الى سلاطين الدنيا : خذوا حذركم من القادم فى السودان

لم أندهش عندما قرأت ماقاله الاستاذ عبدالمجيد الشرفى عن الاسباب التى أدت الى الثورة التونسية الرائدة . لم تكن حادثة البوعزيزى الا الشرارة التى اشعلت الموقف الجاهز بالاسباب التى ذكرها الاستاذ ، وقد كان من الطبيعى ان يندهش اى انسان عندما يجد ان الاسباب التى ذكرها تنطبق وقع الحافر على الحافر على ماحدث ويحدث فى سودان الانقاذ ، بمايشكل اساسا لثورة اقتربت فى السودان .
بعد ان ذكر الاستاذ بعض الاسباب البعيدة التى يرى انها كانت من مسببات الثورة قال :
( من الاسباب القريبة كذلك ان السنوات الاخيرة خصوصا من حكم بن على ، شهدت نوعا من التكالب على نهب المال العام لفائدة بن على وزوجته واقاربه بصفة لم تعد مقبولة الى الضمير التونسى مهما كان … لقد اصبح هناك نوع من التفاوت فى الثروة لم يتعود عليه التونسيون . هذا التفاوت لصالح اناس كانوا قبل مدة وجيزة من اوساط دنيا ثم اصبحوا بين عشية وضحاها من اغنى أغنياء البلاد ، لايقبله التونسى بصفة عامة ) انتهى . ما رايك لووضعت سودانى وسودانيين ثم الاسماء التى تعرفها مكان مايشير الى الوضع فى تونس!! ثم يواصل الاستاذ عبدالمجيد ، وكأنه يقرأ من اللوح السودانى : ( يمكن ان نضيف ايضا الى هذه الاسباب ان حكم بن على البوليسى فى الاساس أغلق شيئا فشيئا كل المنافذ التى يعبر بها الناس عن ارائهم وعن مواقفهم وتطلاعاتهم فضلا عن معارضتهم ، ونتيجة لذلك أصبحت كل البلاد بمثابة القدر الذى يغلى والذى لابد ان ينفجر فى يوم من الايام . وهذا الانفجار حدث بانتحار محمد البوعزيزى ) ! قد نضيف الى هذا بعض الاوصاف الانقاذية فنقول : حكم البشير الامنى الجنجويدى ..الخ
ثم يذكر من الاسباب ( لقد قضى نظام بن على اما عمدا أو بطريقة لاواعية على النظام التعليمى التونسى فى مختلف مراحله من الابتدائى الى الجامعى … من حيث الكيف لم يكن النظام يستجيب لما يتطلبه اى نظام تعليمى حديث من اذكاء ملكة النقد لدى التلميذ وترسيخ الاعتداد بالذات وتكوين الشخصية ، وانما كان نظاما يعتمد على التلقين والحفظ ، وكان نظاما يأخذ بعين الاعتبار النواحى الشعبوية فقط ) كما يحدث لدينا بالتمام والكمال مع حذف جملة ” او بطريقة لاواعية ” لانه فى الحالة السودانية فان ذلك كان يتم بوعى وخطة !
هذا فى مايخص الاسباب المتطابقة بين ماأدى الى الثورة التونسية وما سيؤدى الى الثورة السودانية .غير ان هناك بعض النقاط الهامة والتى ترد على بعض مايثار من قبل جماعات الثورة المضادة والجالسين على الحائط :
مثل ما اثير أخيرا بعد العصيان المدنى عن ان الشباب غير المنتمى الى المعارضة هو الذى .. الخ ففى رد على سؤال للصحفية التى حاورت الاستاذ : نتحدث كثيرا عن ثورة الشباب ، فهل هى بالفعل كذلك ؟ وكان الرد 🙁 أنا لا يحرجنى ان تسمى ثورة الشباب . ولم لا ؟ لان الشباب فى كل الاحداث العمومية بصفة عامة ، التى لاتخص الافراد فقط وانما تخص الجماعات ، هم قوى التغيير . فى نهاية الامر لايمكن ان نطلب من المسنين ان يقوموا بهذا الدور . المسنون بصفة عامة محافظون بينما الشباب متطلع الى التغيير ، متطلع الى الافضل . فان تكون هذه الثورة هى ثورة الشباب نعم ، لكن لايعنى ذلك ان الشباب بمفردهم قد قاموا بهذه الثورة ، فهم كانوا وقود الثورة أكثر مما كانوا وحدهم الذين انجزوها. الشباب هم الذين كانوا قادرين على الخروج الى الشوارع ، ولكنهم كانوا كذلك مؤطرين ، فالكثير من الحركات كانت وراء الشعارات التى رفعها الشباب . التأطير تفاوت من وضعية الى أخرى ، وقد قام به مناضلون قاعديون سواء من النقابيين أو أفراد المجتمع المدنى المناضلين الواعين .
