مقالات وآراء

خمس رسائل في محراب قوى التغيير

مجدي إسحق

الرسالة الثالثة
في مأزق سيكولوجية الدعم ومزالق التفويض

إذا كنا في رسالتنا السابقة قد خاطبنا قوى التغيير في التأسيس، استنادًا إلى تخوف تغلغل الوعي الزائف الذي يجعل السياسة ذراعًا تبريرية للميليشيات، فإننا في خطابنا الثالث هذا لقوى التغيير التي تساند الجيش، رغم اختلاف المواقع، نجد أن جوهر الرسالة متشابه إلى درجة بعيدة؛ حيث إن الشرفاء في معسكر مساندي الجيش يواجهون الخطورة نفسها، وهي أن تتحول الكتلة المدنية إلى جمهور مؤيد لدولة العسكر.
رغم الاختلاف في الواقع السياسي بين المعسكرين، فإننا في الحالتين نجد أن قوى التغيير تعاني من خطورة أن ينتقل مركز الفعل والتغيير من الجماهير إلى السلاح، وتصبح القوى المدنية مصدرًا للشرعية دون أن تكون مصدرًا للقرار. وهذا هو جوهر بنية القهر: ليس فقط أن يحكم العسكر، بل أن يقتنع المدني بأن دوره هو مساندة سلطة السلاح وتبريرها، وانتظار أن تمنحه هذه السلطة، في المستقبل، الدولة المدنية التي عجز عن فرض شروطها في الحاضر.
إن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه فاذا كانت الظروف الموضوعية تفسر تعاطف قوى التغيير ومساندتها للجيش ولكن هل هذا التعاطف يعني بالضرورة التماهي والقبول مع كل ما تطرحه قيادات الجيش وهل يعني التغاضي عن كل السلبيات التي تأتي من ممارسات الجيش .وماذا يعني عدم الاهتمام بالسلبيات التي ستنتج وما تأثير هذا التجاهل على حركة التغييرنفسها. فوق ذلك يكون السؤال هل التعاطف يعني بالضرورة التطابق في كل الخطوات والسياسات وهل يعني عدم وجود مساحة من الاستقلالية تسمح بالنقد والمراجعة والمحاسبة والتوجيه ؟
هل يعني بالضرورة التطابق حتى في الخط الأيديولوجي الذي تقوده قيادات الجيش فتصبح جزء من حملات التخوين واتهامات العمالة التي تطلقها فتصبح مسلمات تتبناها قوى التغيير ويقومون بإطلاقها بالوكالة والدفاع عن الخطاب الرسمي لهذه القيادات؟
هل يعني هذه المساندة التغاضي عن التأثير الأيدلوجي للحركة الاسلامية على قيادات الجيش وأن كثير من الخطوات تعبر عن هذه المصالح السياسية؟
هل المساندة تعني تفويضا كاملا للجيش لأن يصبح هو السلطة هو القانون وهو الدستور الذي يشكل واقع الوطن اليوم والمستقبل ؟
هذا يقودنا إلى السؤال الاهم عندما يحدث تناقض بين مواقف الجيش وقناعات ومبادئ قوى التغيير(وهو ما يحدث يوميا) لماذا لانرى رفضا و نقدا ومحاولة للتصحيح ؟ هذه التساؤلات يصاحبها أين هي الاستقلالية التي تسمح لقوى التغيير بأن تطرح رؤيتها المستقلة وأن لا يكون التعاطف هو نوع من التماهي والتفويض الكامل ؟ هل هذه الاستقلالية مسموح بها أم هي ديمقراطية التعاطف منحة من الجيش التي تسمح فقط بمفهوم حرية(أرعى بي قيدك)؟
وهل هنالك خطوط حمراء وقضايا مبدئية ستجعل قوى التغيير ترفض مثل هذه الممارسات وتعلن عن رأيها المستقل ؟وهنا يأتي مربط الفرس هل لقوى التغيير السند الاجتماعي لتفرض رؤيتها المختلفة؟وهل مسموح لها الان ان تعمل لتنظيم الجماهير في مواقف ومنظمات تستطيع ان تستند عليها لتقويم الجيش اذا تجاوز الخطوط الحمراء؟
ام هو تنازل عن الثوابت ذلك حرصا على تحالف المرحلة ؟أم هي إستراتيجية الأولويات التي ترفع شعار لا صوث يعلو فوق صوت المعركة؟
هذه التساؤلات ليس جدلا و ترفا اكاديميا بل ممارسة في ارض الواقع تستند على الوعي الموضوعي الذي يرى في الانحيازو المساندة عاطفية موقف يمكن تفسيره ولكن التخوف من الانزلاق إلى مواقف التماهي والدفاع تخوفا مشروع يجب التحاور حوله. هذا التحاور ليس تشكيكا في قوى التغيير ولا حملة أخرى من حملات التخوين واغتيال الشخصية ولكنها منهجا علميا يستند على مدارس علم النفس السياسي التي تبحث عن التركيبة النفسية التي تسمح بتسلل جراثيم الوعي الزائف فتؤثر على خطى قوى التغيير دون أن تشعرفتصبح المساندة تفويضا وتماهي ودفاعا عن كل المواقف. هنا تفقد قوى التغيير بوصلتها التحررية و تساهم في إنتاج بنية القهر حتى وإن كانت ترفع شعارات التحرر.
