مقالات وآراء

رحيل الصادق المهدي

عادل عبدالرحمن

من المحيّر أن تُخلع صِفتيْ “المستنير” و”قائد الشعب السوداني” (شعوب؟!) على شخص هو زعيم حزب سياسي وإمام طائفة دينيّة في آن.. وفي بلد متعدّد الأعراق والديانات والثقافات كمان؛ والمُصيببة أنّ الحزب السياسي الذي يتزعمّه هو حزبٌ يرتكز على أساس ديني – كمان وكمان! ففي بلدٍ متعدّد لا تُحسم فيه مسائل الهويّة بميزان القلّة والكَثَرة، بل بإيجاد نظام تتعايش فيه الهويّات المتعدّدة فيما بينها بسلام بدل المقاتلة. ومثل هذا النظام لن ينوجد سوى في إطار دولة تأخذ بُعداً واحدا من الديانات والثقافات إلخ.. ليكون ما يجمع بين الفرد والآخر المُختلِف حقّ المواطنة المتساوية.
إنّ إستخفاف الإمام بثورة ديسمبر منذ بداياتها ووصفه لخروج ثوّارها وثائراتها إلى الشوارع ب”بخوة دخّان المرقة” المُهينة للنساء قبل سواهنّ، هذا القول الفجّ المُنافي لإحترام الآخرين في غمرة عملٍ نبيل، لهو خيرُ دليل على قصور النظر السياسي وعدم الدراية بما يمور في الصدور، وبما يمرّ به المجتمع وما يجري في الفضاء العام من الثبور وعظائم الأمور.. كما هو دليل على خَطل من يخلعون عليه من صفات الوعي العميق وسعة المعرفة بما هو ماضٍ وآتي!
فالراحلُ/ الإمام يتزعّم حزباً وطائفة ينبنيان على شريعة الدين الإسلامي؛ مما يجعلُ صفة السياسي للحزب مجروحةً بإنتمائه للديني (ولا ينفع هنا رفع لواء التجديد أو الرؤى المستنيرة للدين، لأنّ هذا يخصّ أصحاب الديانة المعيّنة وحدها لا الديانات الأخرى) أمّا تزعّم طائفة دينيّة فهذا يعني أنّ الزعيم/ الإمام ليست لديه رؤية ليجمع بها، أو يُقنع بها مذاهب وطوائف دينه (الإسلام) وتيّاراته المتباينة، ناهيك عن الإدّعاءات بكونه زعيما لشعوب السودان “القوس قزحيّة” بإنتماءاتها المتعدّدة دينيّا وثقافيّا.
إنّ أفعال وأفكار البشر وتأثيراتها لا تنتهي أو تَخمد بموتهم، وحُرمة الموت لا تمنع الناس من نقد مَن قام بها والحُكم عليه بحسب رؤاهم، وهي ما زالت (الأفعال والأفكار) حيّةً تتفاعل مع مجريات الأحداث. فإذا كان الله – عزّ وجل – لا يصبر حتى يوم القيامة لمحاسبة خَلقهِ، بل يبدأ بذلك منذ طُلوع روحهم وولوجهم القبر ليتوسّدوا مرقدهم، فما بالك والبني آدم المقهورين ليصبروا..! ولذا تعجّبت ممن إستنكروا على البعض القيام بذلك، وسأكون من ضمن ذلك البعض.
لقد كتبتُ من قبل، وكتب العشرات مثلي عن كذِبَ الإمام، وهي من أرذل الصفات التي تُلصق بالإنسان، وخاصّة أؤلئك الذين يتصدّون للعمل العام ويتسنّمون أعلى المناصب التي ترسم مسار تاريخ بلدٍ وأُمّةٍ وشعوب. والمرحوم تقلّد منصب رئيس وزراء مرّتيْن نادرتيْن لم تُتح لغيره من رؤساء قبله أو بعده. ففي غمار خوضه لإنتخابات الرئاسة بعد إنتفاضة مارس/ أبريل ملأ الدنيا زعيقاً بأنّ “قوانين سبتمبر” قوانين الشريعة الإسلاميّة التي أتى بها النميري، لا تسوى الحبر الذي كُتبتْ به! ولكنّه بعد أن صار رئيسا ولم يلغها فسأله الناس عن ذلك فردّ بقوله المُداهِن: (لقد كان ذاك زمانٌ وهذا زمان)
فهل كانت كذبة بيضاء من غير سوء؟!
وفي الحقيقة أنّ الكذب في حدّ ذاته ليس ما يهمّني الآن، بل هو السؤال: لماذ، ماذا وراء الكذب؟
لقد كذّب الإمام كثيرا وفي مناسباتٍ شتى، ولكنّي إخترت هذه لأكتب عنها، لأنّها تمثّل بالنسبة لي الأهم من بينها، ولأنّها تحمل في طيّاتها ما هو مُثقلٌ بالكثير من أسباب فشلنا في بناء دولة.. دولةٌ لها مؤسساتٌ راسخة – في التشريع والقضاء والتنفيذ – تتمتّع بالحياد فيما بينها، لا تتبدّل بتبدّل الحكومات ورؤسائها وإداراتها؛ دولةٌ تحلُمُ بها شعوب السودان/ القوسُ قزحيّ، يعيش كلّ فردٍ فيها بأمنٍ وأمانْ
فمن المعلوم أنّ أساس أيّ دولة هو الدستور، دستور دائم في أساسيّاته التي تحافظ على وحدة البلاد وتماسكها، وعلى رضاء العباد.. ومن هنا جاءت مراوغة “الإمام” في إجابته على سؤال عدم إلغاء “قوانين سبتمبر” والتي هي في حقيقتها قوانين الشريعة الإسلاميّة بلا لف أو دوران، فكان من العصيّ والمستحيل عليه إلغائها وهي تمثّل بالنسبة له أساس مشروعه لدستورٍ دائم لدولة السودان..! فكانت إشاراته – أثناء خوضه مباراة الإنتخابات – بأنّها لا تسوى الحبر الذي كُتبت به، مجرّد “دعاية إنتخابيّة” ليس إلا، لعلمه علم اليقين بأنّ التمسّك بها حين “ذاك الزمان” سيخصم من شعبيّته ويُنفّر عنه من غير المنتمين لحزبه أو طائفته ممن لا يؤمنون بصلاحها للحُكم، فرمى بقوله طُعْما/ طَمَعاً في أصوات ناخبينْ.. ليس لأنّ الناس خبروها في عهد النميري ونَفروا منها فقط، بل لأنّ العديد من القادة السياسيين المسلمين يؤمنون بأنّ الدستور يجب أن يكون مدنيّاً – لا دينيّاً أساساً لبناءِ دولة التنوّع والوحدة. و”الإمام” جرّبَ المُجرّب من قبْل حين تحالف حزبُهُ مع الأخوان المسلمين وطائفة الختميّة ليُقدّموا مشروع “الدستور الإسلامي” للجمعيّة التأسيسيّة بعد ثورة أكتوبر فرُفض من قِبَل الأحزاب والكتل السياسيّة الأخرى – شماليّة وجنوبيّة – داخل البرلمان، وخارجه. فتأزّمت الأمور أكثر، وحلّوا الحزب الشيوعي بدعاوى حكمت المحكمة العليا ببطلانها فلم يرضخوا لها، وتماوا في غيّهم إلى أن قطع عليهم إنقلاب مايو الطريق، وتاهوا في لُجّة المعارضة والمساومات والإنبطاحات ودخول البرلمانات المُعيّنات!
أمّا إستنكاره لتلك القوانيين وهو خارج السلطة (لينال رضى المعارضين لها) ومن ثمّ الإبقاء عليها وهو في قمّتها، إنّما يدلّ على روحٍ ديكتاتوريّة تفرض على الآخرين ما ليس يرضيهم، ما يُفرّق وليس ما يوفّق بين مكوّنات السودانيين مُختلفي الأديان والمعتقدات والأفكار.
وحين تكون طائفيّاً إلى جنب طوائف أخرى لدين، وتتعدّد الأحزاب ذات الدين الواحد متصارعةً فيما بينها برؤىً متباينة تصل إلى حدّ قتل بعضهم بعضاً، كما هو حال الأخوان المسلمين والأمّة والإتحاديين، فكيف ستستطيع إقناع الآخرين المختلفين عنك في الإعتقاد بأنّ دينك هو الأصلحُ لحُكمهم؟!!
نعم، هم (الثالوث الحزبي) متفقون على شيءٍ واحد من أمور دينهم، وهو الحدود. ولك أن تُسمّها ما شئت: قوانين سبتمبر أو الشريعة الإسلاميّة، فهل ستصلح هذي الأحكامُ الحديّة أساسا لدستور يحكم دولة فسيفسائيّةً كالسودان، أو غيره من الأمم المُسلمة قبل الكافرة؟ وماذا عن أمور الناس الأخرى/ الكبرى في شئون حياتهم، سوى السرقات من أجل لقمة العيش أو السُكْر لنسيان واقعٍ مُزر أو ممارسة الجنس خارج إطار الزواج لمن لم يستطع إليه سبيلا؟ وماذا بعد قطع الرقاب والأيدي ورجم الأبدان.. كيف ستكون حال السودانيين المحكومين في الدنيا وهم ينتظرون يوم الحساب الأكبر في الآخرة؟
وماذا عن أحلام: حريّة، سلام وعدالة؟!هذا فيما يتعلّق بكذبةٍ واحدة من كذبات الإمام. فلربما نعود لكذبات أُخَر قال بها، أو قيل بها مِن قِبل آخرين في مَدْحِهِ!

