هذه دعوة لمراجعة واقع الصحافة السودانية التي تواجه تعقيدات كثيرة تجعل مستقبل صدورها على كف عفريت

تحقيق ? حسيبة سليمان
محجوب محمد صالح، عميد الصحافة السودانية، وهو يقرأ الواقع أمامه لم يجد ما يكتبه على الأوراق غير عبارة (الصحافة السودانية تعيش أسوأ فتراتها)، مما يفرز سؤالاً حول الأسباب التي أفضت بها إلى هذا الدرك السحيق، وما هي اتجاهات ومصادر الضوء في آخر النفق؟ نخبة من الخبراء والممارسين للمهنة يجيبون على هذا التساؤل الرئيس في ثنايا هذا التحقيق..
التصويب في الاتجاه الخطأ
وكمن يقدم وصفة العلاج للمريض، تقول الحكومة إن الخيار الوحيد أمام الصحافة هو الاندماج في مؤسسات كبيرة من أجل إيجاد معالجات لأزماتها المتتابعة، وهو الأمر الذي يجعل البعض يشير إلى أن المشكلات المتناسلة حالياً هي بفعل فاعل من أجل تنفيذ ما تطلبه السلطة، لكن العاملين في الصحف أو المتمسكين بالمهنة الطاردة، يقولون إن وضع أزمة الصحافة في سياق البحث عن طريق نحو الاندماج يبدو (تنشين) في الاتجاه الخطأ، يتمسك الصحفيون ساعتها بأن الصحافة مثل الديمقراطية لا تطور إلا في مجتمع حر، عقبات بالغة التعقيد التي تجعلها تصارع من أجل البقاء، وهي تموت سريريا نسبة لهذه المشكلات، فعوامل مثل ارتفاع مدخلات الإنتاج والضرائب والرسوم المفروضة عليها، إضافة إلى عدم مساهمة الدولة بإعفائها من هذه التكاليف، ما أدى لارتفاع أسعار الصحف، فمن جنيهين لسعر الصحيفة، وصل حتى خمسة جنيهات لمعالجة العجز الكبير الذي تعانيه، ليس ذلك فحسب، بل أدى لتراجع كبير في توزيع وانتشار الصحف وإيقاف بعضها، وتوجد تعقيدات كثيرة تجعل الصحافة الورقية على كف عفريت، من مشكلات في قوانين الصحافة والتضييق الذي تعانيه من السلطة، إضافة إلى التقصير الذي تعانيه من مجلس الصحافة والمطبوعات والاتحاد العام للصحافين السودانيين، والذي يرى كثير من الصحافيين أنه لا يمثلهم، فهناك (7) آلاف عضو يمتلكون عضوية الاتحاد لكن العاملين بالمهنة لا يفوقون الـ(3) آلاف، بحيث يشكو العاملون في المهنة من ضعف دور الاتحاد العام للصحافيين في الدفاع عن حقوقهم وعدم مساندتهم ودعمهم في قضاياهم، إلا أن الاتحاد العام للصحافيين السودانيين يقول على لسان أمينه العام، إنه يدافع عن حقوق الصحافيين داخل مؤسساتهم على الرغم من أن الاتحاد يرى أنه يقوم بتوفير بيوت وسيارات بالأقساط لمنتسبيه دون استثناء.
من خلال هذا التحقيق نحاول تشريح أوضاع الصحافة الداخلية منها والخارجية، حتى نصل إلى ما تعانيه الصحافة الورقية من مشكلات تختص بقوانينها وتشريعاتها وإطار الحريات المتاح لها، وأوضاع المؤسسات الصحفية من الداخل وحقوق الصحافيين المهضومة من قبل المؤسسات الصحفية التي ينتمون لها، ما جعل بعضهم يهاجر خارج السودان أو يهجر المهنة طوعا دون عودة لها مرة أخرى، لوضعها الطارد، وهو الأمر الذي دفع الكثيرين لهجرها أو للهجرة بأقلامهم نحو بلاد أخرى.