إن ذلك لا يتم نتيجة لرغبات قوى التغيير، ولا نتهم قوى التغيير بتجاهل القضايا الأساسية، ولا أحد يشكك في دوافعها، وحاشا أن نتهمها بخيانة القضية أو التماهي مع سلطة القهر. إنما نقول إن الوعي الزائف هو الذي يزين لقوى التغيير أن الطريق الذي تسير فيه هو طريق الوعي الموضوعي الذي سيحقق هدف الجماهير في تحقيق دولة المساواة والمواطنة والمؤسسات بينما قد تقود الممارسة إلى إعادة بنية القهر
إن هدف هذه الرسالة هو طرح تساؤلات تستثير العقل المنطقي، الذي يساهم في تعرية التناقضات وكشف جراثيم الوعي الزائف التي تقود إلى انحراف قوى التغيير عن مسارها، حتى يساعدها في فتح أبواب الحوار واستكشاف الوعي المنطقي والموضوعي الذي يقود إلى مراجعة المسار، وبناء الخطوات التي تقود إلى تحقيق دولة التحرر والقانون.
أيضًا، تفتح الباب لأن ترى رؤية الآخر، وتستوعب أبعادها النفسية والاجتماعية التي ساهمت في اختيار هذا الموقف، هدمًا لثقافة الرفض والتخوين والاتهام بالعمالة، وفتح أبواب بناء الوعي الموضوعي، بحثًا عن نقاط التوافق والالتقاء، والسعي إلى تجاوز قضايا الاختلاف والتنازع والصراع.
إن من جراثيم الوعي الزائف التي وجدت تربة خصبة في واقع الحرب بدأت بالتعاطف مع الجيش حيث إن ليس كل دفاع عن الجيش وعيًا زائفًا، ولكن جراثيم الوعي الزائف تبدأ عندما تستغل التعاطف النفسي والفكري وتبدأ في تغيير المسار من تعاطف الى دعم غير مشروط للمؤسسة العسكرية و يتحول الجيش من مؤسسة ضرورية داخل الوطن إلى تجسيد كامل للدولة والوطن.
إن من العوامل التي تساهم في تكاثر جراثيم الوعي الزائف هو سيادةَ العقل العاطفي وسيطرةَ المشاعر؛ حيث نجد، في واقع الحرب، ازدياد مشاعر الخوف من انهيار الدولة، مما يجعل شرائح من قوى التغيير تعيش الخوف من انهيار مؤسسات الدولة، وانتشار السلاح، وتعدد مراكز السلطة، مما يجعلها ترى في الجيش مؤسسة قومية تستطيع المحافظة على الدولة ومؤسساتها.
يصاحب ذلك أن من يقف أمام الجيش في هذه المعركة قواتُ الدعم السريع، التي لا يستطيع أحد إنكار جذورها القبلية والجهوية، وأنها، في تاريخها، لم تكن مؤسسة قومية خاضعة بالكامل للدستور والقانون. لذلك يصاحب هذا الخوفَ أن انتصارها سيؤدي إلى سيطرة الميليشيات على أجهزة الدولة.
هذا التخوف تغذيه تجربة الحرب وما صاحبها من مشاهد القتل والنهب والتهجير والانتهاكات المنسوبة إلى قوات الدعم السريع؛ حيث أصبحت ضرورة الحماية من هذه الممارسات تستند إلى أن الحل هو المواجهة العسكرية، التي أصبحت ضرورة، وليست اختيارًا سياسيًا.