عادل عبدالرحمن

‫2 تعليقات

  1. امل ان تكون عادل عبدالرحمن عمر نحرير الكتابة الرومانسية والجمل الضاجة بالحيوية للمهدى وسام الجدارة يكفى انه كان الثوب الابيض ناصع البياض فى فى القوة التى اطاحت بسارقى ثورة الانقاذ من الابالسة ويكفى المهدى فخرا وقوفه فى راجمات التطبيع يكفيه فخرا انه السياسى الوحيد عفيف اللسان واليد لم يجف دمع الفراق ولم ترتاح تلك الجموع الغفيرة من مالات العزاء وترك نشاذ وقلمك اشتر مازال الرجل ضيفا عند خالقه وينتظر عفو بنى ادم

  2. بدايةً لستُ عادل عمر بل بخيت،
    أنتَ قلت:
    (مازال الرجل ضيفا عند خالقه وينتظر عفو بنى ادم)
    هسه عليك الله الأشتر منو، هل الخالق بجلالة قدره في إنتظار عفو البشر عشان يحكم على المرحوم؟!
    أنا ذكرت واقعة كذبة للإمام ( وقلت أنّ لديّ الكثير غيرها) إنته رايك شنو، حصل أم لم؟
    ويا ليتها كانت مجرّد كذبة بسْ!
    وقولك:
    (كان الثوب الابيض ناصع البياض فى فى القوة التى اطاحت بسارقى ثورة الانقاذ من الابالسة )
    طبعا ده كلام خارم بارم وليس له من معنى: هل هو في مدح الإمام أم قدحه؟!!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..