مقالات وآراء

في الدقيقة (45)… عندما اختُزل محمد حلا الاقتصاد السياسي في رغيف خبز وقطعة باسطة خرطومية (الجزء الثاني)

بعد أن فهمنا معنى الدعم ورفع الدعم، يمكننا العودة إلى السؤال الذي طرحه الأستاذ محمد حلا في الدقيقة (45) من حديثه، وهو يروي حوارًا دار بينه وبين الأستاذ صديق يوسف، قال فيه، بمعنى حديثه: “إنتو ليه رافضين رفع الدعم؟”
وقبل أن يطرح هذا السؤال، سبق ذلك بحديث أكثر أهمية، عندما قال، بمعنى حديثه، إن الدولة كانت تدعم سلعًا خرطومية على حساب أهل الريف، ثم مضى ليبرر ذلك بالقول إن سكان الريف لا يأكلون الخبز، ولا يأكلون الباسطة، ولا يشربون البيبسي أو البستي كولا، ولا يستخدمون البنزين، وإنما يعتمدون على الذرة والدخن.
وهنا ينبغي أن نتوقف طويلًا، لأن هذه ليست مجرد ملاحظة عن أنماط الاستهلاك، وإنما تصور كامل لطبيعة الاقتصاد والدولة.
( فلا يمكنك ياحلا انت تراجع موقف الشيوعي من اقتصاد السوق) فقط لك حريه أين تقف
فلا يوجد في علم الاقتصاد شيء اسمه سلعة خرطومية في مقابل سلعة ريفية.
فالوقود ليس وقود الخرطوم، والقمح ليس قمح الخرطوم، والكهرباء ليست كهرباء الخرطوم.
إنها جميعًا مدخلات أساسية تدور بها عجلة الاقتصاد الوطني كله.
وعندما تدعم الدولة الوقود، فهي لا تدعم صاحب السيارة الخاصة وحده، وإنما تدعم الزراعة، والصناعة، والنقل، والتجارة، والخدمات، لأنها جميعًا تعتمد على الطاقة.
وعندما تدعم الدقيق، فهي لا تدعم سكان العاصمة وحدهم، وإنما تحاول المحافظة على استقرار أسعار سلعة أساسية تدخل في الأمن الغذائي لقطاع واسع من المواطنين.
إن تحويل القضية إلى “سلع خرطومية” و”سلع ريفية” ينقل النقاش من الاقتصاد إلى الجغرافيا، ومن تحليل السياسات إلى توزيع الإحساس بالظلم بين الأقاليم.
وهنا يغيب السؤال الحقيقي: هل هذه السياسة الاقتصادية صحيحة أم خاطئة؟
ليحل محله سؤال آخر: من المستفيد منها جغرافيًا؟
وهذا، في تقديري، مدخل خطير، لأنه يعيد تعريف الدولة وكأنها اتحاد بين اقتصادات متنافسة، بينما الدولة الوطنية الحديثة تقوم على أن الاقتصاد، رغم تفاوت التنمية بين الأقاليم، هو اقتصاد واحد، وسوق واحدة، ودورة إنتاج واحدة.
هل فعلًا لا يتأثر الريف برفع الدعم؟
لننظر إلى دورة إنتاج رغيف الخبز على سبيل المثال.
المزارع يحتاج إلى الوقود لتحضير الأرض، وتشغيل الآليات الزراعية، وضخ المياه، والحصاد، والدراس.
ثم يحتاج إلى الوقود لنقل المحصول إلى مراكز التجميع، ثم إلى المطاحن، ثم إلى المخابز، ثم إلى الأسواق.
ولو استبدلنا القمح بالذرة أو الدخن فلن يتغير شيء في المنطق الاقتصادي.
فالذرة أيضًا تُزرع، وتُحصد، وتُنقل، وتُخزن، وتُطحن، وتُوزع عبر وسائل نقل تعتمد على الوقود.
بل إن سكان الريف قد يكونون أكثر تأثرًا بارتفاع أسعار الوقود، لأنهم يتحملون تكلفة الإنتاج أولًا، ثم تكلفة نقل منتجاتهم، ثم تكلفة نقل السلع التي يشترونها من المدن.
ولذلك فإن ارتفاع الوقود يضغط عليهم مرتين: مرة كمنتجين، ومرة كمستهلكين.
ولا يتوقف الأمر عند الغذاء.
فالأسمدة، والبذور، والأدوية البيطرية، ومدخلات الإنتاج الزراعي، ومواد البناء، والأدوية، وقطع الغيار، وحتى أجرة المواصلات، كلها ترتفع مع ارتفاع تكلفة الطاقة والنقل.
إذن، فإن رفع الدعم عن الوقود لا يضر سكان المدن وحدهم، بل يمتد أثره إلى كل حلقات الاقتصاد الوطني.
فهو يرفع تكلفة الإنتاج قبل أن يرفع تكلفة الاستهلاك، ويولد موجة تضخمية تصل إلى المدينة والريف معًا.
وهنا يتبين أن السؤال ليس: من يأكل الخبز؟ ومن يأكل الذرة؟
وإنما: كيف تنتقل تكلفة الوقود عبر دورة الإنتاج حتى تصل إلى كل مواطن، مهما كان مكان إقامته أو نمط غذائه؟
ولهذا فإن اختزال الاقتصاد السياسي في رغيف خبز وقطعة باسطة لا يفسر الاقتصاد، بل يحجب آلياته الحقيقية.
فالاقتصاد لا يتحرك وفق ما يستهلكه الأفراد فقط، وإنما وفق شبكة مترابطة من الإنتاج، والنقل، والتوزيع، والتبادل، لا يمكن فصل المدينة عن الريف داخلها.
الجزء الثالث سيكون، في رأيي، أهم أجزاء الدراسة، لأنه سينتقل من الاقتصاد إلى التحليل الماركسي: تقسيم العمل بين المدينة والريف، وكيف يحوّل هذا الخطاب الصراع من صراع حول السياسات الاقتصادية إلى صراع جهوي بين ضحايا السياسة نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..