إجراء مؤذٍ للغاية
الصحفي خالد فتحي من صحيفة (التيار)، تحدث بحسرة وقال إن المصادرة إجراء مؤذٍ للغاية، لأنها تحجب الصحيفة عن قرائها، وتعمل على تعميق أزمة اقتصاديات الصحف البالغة الهشاشة، وأكد على أنها في العادة تتم دون أسباب واضحة أو حيثيات، ودائماً ما تخضع لمعايير تكون غير واضحة للمؤسسات الصحفية، وأضاف أن الإجراءات التي تتخذ أشكالا متعددة، تقف (حجر عثرة) في طريق تطور المؤسسات الصحفية بالسودان، التي تعاني من أوضاع مأساوية في ظل هذه الظروف الاستثنائية، ويدفع الكثير من الصحافيين والصحافيات إلى هجر المهنة والتوجه لخيارات أخرى، أبرزها الهجرة خارج السودان. وتحدث عن صحيفته (التيار)، وقال إنها تعد واحدة من أكثر الصحف بالسودان التي تعرضت للقمع والمصادرة والإيقاف، بجانب قيود أخرى، وأشار فتحي لـ(اليوم التالي)، إلى أساليب السلطة في التضييق على الصحافة، وعلى رأسها أيقاف الصحافيين ومنعهم من الكتابة والتضييق عليهم، وتزايد القيود الحكومية التي تقف حائلاً دون الحصول على المعلومة، وضعف وهشاشة الغطاء القانوني الذي لا يوفر لهم بعض أشكال الحماية، والشعور بعدم الأمان أثناء أداء مهمتهم الصحفية، وأردف: ?يعاني المشتغلون بالمهنة أيضاً من أوضاع قاسية داخل المؤسسات الصحفية، من ضعف العائد المالي المجزي، وعدم توفر محفزات العمل الأخرى، كالتأمين الطبي، وفوائد ما بعد الخدمة، للذين يتقاعدون عن المهنة بسبب العجز، أو المرض، مع غياب فرص التدريب الداخلي والخارجي، وغيرها من المطبات التي تكبح طموح الصحافيين في التطور والارتقاء. ويرى خالد أن كل تلك العوامل وغيرها تجعل الصحافة إحدى المهن الطاردة، وقليلة الأمان للمشتغلين بها، وأشار إلى أن كلمة السر في تقدم الصحافة هي (الحرية)، ويجب أن تنتزع الصحافة حريتها وتفك إغلالها من قيود السلطة، وأن تضغط الصحف ليكون القانون الذي يتراضى عليه الجميع هو الفيصل الوحيد في المنازعة بين الصحافة وخصومها. وقال بنبرة حادة ?لابد من الضغط على السلطة لرفع قيود الضرائب والجمارك التي ترهق كاهل الصحف ذات الاقتصاديات الهشة?، وأشار إلى أن السلطة تتحمل كل الرهق الذي تعاني منه الصحافة السودانية، لأنها من صنعت هذه البيئة السياسية والاقتصادية التي تعمل فيها الصحافة، وأكد خالد على أن الصحف لها القدرة على التأثير وكسب ثقة الجماهير والتعبير عن تطلعاتهم وآمالهم، ولا تزال في مقدمات مصادر الاستنارة داخل المجتمع السوداني.
المبادئ السياسية لحرية الصحافيين هي قوانين حددها مجلس الصحافة والمطبوعات لسنة 2009، وتسمح للصحفي بممارسة الصحافة بحرية واستقلالية وفق الدستور والقانون، وأن لا تفرض قيود على حرية النشر. وبحسب عثمان شبونة الكاتب الصحفي الذي تحدث لـ(اليوم التالي) بلهجة حادة، قال إنه طوال فترات إيقافه من الكتابة والتي امتدت لسنوات بالتتابع بين مختلف الصحف؛ لم يعرف سبباً معيناً قاطعاً من أية جهة رسمية، يبرر بالتحديد هذه الهجمات المتلاحقة على قلمه بالمنع، وبحسب قانون الصحافة والمطبوعات لا يجوز فصل الصحافي إلا بعد إخطار الاتحاد العام للصحافيين بمبررات الفصل، ويؤكد على أن ذاكرة النظام القائم في السودان اليوم تفضِّل أن يلبي الكاتب طموحات السلطة بعدم سلخ أقنعتها، وحين يجنح الكاتب للحقيقة دون مواربة لسلبيات هذه السلطة؛ يصبح من الصعب أن يوطد أقدامه عبر صحف تحت قبضتها.
عقوبة غير دستورية
قال نبيل أديب، الخبير القانوني، إن إيقاف ومصادرة الصحف عقوبة غير دستورية، لأن إيقاف الصحيفة يعتبر حرماناً للرأي العام، وهو من حقه الاطلاع على الأخبار والنقاش، وأنه يوجد منع مادة من النشر بأمر قضائي، وهذا في حالة أن المادة مخلة بالأمن القومي، هنا يمكن تدخل القضاء بأن لا تنشر مثل هذه المادة وليس إيقاف ومصادرة الصحف. وطالب أديب بوضع قانون يحمي الصحافة من تهور السلطات التنفيذية مع توضيح متى يكون الإيقاف والمصادرة قانونيين.
