هل اصبح جنوب السودان الضفدعة التي لا تتعلم؟

(خطرفات ذاتية)
بقلم: سايمون دينق
ذات مساء.. وانا جالس داخل حوش بيتي، لفت انتباهي سلوك ضفدعة كانت تصطاد الحشرات تحت الجدار الخارجي للغرفة.مستفيدة من ضوء “اللمبة” المنصوبة على شرفة الغرفة.
كانت تلتقط الحشرات بمهارة فائقة.. تترقب حركتها بصبر، ثم تنقض عليها بلسانها المعكوس بدقة متناهية خلال لحظة من الثانية..!!
غير أن الضفدعة عندما أرادت مغادرة المكان، تبدل سلوكها تماما، وأخفقت كل حواسها في إيجاد المخرج.
بدأت تقفز باتجاه الجدار وتصطدم به في كل مرة، ورغم تكرار المحاولة وفشلها!!، لم تعي الدرس وتدرك أن الجدار ليس طريقا للخروج، وأن عليها البحث عن اتجاه آخر.
كانت تعيد القفز نحو الجدار نفسه، والنتيجة هي نفسها لا تتغير.. الاصطدام ثم محاولة جديدة فاشلة.
فسألت نفسي في صمت..! هل الضفادع مخلوقات غبية لهذه الدرجة!؟
المؤسف.. أنني لاحظت أيضا أن هنالك تشابها كبيرا بين سلوك الضفدعة وسلوك مجتمعنا الجنوبي!!… لأن الطريقة التي يتعامل بها هذا المجتمع مع كثير من أزماته المتراكمة التي صنعها (فرقاء السلطة والسياسة) لم يجد لها مخرجا غير الجدار المغلق.
والحق يقال، أعتقد ان المشكلة لا تكمن في غياب الرغبة في التغيير، بل في أننا نعيد إنتاج الأدوات القديمة نفسها لمعالجة مشكلات جديدة، ونكرر الأخطاء ذاتها، ثم ننتظر نتائج مختلفة.
لقد مر جنوب السودان خلال سنواته الماضية قبل وبعد الانفصال بأزمات عديدة، من صراعات سياسية وانقسامات مجتمعية واحتراب قبلي مميت مرورا بتحديات اقتصادية وضعف في بناء المؤسسات، والفساد… ! ومع ذلك، لا تزال كثير من محاولاتنا نحو الحل تدور في الدائرة نفسها، وكأننا نقفز نحو الجدار ذاته منتظرين أن ينفتح لنا طريق لم يكن موجودا من الأساس.
والسؤال هنا ليس: هل المجتمع الجنوبي غبي إلى هذه الدرجة؟… بالطبع لا..!، فالحكم متروك لك عزيزي القارئ…
وهنا أتذكر قصة أخرى عن الضفدعة نفسها! دعوني أختم بها!…
يحكى أن ضفدعة سقطت في وعاء مليء بالماء البارد، وكان قد وضع فوق النار لتسخينه… في البداية شعرت الضفدعة ببرودة الماء، لكنها لم تعتبر الأمر خطرا، بل ظنت أنها قادرة على التكيف معه.
ومع مرور الوقت بدأت حرارة الماء ترتفع تدريجيا، وتحول البرد إلى دفء لطيف فراق لها الأمر، ثم أصبح الدفء حرارة مزعجة، لكن الضفدعة استمرت في البقاء داخل الماء معتقدة أن قدرتها على التأقلم ستنقذها.
كانت درجة الحرارة ترتفع شيئا فشيئا، بينما كانت الضفدعة تستنزف كل طاقتها في مقاومة التغيير بدلا من اتخاذ القرار الصحيح والخروج من الوعاء!
وعندما أدركت أخيرا أن الوضع أصبح خطرا عليها، كانت قد فقدت قدرتها على القفز، فأصبح الخروج من الماء الساخن أمرا مستحيلا.. فماتت المسكينة!!
لا أقصد إخافتكم عندما أقول إننا في جنوب السودان ربما أصبحنا قريبين من مرحلة “ضفدعة الماء الساخن”.
فالمشكلة ليست فقط في وجود الأزمات، فكل المجتمعات في العالم تمر بأزمات، وإنما الخطر الحقيقي يكمن في الاعتياد عليها، ويصبح الفشل أمرا مألوفا، والانقسام سلوكا طبيعيا، وتأجيل الحلول عادة يومية.
إن الأمم لا تنهار دائما بسبب أزمة واحدة مفاجئة، بل قد تنهار عندما تفقد القدرة على إدراك حجم الخطر، وعندما تستنزف طاقتها في محاولة التكيف مع واقع يحتاج إلى تغيير.
قبل أن نجد أنفسنا داخل وعاء أزماتنا المتراكمة وقد فقدنا القدرة على القفز خارجه، نحتاج إلى مراجعة طريقة تفكيرنا، والبحث عن حلول جديدة، والاعتراف بأن الطريق الذي فشل مرات عديدة لن يقودنا إلى بر الأمان.
بمعنى آخر.. الخروج من الأزمة لا يبدأ بتكرار القفز نحو الجدار، ولا بانتظار أن تبرد مياه الوعاء، بل يبدأ عندما ندرك أن علينا تغيير الاتجاه.
ألقاكم




أخ سايمون ، اضحكتني بإدخالك قصص الضفادع في مقالك ، فلا تتعجب أخي فمن سعى للفصل بيننا هو من يستفيد من عدم مقدرتنا على تقبل بعضنا البعض سواء كنت شماليا أو جنوبيا .