مقالات وآراء

في محبَّة الشاهق.. محمد طه القدَّال

خالد عبدالحميد عثمان محجوب

    خمسين سنة وأيدينا في طول مدّهن… لا فترنا من مد الأيدين…… وينطلق القدال في ملحمة من بديع الكلام. تلك كانت البداية. قبل عقود، في مطلع الثمانينيات ونحن في بواكير إكتشاف الذات والهويات الثقافية والرياضية والسياسية، كان قدّال قمراً كامل الضياء والعطاء. تسجيلات أشرطة الكاسيت، الإلقاء بذلك الصوت الفريد والمفردات المدهشة ذات النكهة والبهار المختلف بدأت تأخذ مساحتها في خارطة أيامنا المزدحمة دوماً بخليط من متطلبات أيام الطلب، وبهجة العشق الأول، والثورة على حكم العسكر، ومتابعة جديد الأغاني والمباريات والموضة وغير ذلك، ووسط كل ذلك كان قدّال هناك.
         لأنَّ التمرُّد على السائد هو الأصل في تلك المرحلة العمرية لصِبية لم يبلغوا العشرين أو نحوها، ولأن المناخ الثقافي يحتفي بالشعراء الطليعيين، فذات فجأة وفي واحدة من تلك الاختراقات التي لا يُمكن بدقة معرفة كيف نبتت، كان قدَّال محورها. عندما قررنا، معتز وأنا، أن إلقاء الشعر في مناسبات الزواج أولى من الغناء! أو لابد منه على أقل تقدير. وهذا ما حدث مرَة أو اثنتين.
معتز بدوي، فنّان شامل وخطّاط محترف يمتهن الرسم والكتابة والفن على اتّساعه. كنَّا نلقي شعر القدال الذي نحفظ عن ظهر قلب فنقرأ،
خمسين سنة وأيدينا في طول مدَّهِن
لا فترنا من مد الإيدين
لا صبنة جاتَك يا رحم..
يا يُمّه عرسِك كان دلاليك الهنا
ويا يُمّه عرسك كان قبل كمّين سنة…
 وصولاً إلى المِعزة الوقعت ناشفة بين الشعبتين والباب.    فتسمع حسرات السامعين. كنّا نقرأ للعاشقين عن الرتينة بت سالم ولد عتمان، تلك الصبية التي ‘تمرق زينة؛ تبرق زينة؛ تمشي تهاتي وزِّينة’ فتلمع عيون من هم وهنَّ في بدايات دروب المحبة آنئذ، كلٌ يبكي على ‘رتينته’.
     في ذات الوقت ينسرب داخلاً للمشهد في جلال، فتىً يدعى مصطفى فيرتج الأمر كله. وبعده تأتي عقد الجلاد على رافعة من أشعار القدَّال والنصوص المشابهة لنتعرّف على ‘الخواتم والمياتم والنجيمات والعواتم والمغنيين المطاليق’، فيتغير الخطاب الغنائي وينتمي لعهود جديدة. ذاك كان حين تعرفنا على قدّال وآخرين. بعدها ابتلعتنا المنافي، وغادر معنا القدّال والآخرون، حملناهم في الحقائب والقلوب إلى أطراف الأرض.
       انطوت الأعوام والعقود ولم أقابل الرجل أبداً ولم أسعد بمعرفته الشخصية، ووصلنا للعام ٢٠١٩ وفي مطلعه أتانا الشاعر الضخم أزهري محمد علي في زيارته الأولى للولايات المتحدة الأمريكية، بدعوة من مركز الديموقراطية والسلام. تلك الزيارة التاريخية التي بدأت في فبراير وانتهت في أواخر أبريل وتزامنت مع أحداث ثورة ديسمبر العظيمة ومواكبها واعتصامها المجيد. في تلك الفترة سعى المركز بالتنسيق مع الأستاذ أزهري لدعوة الأستاذ القدَّال لأمريكا للإلتقاء بمحبيه ولترتيب جولة فنية في هذه الدنيا البعيدة، وتم الاتفاق على حدوث ذلك في صيف العام التالي ٢٠٢٠.
     في يناير: مطلع العام ٢٠٢٠، كتب الأستاذ القدَّال منشوراً يعلن فيه عن تقاعده عن العمل الوظيفي في مجموعة دال كمسؤول عن ‘منتدى دال الثقافي’. في ذلك المنشور المبذول على الإنترنت كتب شاعرنا الكبير عن خططه للمرحلة التي تلي التقاعد. ذكر نقطتين فقط، ثم تطرق لإنجازات فترته الوظيفية شاكراً كل الزملاء، رادَّاً فضل نجاحات التجربة للعمل الجماعي في تواضع الكبار. يهمنا لغرض هذا المقال التعرُّض للنقطتين المذكورتين في رسالته المعنونة ‘اليوم الأول في المعاش’
