مقالات وآراء

“ود الأشبة” في جوبا… الفن لا يسأل عن الهوية

خطرفات ذاتية
سايمون دينق
خلال ونسة إسفيرية جمعتني ليلة امس بالصديق الجميل خالد عيسى أبكر من السودان، عبّر خالد عن شكره لشعب جنوب السودان على حسن الضيافة والاستقبال الكبير الذي حظي به الفنان “بلة ود الأشبة” خلال زيارته الأخيرة إلى جوبا، وأضاف أن المشهد ربما كان سيختلف لو أن فنانا جنوبيا مشهورا زار الخرطوم، إذ يرى أنه ربما لم يكن سيجد ذات الحفاوة التي استقبل بها ود الأشبة في جوبا.
وقد فضّلت أن أكتب ردي هنا، ليس فقط لمخاطبة الصديق خالد، وإنما أيضا لتوسيع دائرة النقاش المفيد المثمر بين شعبي السودان شمالا وجنوبا.
صديقي خالد..!!!
أعتقد أن مسألة استقبال الفنانين لا ينبغي تفسيرها دائما من زاوية العنصرية أو التسامح، فهناك عوامل أخرى أكثر تأثيرا، أبرزها اللغة… فغالبية السودانيين في الشمال لا يفهمون اللغات المحلية التي يغني بها الفنانون الجنوبيون، بينما يفهم كثير من الجنوبيين العامية السودانية ويتفاعلون معها بسهولة، خاصة أن العربية ما تزال لغة التواصل الاوسع في جنوب السودان.
كما أن تأثير الفن السوداني في المجتمع الجنوبي ظل كبيرا لسنوات طويلة، ومن الطبيعي أن يستمر ما دامت العربية حاضرة في الشارع الجنوبي. والجنوبيون بطبيعتهم شعب متذوق للفن الجميل مهما كان مصدره، لذلك ربما كنت ستشاهد ذات الحفاوة لو زار فنان كونغولي أو أوغندي مدينة جوبا.
ولأن الشيء بالشيء يذكر، فإن الفنان الشاب الراحل “شول منوت” كان يتمتع بشعبية واسعة وسط السودانيين، وهذا دليل واضح على أن القضية غالبا ليست مرتبطة بمزاعم العنصرية… فقد استطاع أن يجد مكانته في وجدان السودانيين لأنه قدم فنا بلغة يفهمونها ويتفاعلون معها.
وكذلك الشاعر عبد المنعم عبدالحي، الذي تغنى بكلماته عشرات الفنانين السودانيين، فأحب الناس شعره لجمال مفرداته وصدق إحساسه، دون أن ينشغل كثيرون بأصوله أو انتمائه، لأن القيمة الحقيقية كانت فيما يقدمه من إبداع قريب ومفهوم لهم.
صحيح… لا يمكن أن ننكر أن سياسات تعريب الدولة لعبت دورا سلبيا في تهميش اللغات المحلية وتقزيمها، ليس في جنوب السودان وحده، بل في السودان كله، وهو أمر ساهم بدرجة ما في إضعاف انتشار الفنون المرتبطة بتلك اللغات… لكن رغم ذلك، لا يمكن اتخاذ هذا العامل معيارا للحكم على مشاعر شعب كامل مثل الشعب السوداني.
وفي الأساس، لا ينبغي تصنيف الفنان وفق انتمائه الجغرافي أو العرقي أو الديني، ما لم يصدر عنه ما يستوجب ذلك، فالفنان في جوهره رسول للجمال والسلام والإنسانية.
وعليه، فانني أقدّر إشادتك بشعب جنوب السودان وحفاوته بالفنان ود الأشبة، وأتفهم كذلك وجهة نظرك حين قلت إن فنانا جنوبيا ربما لن يجد ذات الاستقبال في الخرطوم، لكنني اصر على أن الأمر ـ إن حدث ـ لا يرتبط مباشرة العنصرية، كما فهمت من حديثك، وأتمنى أن أكون قد أسأت الفهم.
يكفي أن اذكرك بالاستقبال التاريخي والحاشد الذي حظي به الراحل المقيم الدكتور جون قرنق في الساحة الخضراء عام 2005، وهو مشهد لا يخدم فكرة العنصرية بقدر ما ينقضها تماما، ويؤكد أن مشاعر الشعوب أعقد وأوسع من أن تختزل في قالب واحد.
ولك مني كل التحايا والتقدير

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..