في الحنين لأماكن تسكننا

في الحنين لأماكن تسكننا
مقطع فيديو على الفيسبوك لشابٍ سوداني قال ناشره انه مهاجرٌ في احدى مناطق إيطاليا ، يجرى ( جكة ) ومعه شابين وهو يغني بشجن اغنية محمد مسكين ( ارض المحنة ) حمَّل الأغنية شوقاً يسري من المقطع فيستقر في القلوب . يغني ويضحك ويمازح شابةً بيضاء تسير بجوارهم فتشاركهم بغناءٍ كشدو العصافير ، يطربنا ولا ندري كنهه . يترنم الفتى بخفةٍ روحٍ وظرف ، وبصوت تمتزج فيه أصوات الكاشف وود اللمين وعركي ، وتحمل ملامحه تقاطيع اهل الجزيرة ، جمالها وطيبتها وتفردها .
أعادني الشجن إلى مدني ، فهي بقعةٌ براح تتمدد فتشمل كل الجزيرة ، إذ فيها المصالح الحكومية والنشاط التجاري والثقافي والرياضي ، في الصباح تتشح بالإلفة لتستقبل الناس من كل المناطق حولها ، كلٌ يأتي لشأنه ، لتحتويهم في دفء يشبهها .
كنّا ومنذ الصغر نأتي إليها مع اهلنا ،
وفِي ذاكرتي جولة شراء مستلزمات العيد ، كنّا نأتي مع أبي رحمه الله في تجوال ماتع بين المحلات التجارية ، الناس يعرفون بعضهم ، يتبادلون التحايا والقفشات ثم يمضون . أذكر اننا وفِي كل مرة بعد جولة وسط الزحام لشراء ملابس العيد ، نصل لعبارة اثيرة لدى أبي ( بعد السوق دة كلو ما لقيتوا فيه حاجة نمشي دكاكين الهنود ، الما بشتري من هناك يرجع فاضي ) . ومحلات الهنود كانت عامرة بكل انواع الأقمشة بألوانٍ زاهية ، الباعة يرحبون بالزبائن مع شرحٍ لخامات الأقمشة . يجلس ابي على كرسيٍ في المحل ونبدأ رحلة ( الشناف ) حتى نخرج بخفيّ حنين لنعيد الكرة في يومٍ آخر . كانت جولة السوق بالنسبة لنا هدفٌ في ذاتها ، حيث الزحام ، وبائعي الخضار والفواكه ينادون على بضائعهم ، وشوارع السوق الضيقة تبطئ الحركة ما يسمح بمتابعة الأحاديث الجانبية ومحاججة الزبائن ومجاملات الباعة ، وخلافات عابرة تموت في لحظتها بعد ان يتدخل المارة ان ( باركوها يا جماعة ) .
أول عهدي بمدني ككائن مستقل ، او شبه ذلك ، عندما بدأت الدراسة بمدرسة مدني الثانوية . كانت المدرسة الحكومية هي حلم كل طالبات المنطقة حيث يتم التوزيع بحسب النتائج ( المجموع ) لتذهب صاحبات اعلى المجاميع لمدرسة مدني الثانوية، ثم تتوزع بقية الطالبات على المدارس الأهلية . لم يكن يومي الأول جيداً ، فقد كانت مساحة المدرسة واسعة بمبانٍ ضخمة من طابقٍ واحد واعداد كبيرة من الطالبات ، أول ما استوقفني السور العالي الذي كثيراً ما يذكرني بذلك السجن الذي يقع في منتصف المسافة بين قريتي امسنط والمدرسة ، كنّا نمر بالسجن فنرى السجناء بعضهم تكبل ارجلهم السلال ، ينكفئون على مساحاتٍ زراعية تحيط بالسجن ، يعملون في تراخٍ وفوق رؤوسهم سجاناً يحمل بندقيته . حائط المدرسة كان أعلى من سُوَر السجن وأكثر ضخامة ، مع بوابةٍ كبيرة تُغلق خلفنا بإحكام فيتردد صريرها ليذكرني انني مقبلةٌ على يومٍ جديدٍ بالسجن .