     •الأولى: (إقامة مكتبة مدرسية في قريته حليوة، عسى أن تكون أنموذجاً يعمم على كل المدارس في قرى السودان.)
أتمنى أن يجد حُلمه إرادة وسواعد  لجعله ممكناً.
     •الثانية: (تلبية دعوات ثقافيّة مؤجلة لكل من الولايات المتحدة وأوروبا والخليج.)
   إرادة الله هي العليا. تلك كانت أمنيات، شاء الله أن لا ترى النور، وها نحن نكتب للتوثيق بعد أكثر من خمسة أعوام لتسليط بعض الضوء على تلك الفترة القصيرة من حياة شاعرنا الكبير.
      في فبراير: منتصفه تحديداً، أرسلنا خطاب دعوة رسمي كمستند أساسي للبدء في إجراء تأشيرة الدخول لأمريكا، تساءل قدّال في توجُس وهو يمزح (معقول يدّوني تأشيرة وأنا من كتب ‘اليانكي’) كل هذا يُقرأ مع الظرف التاريخي، فالسودان يومئذ تُشرق به شموس مستقبل وليد، وتسطع أقمار تبدد ظلام سنوات الإنقاذ الطويلة، ومن أكمام الوطن تتفتق حرية صبية.
    شرعنا في أواخر فبراير في التدبيرات اللوجستية الأخرى. تحديد توقيت الزيارة كان أهمها، ذكر لنا القدَّال عزمه أن يكون في إسبانيا في الإسبوع الأول من يونيو لحضور زواج ابن أخيه، وبموجب هذا الإلتزام الأسري توافقنا أن يغادر منها لنيويورك لتبدأ زيارته المرتقبة.
      في مارس: وبينما نحن منهمكون في ترتيب التفاصيل، اجتاحت الكون جائحة كورونا فكانت الزلزال الذي غير كل شيء فلا خطط تُنفذ، ولا تأشيرات تُمنح ولا طائرات تُقلع. ما عاد ممكناً ما كان بالأمس اعتيادياً، بل ما عادت الدنيا هي الدنيا. تراجعت كل الأنشطة وأصبحت الجائحة هي الحقيقة الوحيدة التي يدور حولها الناس.
      في أبريل: تجلَّت إنسانية القدّال الجامحة حين هاتفني والقلق يملأ صوته، وهو الذي لم ألتقيه من قبل، عندما بلغه إصابة رفيقة دربي (عليها رضوان الله) بالوباء، منحنا تمنياته الطيبات ودعواته ودعمه اللا محدود، فكانت لفتة مضيئة لرجل نقي الدواخل. واستمرَّت الكورونا سيدةً للموقف فأصيب بعد ذلك الأستاذ أزهري محمد علي نفسه بالفيروس، وهو في أمدرمان حينها ولمّا تعذر الاتصال به كان هاتف الأستاذ القدّال هو المتاح وهو من يطمئننا عليه.
         انقضى العام بما له وما عليه، وأتى آخر، وقبل أن تستعيد الدنيا نظامها الطبيعي، شاء المولى القدير أن يتم في أبريل ٢٠٢١ تشخيص الأستاذ القدَّال بداء عضال، استدعى سفره أولاً للقاهرة وبعدها للدوحة. ناضل شاعرنا الشاهق قدر ما أوتي من قوة واستبسل في النضال، إلى أن نفذ أمر الله وارتقت روحه الشفيفة إلى بارئها محفوفاً بدعوات ملايين المحبِّين في الدوحة في الرابع من يوليو من العام ٢٠٢١. فيا لبهاظة الفقد ويا لحزن القصيدة. تاركاً إرثاً ضخماً من الاستنارة والمعرفة والشعر القضية. وأيضاً موصياً الوصية الأهم والأعم لمستقبل هذه الأُمَّة (إنو عيون أطفالنا ما تضوق الهزيمة) فهل من مستجيب. برحيله يفقد الوطن أحد أطول نخلاته وأنبل أبنائه وأمهر شعرائه.
 (قدر يوتوبي ترحل ياصديق
زمن يوتوبي ترحل في البريق
والمدينة الفاضلة نامت في العتامة
٠٠٠٠
والحروف الوردة تحلم بالرحيق)
       للقدَّال في برزخه المجيد السلام والمحبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..