ما الذي يربط سنودن بحرب ترامب مع الصين؟ إنها الملكية الفكرية

في حزيران (يونيو) 2018، تكون 5 سنوات انقضت على الفضيحة الهائلة التي فجّرها خبير المعلوماتية الأميركي إدوارد سنودن بتسريبه وثائق حصل عليها أثناء عمله في «وكالة الأمن القومي» الأميركيّة، تتصل بتجسسها إلكترونياً على العالم. ماذا تغيّر في 5 سنوات؟ الأرجح أن سنودن صنع شيئاً ما ولو هيّناً، على غرار نجاحه في إثارة نقاشات عالمية عن القوة الهائلة التي تعطيها تقنيات المعلوماتية والاتصالات والذكاء الاصطناعي، للدول والاستخبارات والشركات أيضاً. واستطراداً، صار ذلك المعطى جزءاً من نقاشات معمقة عن مآلات الديمقراطية والسياسة في العصر الإلكتروني. تكرر ذلك غير مرة خلال السنوات الخمس الماضية، لعل أقربها إلى الذاكرة هو فضيحة «فايسبوك» و «كامبريدج آناليتكا». كشفت الوثائق التي سرّبها سنودن مجموعة واسعة من الأعمال الرقابيّة الشاملة لـ «وكالة الأمن القومي»، فهل ظهرت ولو إشارة تدل على توقّف الوكالة عن تجسسها الشامل على الكرة الأرضية وأهلها، بما في ذلك المواطنين الأميركيين؟ سؤال متروك للقرّاء.

حسناً. ربما هناك أشياء أقل وزناً، لكنها ليست خلواً من الأهمية. يمكن الحديث مثلاً عن الفيلم المتعاطف الذي أخرجه المخرج الأميركي المعارض أوليفر ستون في 2016 (بطولة جوزيف غوردن- لِفيت وشايلاين وودلي)، وحمل اسم «سنودن». هل استطاع الفيلم كسر خطاب الإدانة في أميركا، حيال سنودن الذي فجّر تلك الفضيحة المدوية لبلاد «العم سام» بعد فراره إلى هونغ كونغ الصينية، ثم احتمى من الملاحقة في موسكو؟

شبح بلاد «العم ماو»

في مطلع العام 2018، اهتمت وسائل الإعلام العام بأن المؤسسات الأمنية في هونغ كونغ، لم تنس أن سنودن هزّ علاقتها الوطيدة مع أميركا، على رغم انتقال السيادة عليها رسمياً إلى الصين، وأطلقت ملاحقة قضائية ضد أسرة من المهاجرين مكث سنودن بضعة أيام في منزلها. وتفاعلت تلك القضية على غير صعيد، خصوصاً مع الأبعاد الضخمة التي تتخذها قضية المهاجرين عالمياً في الوقت الراهن.

لكن، هناك شيء آخر. جاءت الذكرى الخامسة لفرار سنودن إلى تلك البلاد الصينية، في وقت تتصاعد فيه حرب تجارية يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد الصين. وفي القلب من اتهاماته لبكين، هناك مسألة الملكية الفكرية التي يصر البيت الأبيض على أن الصين تدأب على انتهاك قوانينها وأعرافها، وتضغط بأساليب متنوعة على الشركات الأميركية العاملة على أراضيها، بل تسطو بطرق ملتوية على مبتكراتها. وفي الأزمة التي أثارتها في حزيران (يونيو) الجاري، مع مجموعة «زد تي إي» ZTE الصينية العملاقة في مجال الاتصالات، شددت الإدارة الأميركية على اعتبار أعمال تلك المجموعة نموذجاً عما ترفضه في التصرفات الصينية. وبوضوح، يتبيّن أن المنتجات المتصلة بثورة المعلوماتية والاتصالات المتطورة وأدواتها ومكوناتها وأجهزتها وشبكاتها وبرامجها وغيرها، هي مساحة حساسة عن ذلك التنازع غير الصامت بين واشنطن وبكين.

وفي نموذج معبّر، حقّقت الصين نجاحاً واضحاً في سوق أشباه الموّصلات، مع تخلّصها من عمليات الاستيراد فيها خلال العشرين عاماً الماضية، إلاّ أنّ طموحاتها التكنولوجيّة لا تتوقّف عند ذلك الحد.

إذ أدخلت الصين أصابعها تدريجيّاً في شركات إنتاج الأقراص الصلبة وبرمجيات الكومبيوتر، عبر الضغط التدريجي المنظّم على أعمال «أي بي أم» و «أوراكل» و «إي أم سي» في السوق الصيني، وهي الشركات الأميركيّة المختصة في القطاعين. وتعرف سياسة الصين في ذلك المجال باسم «حركة دي- أي أو إي»، وتعني الضغط تدريجيّاً على الشركات الصينية لإجبارها على شراء منتجات صينيّة بديلة لما تصنعه نظيراتها الأميركيّة.

أولوية الابتكار الداخلي!

