثل مدن غرب السودان متواضعة تعاني الاهمال وانعدام الخدمات والبنى التحتية يعيش إنسانها ظروف اقتصادية سيئة وغلاء فاحش يتضخم يوما بعد يوم.
من مدينة (نيالا) حاضرة جنوب دارفور التي تحركنا منها في الصباح الباكر وحتى (الجنينة) دامت رحلتنا يوما كاملا حيث ينقطع طريق الأسفلت في منطقة (كاس) سلكنا بعدها طريقاوعرا ذات ارض حجرية مكسوة بالخضرة والاشجار تتغللها مرتفعات ومنخفضات ووديان صغيرة وتلوح في مدى البصر سفوح (جبل مرة) بإطلالة تأخذ الألباب، يستمر هذا الطريق الوعر الذي يعرف ب(كورلي) والذي يأخذ معظم وقت الرحلة، حتى مدينة (زالنجي) حاضرة ولاية وسط دارفور ليعود الطريق المسفلت مجددا حتى الجنينة.
في ذهابنا وطوال يوم لم ألحظ سوى كثرة بوابات الجباية في مداخل ومخارج المدن والمناطق التي نمر بها اذ ان العسكر يغلقون الطريق المسفلت (بحطب) ولا يرفعونه الا بعد دفع المبلغ المحدد وهذه البوابات رغم كثرتها تتواجد فقط في الطريق المسفلت اما الطريق الوعر فليس فيه غير المزارعين وبعض الرعاة.
عند إكمال إجراءات السفر لعودتي من الجنينة الى الفاشر استنكرت سؤال صاحب الوكالة حول أني سوداني واضطر لسحب حديثه والصمت بعد رؤيته حجم الغضب والدهشة التي بدت على وجهي وحديثي، ليتبين لي لاحقا سبب سؤال الرجل.
قبل تحركنا لاحظت سائق السيارة يحتج لصاحب الوكالة عن ضعف مبلغ بعض الركاب وانه سيمر بكثير من البوابات وان هذا المبلغ لايغطي شيئا.
بعد صعودنا للسيارة وتحركنا اكتشفت ان من معنا في هذه الرحلة ليسوا سودانيون وان كانت اشكالهم توحي بذلك نساء واطفال ورجال، بعضهم ذات لهجة خليجية وآخرين ذات لهجة تشادية، قبل وصولنا لبوابة الخروج من الجنينة كانوا يسألون ويتخوفون من وجود (بصمة) في الطريق فكانت إجابتي مع آخرين ألا وجود للبصمة وفي نفسي كنت أردد أني لمن يضعون (الحطب) في الطرقات بعلم البصمة وتكنلوجيتها.
حدثتني نفسي بالمتابعة اللصيقة خلال الطريق لمعرفة كيف يتمكن (أجنبي) من عبور البلاد والخروج منها او البقاء في عاصمتها او مدنها المختلفة.
وصلنا بوابة الخروج من الجنينة حيث الانتشار الكثيف لقوات عسكرية وشرطية وأمنية وكانت أمامنا سيارات انزل جميع ركابها نساء ورجال وأنزلت متعلقاتهم وكان عنصر أمن يحمل أوراقا في يده يصيح بغضب في عناصر أمن اخرى ان تحركوا لهذه السيارات ايضا جاىنا عناصر أمن بوجوه مكفهرة وأساليب فظة طالبين منا النزول من السيارة وابراز أرقامنا الوطنية، اقتيد العديد من الناس بأساليب لفظية عنيفة الى داخل مكاتب الأمن وحسبت أنهم لن يخرجوا أبدا وماهي الا لحظات حتى خرج البعض وتحركت بعض السيارات ليؤكد لي السائق الذي جاء ساقطا ان تسوية تمت بدفع مبالغ مالية لكل (اجنبي)، السيارات التي يدفع سائقيها رشاوى لاتفتش اما الذين يرفضون تفتش سيارتهم حتى ملابس (النساء الداخلية) تنشر وتنثر.
في الطريق الى (زالنجي) توقفت السيارة في عدة بوابات بعضها فيه عسكري واحد، يقفز (مساعد السائق) ليدفع مبلغ مالي ويزيح (الحطب) عن الطريق لتمر السيارة.
وصلنا بوابة دخول زالنجي وجرى فيها ماجرى في بوابة خروج الجنينة مع غلظة اكثر ووجوه متجهمة مكفهرة وعسكر منتشرون هنا وهناك ليدفع السائقين عن كل راكب اجنبي مبلغ من المال يتجاوز المائتين جنيه، ما لاحظته كلما كان السائق موفقا أوضاعه جاهزا للدفع يتحدث مع أول فرد أمن يأتي نحو السيارة، فيكف فرد الأمن عن السؤال ونزول الأشخاص وتفتيش السيارة، ثم يوجه السائق للذهاب الى قائده وماهي الإ ثواني وتتحرك السيارة، ايضا السيارات التي لم يدفع سائقيها تتعرضت للتفتيش الدقيق والتأخير المتعمد واللهجة والأسلوب الفظ تجاه الركاب السودانيين وغيرهم، اذ ان غالب الركاب يسابقون الزمن لللحاق بالبصات السياحية التي تنطلق من الفاشر للخرطوم بعد منتصف النهار.