لا يخصص ميزانية كافية للتدريب
إن المجلس القومي للصحافة والمطبوعات مقصر في التدريب ولا يخصص ميزانية كافية لتدريب منسوبيه، حسب قول الكاتب الصحفي فيصل محمد صالح، على الرغم من أن اختصاصات المجلس الإشراف على تدريب الصحافيين بالتنسيق مع المؤسسات الصحفية. وأضاف فيصل لـ(اليوم التالي): ?لا يوجد جسم نقابي لأن قانون النقابات لا يسمح بقيام نقابات مهنية، وهو قانون معيب ولابد أن يتم تعديله، وأن الاتحاد لا يسمح بقيام جسم نقابي لأن يده مغلولة وهناك أجهزة أخرى تمارس سلطاته، مؤكداً أن النقابات الصحفية موجودة في الكثير من دول العالم، وهي التي تمارس الضغط على المجلس والاتحاد لحفظ حقوق الصحافيين?، وتابع: ?على الصحافيين أن يناضلوا من أجل حقوقهم لتعديل القانون، لأن الاتحاد لا يهتم بمعظم قضايا الصحافيين ومنشغل بأشياء أخرى ويهمل منسوبيه باستمرار?، وأردف فيصل: ?عضوية الاتحاد هي المشكلة الحقيقية، لأن وجود (7) آلاف عضو يملكون العضوية و(5) آلاف عضو منهم لا علاقة لهم بالمهنة، هذا أمر كارثي لأن هؤلاء ينحصر دورهم في التصويت عندما تحين الانتخابات فقط، وليسوا من ممارسي المهنة في وسائل الإعلام المعروفة?، واستطرد: ?من يملكون العضوية من غير الصحافيين المعروفين لن يتأثروا بأوضاع الصحف أو التشريد الذي يطال زملاء المهنة أو حتى حال إغلاق إحدى الإصدارات، لأنهم يعملون في مؤسسات أخرى وكل دورهم ينحصر في دعم الاتحاد عندما تحين الانتخابات?، وتابع فيصل: ?يعتقد قادة الاتحاد أن توفير (الركشات) يمكن أن يضع حداً لمعاناة الصحافيين ولا يهتم بحقوقهم ومعالجة مشاكلهم?، مبيناً أن هناك قوانين مقيدة للحريات وقد استغل الاتحاد عدم وجود جسم نقابي ليمرر أجندته، وأشار إلى أن الصحافيين لا يقفون ضد القانون ومستعدون للمحاكمة حال أن أخطأوا ليبقى الفيصل هو القانون بدلاً من مصادرة الصحف، وأردف: ?جهاز الأمن لا يحق له إيقاف الصحف بموجب المحكمة الدستورية، لكن الخلل في أن جميع الجهات متواطئة مع بعضها بعضا، وحول الجسم الجديد المسمى بـ(كرام الصحفيين)، قال فيصل؛ إن منح الصحفيين مبالغ مالية (ظروفاً) نظير تغطية عمل صحفي يعتبر مدخلاً للفساد، ويجب أن يتم الوقوف عليه.
أوضاع مختلة داخل الصحف
الصادق الرزيقي، رئيس اتحاد الصحافيين السودانيين، قال لـ(اليوم التالي)، إن أوضاع الصحافة في السودان مختلة داخل المؤسسات الصحفية، وإن أغلب الناشرين ليس لديهم علاقة بالمهنة، وأضاف أن دخول عدد من رجال الأعمال في مجال الصحافة أثر بشكل كبير، لأنهم ليس لديهم القدرة على تطوير المهنة، ودعا الصحفيين لأن يقوموا بتكوين وحدة نقابية لكي يستطيع الاتحاد المدافعة عنهم، لأن كثيرا من الخذلان يتم من الزملاء أنفسهم، وأردف: ?المشكلة الرئيسة تكمن في المجتمع الصحفي، لأنه إلى الآن لا يستطيع استيعاب أن روح التضامن والتواصل بينهم هي السبب الرئيس للدفاع عن أنفسهم، ومن الخطأ أن يتوقع الصحافيون أن يوفر لهم الاتحاد فرص عمل، لأن هذا ليس عمله، بل إن دوره أن يقوم بالدفاع عن حقوقهم الوظيفية والمهنية. واعترف الرزيقي بوجود قصور كبير تجاه الصحفيين في السودان، إضافةً إلى مشكلة في إبداء الرأي، وقال إن (90 %) من المقالات التي تكتب في الرأي ليست قائمة على أسس علمية للعمود الصحفي، بحيث يوجد أشخاص سرقوا نجومية الصحافة في الظهور بالأعمدة، واتهم أصحاب المؤسسات الصحفية الذين يفضلون كاتب الرأي على المحرر، بأن صحفهم غير محترمة. ومن جانب آخر قال إن التدريب في القانون ثلاثة أشهر، لكن معظم الصحف تقوم باستغلال كبير لهم، واعتبر الرزيقي هذا الاستغلال جريمة أخلاقية، والحل يكمن بين الاتحاد والمجلس، بأن يقوما بمراقبة أوضاع الصحف باستمرار، وعمل حملات تفتيشية على المؤسسات بإعطاء أسماء العاملين والمتدربين بالصحيفة وعقودات العمل.
ويبدي الكثيرون انتقادهم للمادة (25) من قانون الأمن الوطني التي تنص على أن مشرع القانون أعطى أعضاء الجهاز سلطة طلب المعلومات، أو البيانات، أو الوثائق، أو الأشياء، من أي شخص والاطلاع عليها أو الاحتفاظ بها أو اتخاذ ما يراه ضرورياً أو لازماً بشأنها، وهذه سلطات مطلقة؛ ويمكن عن طريقها ممارسة الرقابة القبلية على الصحف، مما يحد من حرية الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى، وهو أمر يراه الكثيرون مناقضاً للدستور الذي نص على حق التعبير.
اليوم التالي.