لم تكن تلك المعطيات سوى مجرد حلقة أخرى في نمط سائد منذ سنوات قوامه سياسات «ابتكار داخليّة»، أرغمت السوق الصيني على تحويل مساره عن الشركات المنافسة الأجنبية، لمصلحة تفضيل الشركات المحليّة. وتُمثّل تلك السياسات بمعظمها انتهاكاً فادحاً لتعهّدات الصين في شأن المعايير الدوليّة التي حدّدتها «منظمة التجارة العالميّة». وأثبتت بكين براعة كبيرة في تجنّب عقوبات تتضمّنها قوانين التجارة، عبر استخدامها الوثائق التي سربّها خبير المعلوماتيّة الأميركي المنشق إدوارد سنودن، ذريعة لمطالبة الشركات الأميركية بالإفصاح عن تفاصيل الملكيّة الفكريّة عندها. إذ كشفت تلك الوثائق أن شركات «وادي السيليكون» تكشف تفاصيل ابتكاراتها لمؤسّسات استخباراتيّة في أميركا، وهو ما يتناقض أيضاً مع قوانين التجارة الدوليّة بخصوص الملكيّة الفكرية.

وكخلاصة، لم يكن مستغرباً أن يصل الأمر بإدارة ترامب إلى حدّ إصدار سلسلة من الأوامر التنفيذية تتضمن إجراءات مالية وقانونية تطاول الممارسات التجارية والصناعيّة الصينية. وتحمل تلك الخطوات إشارة واضحة تفيد بأن الولايات المتّحدة لم تعد تقبل سلوك بكين الذي يرمي بتداعيات مؤلمة على الاقتصاد الأميركي.

يعرف عن ترامب عزمه على وضع حدّ لكل أنواع التعاون التكنولوجي مع الصين، بما فيه تقنيات الطاقة النظيفة، إضافة إلى تقليص عدد تأشيرات السفر التي تمنح إلى الطلاب الصينيين. ومن المتوقّع أيضاً أن تعمد الإدارة الأميركيّة إلى تكثيف زخم التحقيقات والملاحقة القانونيّة، في قضايا سرقة الملكيّة الفكريّة، وأن تفرض عقوبات قاسية على الشركات الصينيّة التي يثبت تورّطها في تلك الممارسات.

آيزنهاور وكلماته المؤلمة: احذروا سطوة الشركات والحكومة

مرّة أخرى، ماذا تغيّر بعد 5 سنوات من الوثائق التي سرّبها سنودن؟

الأرجح أنه سجل سبقاً بأن وثائقه قدمت برهاناً للمرّة الأولى على التعاون الوثيق بين الشركات العملاقة للمعلوماتية والاتصالات في «وادي السيليكون» من جهة، والأجهزة الأمنية والاستخباراتية الأميركية من الجهة الثانية. ويذكر ذلك المُركب بين الشركات والاستخبارات، بالمركب الصناعي- العسكري الذي حذّر الرئيس الأميركي السابق دوايت آيزنهاور (استمر رئيساً بين عامي 1953 و1961) من أنه يقبض على زمام الأمور في مؤسسة الدولة الأميركية.

والأرجح أن ظواهر كثيرة مماثلة ظهرت خلال السنوات الخمسة الماضية، خصوصاً «التدخل» الروسي الإلكتروني (المفترض أنه جرى لمصلحة ترامب) في الانتخابات الأميركية، وفضيحة «فايسبوك» وشركة «كامبريدج آناليتكا» التي أسسها صديق لترامب هو البليونير روبرت ليروي ميرسر. ويؤثر عن ميرسر أنه أيضاً عالِم كومبيوتر ومختص في الذكاء الاصطناعي، كما صار معروفاً أن مختصاً له علاقة مع روسيا صنع البرنامج الذي مكن «آناليتكا» من حصد بيانات عشرات ملايين مستخدمي موقع «فايسبوك».

في سياق فضيحة «فايسبوك»، استطاع مختصون في القياسات السيكولوجية في «جامعة كامبريدج»، التوصل إلى استنتاجات عن الميول الجنسيّة، والانتماء العرقي والإثني، والآراء الدينية للأفراد (إضافة إلى ما هو معروف عن توصلهم إلى معرفة الميول الانتخابية أيضاً)، بمجرد تحليل طرق استخدام الأفراد لزر الإعجاب «لايك» على «فايسبوك»!

في الإطار عينه، جرى تداول واسع لمصطلح «الخصائص السيكولوجية للجمهور». إذ ابتدأت الأزمة كلها مع بحث أجراه خبراء علم النفس في جامعة كامبريدج، في العام 2013، شمل ما يزيد على 58 ألف أميركي. وصنع الخبراء أداة رقمية تولت تحليل بيانات هؤلاء الأشخاص المتجمعة في موقع «فايسبوك»، وتوصلت إلى تحديد السمات الشخصية المميزة لكل منهم. وتجمع الأداة عينها بيانات في «فايسبوك» عن أصدقاء الأشخاص الذين شملتهم تلك التجربة السيكولوجية التي توصلت إلى تحديد الميول السياسة الانتخابية للأفراد بدقة قاربت الـ85 في المئة. وشكلت تلك التجربة أساساً استندت شركة «مختبرات الاتصالات العالمية» لتحديد الملامح السيكولوجية لقرابة 50 مليون شخص جرى تحليل بياناتهم المتجمعة على «فايسبوك».

