الحوار ليس معياراً خارج التاريخ قراءة نقدية في مقال د.ناهد محمد الحسن

قرأت مقال د. ناهد محمد الحسن عن د. النور حمد ود.الواثق كمير والاستاذ خالد كودي، ولفتني منذ البداية إعلانها أنها تريد فهم مواقف الجميع، وأن كل واحد منهم «أمسك بجزء من الحقيقة».
لكن المقال نفسه لا يبدو متوازناً بهذا المعنى؛ فالجزء الأكبر منه مخصص لنقد النور حمد، بينما لا نجد معالجة مماثلة لحجة الواثق كمير أو خالد كودي.
لذلك يبدو أن الحديث عن التوازن في المقدمة لا يطابق ممارسة النقد في متن المقال.
مناقشة الفكرة أم تفسير صاحبها؟
أرى أن أضعف ما في المقال هو انتقاله من نقد أفكار النور إلى استحضار سيرته الشخصية، وعلاقته بالأستاذ محمود محمد طه، وكونه زوج ابنة الشهيد.
لا شك أن هذه الخلفية مهمة لفهم تكوينه الفكري، لكنها لا تصلح لتفسير موقفه السياسي الراهن.
فحين نربط موقفه بتجربته الشخصية مع إعدام الشهيد محمود، نقترب من اختزال موقف سياسي وفكري معقد في جرح شخصي أو رغبة في الانتقام.
وهذا يبعدنا عن السؤال الأساسي: هل حجته السياسية صحيحة أم خاطئة؟
المفكر يُناقش من خلال أفكاره ومواقفه وأثرها، لا من خلال افتراض دوافعه النفسية.
الجمهوريون والسلمية
تستدعي الكاتبة موقف الجمهوريين من أحداث الجزيرة أبا وود نوباوي لتشير إلى عدم اتساق موقفهم من السلمية.
يمكن بالطبع نقد ذلك الموقف تاريخياً، لكن لا يصح تحويل موقف سياسي محدد إلى حكم على مجمل الفكرة الجمهورية أو مبدأ السلمية لديها.
هناك فرق بين نقد خطأ تاريخي وبين إثبات أن المبدأ نفسه متناقض.
الخطر ليس في البندقية وحدها
تسأل الكاتبة سؤالاً مشروعاً: ما الذي يجعل بندقية أداة للطغيان وبندقية أخرى أداة للتحرير؟
لكن السؤال يحتاج إلى خطوة أخرى: ما المشروع السياسي الذي تقف خلفه البندقية؟ ومن يملكها؟ ومن يحاسبه؟
يمكن للمرء أن يرى أن الحركة الإسلامية تمثل خطراً كبيراً على مستقبل الدولة الديمقراطية، دون أن يمنح الدعم السريع شيكاً على بياض.
كما يمكن أن يرفض الدعم السريع وجرائمه، دون أن يتجاهل تاريخ الحركة الإسلامية ومشروعها في السيطرة على الدولة.
المشكلة تبدأ عندما يصبح رفض أحد الطرفين مبرراً لقبول الطرف الآخر.
هل يمكن اختزال الإسلاميين في صراع طبقي؟
أخشى أن بعض القراءات السودانية تميل إلى وضع الواقع داخل قوالب نظرية جاهزة: مركز وهامش، طبقات، برجوازية صغيرة، صراع تاريخي… إلخ.
هذه المفاهيم قد تفسر جانباً من الواقع، لكنها لا تكفي لتفسير الحركة الإسلامية السودانية.
فهي ليست مجرد طبقة اجتماعية أو جماعة يمكن أن تنتهي تناقضاتها تلقائياً إلى المصالحة.
إنها مشروع سياسي وأيديولوجي امتلك الدولة، وأعاد تشكيل مؤسساتها، وربط التنظيم بالجيش والأمن والاقتصاد، واستخدم العنف للحفاظ على السلطة.
لذلك فإن التقليل من طبيعة هذا الخطر، أو التعامل معه باعتباره مجرد طرف آخر في صراع اجتماعي، قد يجعل النظرية تحجب الواقع بدلاً من أن تفسره.
الحوار ليس خارج التاريخ
الحوار ليس فضيلة مطلقة، كما أن رفضه ليس فضيلة مطلقة.
قد يكون الحوار ضرورياً في لحظة، وقد يكون غطاءً للمراوغة في لحظة أخرى.
الأمر يتوقف على موازين القوى، واستعداد الأطراف للتنازل، والضمانات التي تجعل الاتفاق قابلاً للحياة.
لذلك لا يكفي أن نسأل: هل أنت مع الحوار أم ضده؟
بل يجب أن نسأل: مع من؟ وعلى أي أساس؟ وتحت أي شروط؟ ولأي غاية؟
وفي النهاية، أظن أن المشكلة ليست في دعوة ناهد محمد الحسن إلى الاستماع للآخر؛ وهي دعوة مهمة.
المشكلة في تحويل هذه الدعوة إلى افتراض ضمني بأن جميع الأطراف تحمل أجزاء متساوية من الحقيقة، وأن التاريخ يتحرك بالضرورة نحو المصالحة.
قد تكون الحقيقة موزعة بين الأطراف، لكن المسؤولية ليست بالضرورة موزعة بالتساوي.
ولهذا لا ينبغي أن نستبدل الواقع بنظرية جاهزة، ولا أن نحاكم المواقف من خلال هويات أصحابها.
السودان يحتاج إلى فهم تعقيد واقعه، لا إلى تعليبه في قوالب فكرية جاهزة؛ ويحتاج إلى معيار واحد نضع أمامه الجميع: ماذا فعلوا؟ ماذا يفعلون؟ وماذا سيفعلون بالدولة إذا امتلكوا القوة؟



