عرض موجز لمذكرات إبراهيم منعم منصور (2017): أدب الحنين والمؤانسة وادب الاستقالة والراي الشجاع ..

هذا الكتاب سفر موسوعي ضخم في ألف ومائة وثمانين صفحة مقسمة لخمسة أجزاء وخمسة عشر فصلا. وتذخر هذه الصفحات بأدق التفاصيل عن شتي الحقائق والسياسات والمواقف التاريخية في سيرة المؤلف الشخصية وعلاقاته بزملائه وأصدقائه ورؤسائه ومرؤوسيه، ثم آرائه وتجاربه العملية في الحياة العامة والخدمة الوطنية. بل إنه تناول طرفا من علاقات السودان الاقتصادية والمالية مع بعض دول الجوار ومع كل من البنك الدولي وصندوق النقد.
وليست هذه تفاصيل مملة وسرد رتيب يورث القارئ العجل التثاؤب والنعاس وإنما هي تفاصيل تشع بأضواء كاشفة عن حقائق ومواقف وقيادات ظل يلفها الغموض والشائعات، فرفع عنها المؤلف الغطاء لا مادحا ولا قادحا وإنما موثقا للحقيقة. واتخذ إبراهيم منعم من اُسلوب المؤانسة (الونسة) والمسامرة والسخرية حينا منهجا في التعبير عن آرائه واستمالة القارئ للقراءة بل والاستمتاع بما يقول ويروي.
وتخلل بعض الأجزاء والفصول عنوان فرعي اسماه “استراحة عن شخصيات مؤثرة” يوجز فيها سير ذاتية قصيرة لبعض أصدقائه وزملائه ممن عرف في مراحل دراسته المتدرجة من بخت الرضا لثانوية حنتوب ثم الجامعة وفي حياته العملية من بعد. وذكر من هؤلاء الصحفي التجاني محمد احمد، الديبلوماسي بشير البكري، موسي عوض بلال، حسن التاج، منصور خالد، محمد بشير الوقيع، خليل عثمان … واخرين كثيرين .
اما الجزء الأخير من المذكرات ويقع في نحو مائتي صفحة فهي مقالات للمؤلف نشرتها بعض الصحف السودانية خلال السنوات القليلة الماضية.
وإن جاء عنوان الكتاب في كلمة واحدة (مذكرات) فهي مثقلة بالحقائق والمواقف والآراء والمعاني عن تجاربه العملية وزيرا وإداريا مخضرما من زمرة التكنوقراط … أي كبار الأفندية كما أطلق عليهم في العصر الذهبي للخدمة المدنية قبل أن تطالها سيوف التطهير والتمكين!
أجاد إبراهيم منعم وأبدع في تصريف مهامه ومسؤولياته الإدارية والوزارية من موقع الاستقلال الفكري المنزه من الانتماءات الإيديولوجية والحزبية والولاءات السياسية مدفوعة الثمن. ومن يمعن النظر والقراءة يجد في طيات هذه المذكرات الرأي المستقل الشجاع للمؤلف وهو صبي بمدرسة الدويم الريفية بمعهد بخت الرضا، وفي حنتوب الثانوية حيث كان المتميز بين الأقران والأنداد ثم طالبا جامعيا في مصر. ونظن أنه ورث شيء من الحكمة وشجاعة الرأي بالاجتراء علي الباطل من والده منعم منصور رحمه الله ناظر وزعيم قبيلة الحَمَر في خمسينات وستينات القرن الماضي، شهد له بذلك الإداريون الإنجليز والساسة الوطنيون عند الاستقلال وبعده .