خيط التلاعب بالناس بين «غوغل» و «فايسبوك»

في العام 2014، بلغ مجموع التجارب التي انخرط خبراء التقنية في «غوغل» فيها، للتأثير على سلوكيات أفراد وشرائح من الجمهور، خصوصاً عبر الإعلانات، قرابة عشرة آلاف تجربة سنوياً، من بينها قرابة ألف تجربة تُجرى في الوقت نفسه. ووثق خبراء من «جامعة بيركلي» الأميركية ذلك النسق من التجارب في ورقة بحث صدرت في 2013، وحملت عنوان «أبعد من «البيانات الضخمة».

تهدف التجارب إلى تفحص المنصات الرقمية التي تقدم الإعلانات إلى الجمهور، وخوارزمياتها، ومكونات الخدمات عليها وغيرها، بهدف التعرَّف إلى أنماط الإعلانات التي تؤثر على الجمهور فعلياً. وتستطيع تلك الإعلانات ملاحقة المستخدم أثناء انتقاله من موقع إلى آخر ومن صفحة إلى أخرى، مع إحداث تغييرات بسيطة فيها كل مرَّة، كي تتعرف الشركات إلى الإعلانات التي تؤثر في الناس جماعياً إفرادياً.

وتعني تلك التجارب أنه في كل مرَّة تدخل أنتَ فيها إلى الشبكة، تكون من دون أن تدري، موضوعاً لعشرات التجارب السيكولوجية التي تسعى للتعرف إلى سلوكياتك وعاداتك وميولك، كي تستفيد منها الشركات في التعامل معك. ويتيح ذلك النوع من جذب الانتباه الشخصي، فرصاً متنوعة للشركات العملاقة للتلاعب بسلوكيات الناس، وهو أمر كان متعذراً قبل عصر الشبكات الرقمية. إذ تتيح الشبكات للشركات أن تعرف أيضاً، دائرة الأصدقاء والعائلة والمقربين لكل فرد، ما يفتح الباب أمام استخدام معلومات الشخص في التأثير على تلك الدوائر الاجتماعية التي يتحرك فيها.

وبذا، يرتسم نوع من الدائرة المغلقة، لأن المعلومات التي تتجمع عن مجموعة من المستخدمين تستخدم في تجارب للتأثير على مجموعات أخرى. ومع ظهور النتائج التالية، يجري تحسين أدوات القياس والتدخل، فيصبح الجمهور نفسه مشاركاً في صنع أدوات ترتد عليه لتتلاعب به!

في العام 2015، انخرط مختصون من «جامعة كامبردج» في دراسة لمتابعة النتائج التي توصلوا إليها في العام 2013، استناداً إلى تحليل المعلومات المستقاة من زر «لايك» في موقع «فايسبوك». ولاحقاً، شكلت تلك الدراسات أساساً للتلاعب بآراء الذي ضلعت به شركة «كامبردج آناليتكا»، وجرت الاستفادة منه في الانتخابات الرئاسية الأميركية في 2016.

وفي 2015، خلص خبراء «جامعة كامبردج» إلى القول إنّ ذكاء الآلات كان ناجحاً في تحديد الأهواء الشخصية، والميول الذاتية، ومدى الرغبة في التعاون المجتمعي والعائلي، بل تفوق على آراء العائلة والأصدقاء في ذلك المجال. بقول آخر، بفضل تحليل استعمالك لزر «لايك»، يستطيع عمالقة الإنترنت أن يتعرفوا على شخصيتك ومكبوتاتك وأهوائك، أفضل من الأشخاص الذين تعيش بينهم وتتعامل معهم يومياً!

كيف يكون الحال عندما يطاول التحليل تلك المعلومات الوافرة التي لا يتوقف الجمهور عن ضخها يومياً، بل لحظة بلحظة، على شبكات الـ «سوشال ميديا»؟ أبعد من ذلك، كيف يكون الحال عندما تتضاعف المعلومات المتراكمة عن الأشخاص والشرائح الاجتماعية، مع التوسع في انتشار «إنترنت الأشياء»، والأدوات الذكية التي ترصد كل سكنة وحركة في حياتك، بل حتى في جسدك؟

ليست الأزمة هي التقنية، بل المشكلة هي في كيفية فهمها والتفكير بها واستيعابها، ثم بلورة تعامل إنساني متناسب معها. كذلك ليس الهدف أبداً هو هجر التقنية ولا ترك العوالم الافتراضية، بل التفكير ملياً وملياً (خصوصاً عبر مقاربة نقدية واعية) بكل ما نفعله يومياً على تلك الشبكات.

الحياة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..