بوابة الخروج من زالنجي كان أفرادها في انتظارنا تماما كمن لديه معلومة بوجود ركاب اجانب في هذه السيارة وايضاً تمت التسوية بالدفع مع عدم تفتيش السيارة، في كاس المنطقة الصغيرة نسبيا ايضا تمسك رجل أمن وتنازل بعد دفع له مبلغ مقدر.
تذمر الأجانب وسقطهم من ضخامة المبالغ التي تؤخذ منهم والذي يتحدثون به بين فترة واُخرى ممزوجا بخوفهم من بطش عناصر الأمن والمصير المجهول الذي ينتظرهم ان رفضوا الدفع، قادني لحوار مع بعضهم اثناء فترات توقفنا القصيرة فعلمت ان غالبهم آتون من تشاد بغرض العلاج في الخرطوم او الجنينة وبعضهم لزيارة الأهل اذ ان اواصر الدم والقربى تجمع بين العديد من القبائل في تشاد والسودان عطفا على التداخل الكبير في الشريط الحدودي.
في مدخل بوابة نيالا ايضا تكرر ذات الامر في البوابات السابقة وبدى قليل من الراحة ملامح الأجانب، في بوابة الخروج من نيالا اختارني فرد أمن مكتنز الجسد داكن البشرة من بين الجميع طالبا مني النزول وابراز هويتي ثم التفت للآخرين مصدرا ذات التوجيهات، قبل ان يرى هويتي ناداه فرد أمن آخر مشيرا اليه بالكف عن السؤال ليسأل فرد الأمن السائق الذي كان يقف قرب السيارة (عندك كم راس) موجها السائق الى فرد أمن ثالث قصير القامة فاتح البشرة ذات شارب كثيف ورأس نصفه أصلع تغطي عينيه نظارة سوداء داكنة، ذهب اليه السائق وتم تسوية الأمر، تحركت السيارة ايضا دون تفتيش لتبدأ الراحة الكاملة على الأجانب، قلت لصاحبي إنسانيا أقف مع عبور التشاديين وغيرهم الى السودان من اجل العلاج والتجارة وغير ذلك وهاهم الاحباش منتشرون في كل بقعة من ارض السودان يعملون في مهن هامشية ويجنون مبالغ طائلة اكثر من السودانيين أنفسهم، لكن ماذا ان استنكرت اثناء سفرنا هذا مايفعله عناصر الأمن من نهب وابتزاز، قال لي صحابي سينزولنك عن السيارة وسيمزقون وثائقك الثبوتية اما قتلوك او زجوا بك في السجن بعد التعذيب المميت.
في بوابة دخول الفاشر ذات الأسلوب الفظ والتعامل القهري معنا نحن السودانيين قبل الأجانب وع النساء قبل الرجال كان أفراد الأمن هؤلاء لم تقلدهم نساء وليس لديهم أسر وأخوان وأخوات، مع كل البنادق الرشاشة التي يحملونها والمدافع التي تقف غير بعيد يتعاملون مع المواطن الأعزل بغلظة وغضب واستفزاز كأن حكومتهم تخبرهم أن العدو هو المواطن الأعزل.
هل تعلم الحكومة التشادية مايتعرض له مواطنها من ابتزاز وقهر في السودان عند قدومه للعلاج أليس من حق تشاد مطالبة الخرطوم احترام مواطنيها والسماح بعبورهم في حالات المرض وغيرها تنفيذا للإتفاقات الموقعة بين البلدين وتمشدق البشير في كل مرة بكلمة (تشاد الشقيقة).
ام ان حكومة تشاد بذات سوء حكومة السودان التي تهين مواطنيها في عقر ديارهم وتتركهم لمصيرهم في الخارج.
كيف لاينهار اقتصاد السودان واجهزته الأمنية هي التي تبتز وتنهب وتهرب وتهين المواطن، قلت لصحابي مما رأيت خلال رحلتي هذه لو أن أمريكا والجنائية الدولية جادتان في أمر القبض على البشير لما طال الأمر كل هذا الوقت فبضع ملايين من الدولارات لاجهزة الأمن السودانية كفيلة بجلب (البشير) وأسرته وجيرانه الى لاهاي مقيدين بالحبال.
[email][email protected][/email]

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..