إلا أن تجربة إبراهيم منعم وزيرا للاقتصاد في عهد النظام المايوي، ومديرا لأكبر وأحدث مصنع للنسيج في السودان لمؤسسه وصاحبه خليل عثمان رحمه الله زادته جرأة في الجهر بما يري وركل المنصب الوزاري ثمنا لذلك في هاتيك السنين ومن بعد في عهد الإنقاذ الطويل المتطاول حينما أودع منضدة رئيس الجمهورية استقالته في فبراير ٢٠٠٦ من المنصب الوزاري رئيسا لمفوضية تخصيص الإيرادات، ولم تمض على تكليفه سوي بضع أسابيع! اظنها أسرع استقالة من المنصب الوزاري (على قلة الاستقالات الطوعية في تاريخنا السياسي) الذي يسيل له لعاب المتطلعين الموالين في زماننا هذا. وجاء في رسالة استقالته ما ينم عن رفعة وزهد وسبق في أدب وأسلوب الاستقالة ما نصه :
” لقد تأكد لي أني شخص غير مقبول في أروقة الدولة (يعني الأروقة السياسية) وأن مصلحة البلاد تقتضي أن انتحى لكي يكون في مكاني شخص مقبول للأجهزة التنفيذية حتي يسود الانسجام الذي هو ضرورة لتنفيذ بنود الاتفاقية (اتفاقية السلام الشامل / نيفاشا) بما فيها عمل المفوضية. ولا أريد أن أضع نفسي في خيار مع معاونيكم ولا أن تشغلوا بالكم بي عن مهامكم. وعليه التمس من سيادتكم قبول استقالتي.”
إن الإشارة في رسالة الاستقالة بأنه شخص غير مقبول في أجهزة الدولة تعني أنه ليس من أهل الثقة والولاء والسمع والطاعة كما هم أبناء الحركة الاسلامية. وقد أفصح مؤلف المذكرات عن هذا المعنى تارة بعد أخرى في سياق ما كتب ومنه وصفه للحركة في صفحة ٤٧٩ بما يلي :
(نحن نعيش السنة السابعة والعشرين وندخل علي مشارف الثلاثين تحت حكم الإنقاذ نجد أن المرجعية التي تحكمنا أو توجه الحكم علينا وفينا جهة ليس لها وجود قانوني تسمي الحركة الاسلامية، لها أمين عام وأجهزة بمختلف المسميات ولكنها غير مسجلة تحت أي قانون في السودان…..أشبه بالماسونية والجماعات السرية في العالم، تحرس الدولة اجتماعاتها وتسترشد بهديها، وذلك في الوقت الذي ترفض فيه الدولة التسجيل القانوني لبعض الجماعات حتي تعيش وتعمل تحت ظل القانون، بل تقوم بحل بعض الكيانات المسجلة قانونا!) انتهى.
هنيئا للأستاذ إبراهيم منعم منصور بصدور هذه المذكرات وهنيئا لأدب المذكرات وهنيئا للمكتبة السودانية بهذه الإضافة المتميزة.
++++
د . حسن عابدين
[email][email protected][/email]




عندما يُكتب موضوع كهذا، المرجو توضيح إسم الكتاب و الناشر و جهة توزيعه حتى يتمكن القراء الراغبون من الحصول على الكتاب.
لو بالإمكان الناشر ودار التوزيع وممن يطلب ليتمكن من يرغب فى الشراءمن الحصول عليه,
امثال منعم منصور هم من يحتاج لهم السودان .. لم يلتفت لشيئ الا القانون والمؤسسة .. ورغم انه من اعرق الاسر الحاكمة بالادارة الاهلية في السودان الا انه لم يستغل ذلك لمصلحة ذاتية .. فال ساخرا ان احد معارفه من البلد حياه : ازيك يا ود الناظر فلما رد عليه ان الادارة الاهلية حلوها وان اباه لم يعد ناظرا رد : لا ياخوي ! الرهد من دون موية برضو رهد !
عندما يُكتب موضوع كهذا، المرجو توضيح إسم الكتاب و الناشر و جهة توزيعه حتى يتمكن القراء الراغبون من الحصول على الكتاب.
لو بالإمكان الناشر ودار التوزيع وممن يطلب ليتمكن من يرغب فى الشراءمن الحصول عليه,
امثال منعم منصور هم من يحتاج لهم السودان .. لم يلتفت لشيئ الا القانون والمؤسسة .. ورغم انه من اعرق الاسر الحاكمة بالادارة الاهلية في السودان الا انه لم يستغل ذلك لمصلحة ذاتية .. فال ساخرا ان احد معارفه من البلد حياه : ازيك يا ود الناظر فلما رد عليه ان الادارة الاهلية حلوها وان اباه لم يعد ناظرا رد : لا ياخوي ! الرهد من دون موية برضو رهد !