مقالات وآراء

حرب الضنك

محمد أحمد الفيلابي

ضمّت جثة رضيعها وهي تبكي وتؤكد، حتى لمَن لا يسمع شكواها، أنها لم تتركه لحظة واحدة من دون غطاء، وأنها كانت تطرد عنه البعوض والذباب والجوع، ذلك لأنها عرفت بالتجربة ما يمكن أن تفعله حمى الضنك. نزعوه عنها ليذهبوا به إلى المقبرة، من دون أن يجرؤ أي منهم على القول لها إنها ربما هي مَن نقلت المرض إليه. وفي حكاية أخرى، وبالرغم من عدم صلاح بيئة ما بعد الحرب للعيش، خاصة في العاصمة الخرطوم، تجاوز صديقنا الأستاذ الجامعي التحذيرات، وذهب إلى هناك ليتفقد مكتبه ومنزله، لكنّه عاد مصاباً بحمى الضنك، السلاح الأحدث في حرب 15 إبريل/ نيسان 2023 العبثية بالسودان.

كان مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) دقّ ناقوس الخطر في أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي محذراً من ارتفاع حالات الكوليرا وحمى الضنك في السودان، بجانب تأكيدهم أنّ مستويات الجوع أصبحت “فوق عتبة المجاعة”. وفي بداية سبتمبر/ أيلول الجاري، جرى رصد ارتفاع واضح في حالات الإصابة بحمى الضنك في الخرطوم والقضارف ومدن أخرى، إذ أصبح من النادر أن تخلو أسرة من مُصاب، بل إنّ بعض الأسر بأكملها تُصاب بالمرض.

وتشهد المستشفيات القليلة زحاماً شديداً وسط شكاوى من تكاليف العلاج الباهظة. وتشير أحدث التقارير الصحافية إلى تسجيل أكثر من ستة آلاف إصابة بحمى الضنك وتسع حالات وفاة في الخرطوم وحدها. وذكرت منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) في بيانات سابقة أن الآلاف من الأطفال والمدنيين معرضون لخطر حمى الضنك، بالإضافة إلى أمراض أخرى مثل الكوليرا والحصبة والملاريا، بسبب الظروف الصحية السيئة وتدمير البنية التحتية، وكذا بسبب انهيار الخدمات الصحية، وتدمير مراكز الرعاية الصحية والمستشفيات الأمر الذي ساهم في جعل جمع البيانات الدقيقة أمراً بالغ الصعوبة، وكذا الحال مع تقديم الرعاية الصحية للمصابين.

كما أدى النزوح واسع النطاق للملايين من السودانيين إلى صعوبة تتبّع انتشار الأمراض في المخيّمات والمناطق المزدحمة. في إشارة إلى سيادة ثقافة الحرب حتّى في توصيف الظواهر البيئية، يشبّهونها بالطائرات المسيّرة، وتنتشر الفيديوهات الساخرة على نطاق واسع، توصيفاً لحال من عادوا إلى ديارهم بعد التوقف الجزئي لصوت الرصاص، لكنهم فوجئوا باستقبال ما هو أخطر، حيث الجوع وانعدام الخدمات، والتردّي البيئي في كل مكان، بجانب هذه الحشرات المنتشرة في كل مكان. إنّها الزاعجة المصرية، التي تنشط ليل نهار، لكنّها تلدغ أكثر عند الفجر والغسق. وتُصاب هذه البعوضة بالفيروس عندما تتغذى على دم شخص مُصاب، ثمّ تنقله إلى شخص سليم من خلال لدغاتها. وإن كان الضنك في اللغة هو الضيق والمشقة والعسر، فهو في واقع السودان المكمّل لما بدأته الحرب.

(متخصص في شؤون البيئة)

نقلاً عن العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..