في أيامي الأولى كنت احن الى المدرسة المتوسطة بامسنط ، فكل المعلمات ( بنات الحلة ) تربطهن وشائج القربى بأغلب الطالبات ، عدا اللاتي يأتين من المناطق المجاورة ، دار امبلال والشكابة وحلة حسن ، وحتى هؤلاء تربطهن علاقات القرابة او الصداقات الاسرية الممتدة وربما التصاهر مع اهل امسنط . لذلك كان جو المدرسة المتوسطة تحفه الإلفة لتأتي المناشط الثقافية فتحيل المدرسة لمكانٍ اثير تجد فيه كل طالبة ما يتوافق واهتماماتها .
كانت اجمل لحظاتي في مدني الثانوية عندما يقرع الجرس معلناً نهاية يوم دراسي فنسارع لعبور البوابة ( لنشاقق ) بمجمع الإعدادية جامعة الجزيرة ، نختلس النظر إلى الطلاب وهم يتحركون بهمةٍ ، يتناقشون او يتآنسون يحملون الكتب الضخمة في يد وفِي الأخرى لاب كوت ابيض وربما نظارات طبية تجعل منهم أُناس مثيرون للأهتمام . في مرة قررنا دخول كافتيريا النشاط ، كانت عالمٌ مختلف حيث النقاشات السياسية تدور على وقع كأسات العصائر ، كانت الإعدادية عالمٌ آخر لطالبة ثانوي تعبرها لموقف المواصلات .
والموقف دنيا اخرى ، ينتظر الناس الحافلات فتجد من يحجز لك مقعدا ايام الزحام ، فتكتشف انه من الاهل او الجيران او احد أبناء المناطق المجاورة . اذكر في مرة كانت برفقتي صديقة ، كنّا نتكدس في باب الحافلة املاً في الظفر بمقعد ، وفجأة وجدتُ صديقتي تحمل حقيبة يدها وتنهال بها على شابٍ يقف خلفها ، تضربه بقوة وهو يقف كتمثال ، وجهه على الأرض بكل خزي الدنيا ، ايام كان التحرش بالنساء مدان بصورةٍ مطلقة ، يتدخل الناس دون ان يسألها احد فيبدأون في توبيخ الشاب ( الله يخيبك يا الخايب ، الله يسود وشك يا السجمان ) ثم يأتي صوتٌ يسأل : دة ود منو ؟ فتأتيه الاجابة من مكانٍ ما وسط الزحام ، ما بنعرفو ، الله لا كسبو . ينسرب الشاب من وسط اللعنات ليختفي بهدوء .
هل ابتعدنا كثيراً عن صاحب الفيديو الذي يغني بشجن ؟ ليست تماماً ، فهناك في عمق الجزيرة ، في امسنط ، يأتي بص العمال في وقته تماما ، حتى ان الناس يضبطون ساعاتهم على مواعيده ، يأتي مع الفجر ليأخذ عمال الفبارك ، يوزعهم على مواقع عملهم بمشروع الجزيرة حيث كان هناك مشروع وفبارك وبالات القطن الأبيض تتراكم في انتظار الترحيل ، والسرايات التي كانت كجنات الله في الارض ، أصبحت الآن اثر بعد عين ، ومصانع النسيج والبيبسي بمنطقة الصناعات بمارنجان كلها كخلايا النحل . النساء بالثياب البيضاء الناصعة يرحن ويغدون في همة ونشاط ، وباصات الترحيل تنتظر امام المصانع . ايام كان قلب الجزيرة ينبض بالخير ، الزراعة والصناعة والحب ، لم يتبق الآن الا الحب ، الذي يملأ قلب ذلك الشاب في احد أركان الدنيا فيتداعى شوقاً لأرض المحنة ، ونتداعى معه من لندن ، شوقاً ومحبة لارضنا التي شبعت ظلماً واهمالاً ، وتُركت تذبل في صمت ، الا من حبنا لها :
من ارض المحنة من قلب الجزيرة
برسل للمسافر أشواقي الكتيرة

سلمى التجاني




كسمحة وكتابتك سمحة يا بتي
كسمحة وكتابتك سمحة يا بتي
لغة رصينة و سرد ماتع مفعم بأصالة متشربة بالروح السودانية بكل أبعادها الجمالية.. هنيئا لك بكل ذلك يا إبنتنا …
سرد جميل ولغة راقية
شكراً يا سلمى
لغة رصينة و سرد ماتع مفعم بأصالة متشربة بالروح السودانية بكل أبعادها الجمالية.. هنيئا لك بكل ذلك يا إبنتنا …
سرد جميل ولغة راقية
شكراً يا سلمى