وفى سؤال آخر : لكن فى تونس كنا قد فقدنا منذ زمن طويل الخروج الى الشارع للتظاهر أو ردة الفعل العمومى . وكان الرد : ( عندما تصل الامور الى مازق ووضع تنعدم فيه الخيارات الاخرى ، لايبقى الا التمرد على السلطة . عندها تشتعل كنار فى الهشيم وتنتشر . ويمكن ان تكون الشرارة أى شئ ..) .
ا ختتمت الصحفية المحاورة اسئلتها بالتالى :هذا التحرك لافت لانه بحكم الظروف السياسية التى كانت تحد من النشاط السياسى والنقابى والجمعياتى ، أى فى غياب تربية سياسية نتفاجأ كيف برزت هذه التعبئة المنظمة ؟
يرد ( هذا هو بالذات بروز المكبوت . فالمكبوت يبقى ولايضمحل لانه منع من الظهور …. لايمكن ان نتصور ان التونسيين كانوا قبل السابع عشر من نوفمبر من طينة معينة ، ثم أصبحوا بعد الرابع عشر من يناير وفى شهر واحد اناسا مختلفين . هو نفس الشعب الذى تغير ولكن عددا من العوامل قد نضجت بسرعة ، كانت على نار هادئة ومشتتة واجتمعت فى لحظة ما ) !
هذه اسباب ماحدث فى تونس ، بل وفى كل ثورات العالم الاخرى ، ولكى لانذهب بعيدا ، هو ما حدث فى السودان 1964 و 1985 .غير ان سلاطين الدنيا من البعيدين والقريبين لايفهمون سيرورة الشعوب وثوراتهم ، فهم فى غيهم يعمهون ، حتى وهم يرون اسبابها تنضج امام اعينهم .
فاذا بدأنا بامريكا ، رائدة نظرية الهبوط الناعم للانقاذ حماية لمصالحها ومصالح حلفائها ، نجد انها فشلت من قبل بالتنبؤ بما حدث خلال هاتين الثورتين . بل ان استخباراتها فشلت فى كوبا القريبة وفيتنام البعيدة وفى افغانستان وكذلك فى آخر وأكبر نماذج فشلها فى الشرق الاوسط ، فقد أدت حربها فى العراق ، تطبيقا لمبدأ الفوضى الخلاقة ، أدت الى تمدد نفوذ ايران ، عدوها رقم واحد ، الى العراق وسوريا ولبنان وهلم جرا !! فهل تتوقع الانقاذ الانقاذ على يد امريكا التى فشلت فى انقاذ نفسها من حفر حفرتها بيدها ؟!
ثم نأتى الى الاقرباء الذين يحز ظلمهم فى النفوس ، اولئك الذين يعلمون علم اليقين مافعل بنا الذين أتوا من حيث لانعلم ، ولكنهم حماية لمصالحهم الآنية يدعمون هبوطهم الناعم ، برغم العواصف والزلازل اليومية التى يثيرها هؤلاء ضد الهبوط الناعم ذاته ! الايرى اقرباؤنا النهب الذى يحدث على رؤوس الاشهاد دون خجل أو وجل ؟ الايرون القتل اليومى الذى يحدث لاهلنا فى دارفور من قبل مليشيات النظام الذى يدعى ان ” كله تمام “؟ الايرون الاعتقالات التى تتم يوميا لكل من ” يقول بغم “؟! لاشك انهم يرون ، ولكنهم ربما يرون ايضا ان هذا مايجب ان تقوم به الحكومة لكى تبقى وبالتالى تحافظ على مصالحهم !
لكنى أقول لاولئك وهؤلاء خذوا حذركم ! اقرأوا تاريخ السودان القديم والحديث ، بل أقرأوا تاريخ العالم حتى القريب منه : ستجدون ان شاوشيسكو ، صاحب الاقبية الامنية كان ميتا هو وزوجته بالرصاص بعد اربع وعشرين ساعة من خطاب جماهيرى بدأ بهمهمة من الصفوف الخلفية وانتهى بماانتهى اليه . التاريخ يقول بوضوح ان مثل نظام الانقاذ ذاهب الى مزبلة التاريخ وقريبا جدا ? فما ” تدفقوا مويتكم على الرهاب ” أى السراب ، فالماء الوفير آت وقريبا وستنالونه بالمصالح المتبادلة ، وليس باستغلال ظرف غير دائم ، فالدوام لله . ولا تجعلونا نردد مع الشاعر :
المستجير بعمر عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار




لن يتعظو الا ضحي وبعد فوات الاوان المجرمين الكيزان
لكن حسب علمي الشعب الذي يقوم بثورة هو الشعب الموجود في مؤسسات إنتاجية وانتاجها أيضا له نسبة عالية في الناتج الاقتصادي القومي. وهذا الشرط غير متوفر في السودان. كان قد توفر في أكتوبر اكثر, توفر قليلا في ابريل.
اليوم مافيش.
باختصار الإنقاذ باقية اليوم لأنها حطمت البلاد.
لكن برضو السودان سيحصل فيه شيء ما.