إن دعمَ قوات الدعم السريع وارتباطَه بمصالح اقتصادية عالمية جعلا الدعم الذي تقدمه هذه الدول يفتح الباب أمام التخوف المشروع على السيادة الوطنية، مما يرجح، في منظورهم، كفة الجيش باعتباره المؤسسة التي تقاوم السيطرة والمشروع الخارجي.
إن ما يجعل هذا الخوف يسيطر على وعي قوى التغيير هو الخوف من أنه، في حالة انهيار الجيش، فإن الفراغ، حتى إذا لم تستطع قوات الدعم السريع أن تملأه، قد يقود إلى سيطرة الحركات المسلحة المنتشرة والميليشيات، وأن ينقسم الوطن إلى بؤر صراعات عسكرية ونزاعات محلية تؤدي إلى التشظي والانفجار إن مشاعر الخوف والقلق تزداد في واقع الحرب، خاصة عندما يظهر غياب بديل مدني قادر على الحماية، أو له القدرة على تجميع المجتمع ومنع تفكيك البلاد.هذه المخاوف ليست متوهمة، وحتى إن اختلفنا حول مدى حجمها وتقديراتها، فإنها حتمًا ستقود لسيادة المشاعر التي ستؤثر في تشكيل وعي قوى التغيير.إن الخوف مشاعر حقيقية مقبولة في واقع العنف والقهر لا يمكن إنكار تأثيره وتجاهله.، إن التخوف هو عندما تصبح هي النافذة التي تنظر بها الجماهير إلى الواقع والمستقبل. عندها يحدث ما يُعرف في علم النفس السياسي بسيطرة العقل العاطفي؛ حيث يصبح الخوف ليس مؤثرا يمكن السيطرة عليه بل هو المسيطر و مؤشرًا يحول الاحتمال إلى يقين. فبدلًا من النظر إلى احتمال انهيار الدولة، يجعل التخوف منه يقينًا بأنه نتيجة حتمية، ويقود إلى أن نقد الجيش هو نقد للقيادة العسكرية وخطوة نحو انتصار الميليشيا وانهيار الدولة.
إن سيطرة العقل العاطفي يمكن أن نجد فيها بجانب الخوف مشاعر الغضب المشروع من الدمار وانتهاكات قوات الدعم السريع، لكن سيادة مشاعر الغضب قد تجعل الرغبة في العدالة الانتقامية والتشفي تسيطر على قوى التغيير، مما يقلل من حساسيتها تجاه انتهاكات الطرف الذي تتوقع منه الحماية، بل ترى في بعض هذه الانتهاكات تفريغًا لمشاعر الغضب ونوعًا من العدالة، رغم ما يصاحبها من ممارسات ليست لها علاقة بالعدالة ولا القانون.هنا تبدأ بالقبول بكل الممارسات حتى وإن تضررت منها قوى التغيير.في زمن الفوضى والخوف والقلق والغضب، نجد أن الشرائح الاجتماعية تبحث دائمًا عن الأمان، لذا فإن هذا يجعل من مؤسسة الجيش صورة المنقذ الذي يقدم الحلول أمام الواقع المأزوم.
هذا الخوف والقلق من فقدان الوطن، وعندما تصبح صورة المستقبل فيها تهديدٌ للاستقرار ووحدة الدولة، تكتسب صورة المؤسسة العسكرية والجيش شحنة عاطفية عالية، فيصبح الرمز العسكري وتاريخ المؤسسة متداخلين مع معنى الوطنية والتضحية والمستقبل.
إن صدمة الانتهاكات والتعرض المباشر لكل مآسي الحرب قد تجعل العقل العاطفي لا يستطيع التمييز بين الحاجة إلى الدعم والأمان من الجيش بوصفه مؤسسة، وبين الحق في مساءلة قيادته ومطالبته بالالتزام بمعايير العدالة وحقوق الإنسان؛ حيث إن الرغبة في الانتقام قد تبدأ في تشكيل الوعي تدريجيًا، من الرغبة في حماية المجتمع إلى الرغبة في استهداف البيئة الاجتماعية التي نرى أنها قد تسببت في إفراز قوات الدعم السريع، وأنها كانت الحاضنة الاجتماعية لها. فتتسع دائرة الحرب والرغبة في القتال والانتقام من المقاتلين لتشمل القبيلة والإقليم والجذور الإثنية.
إن هذا الواقع يقود إلى الخلط بين التعاطف والتفويض؛ حيث إنه من الطبيعي أن يتعاطف الإنسان مع من يقف ويرفع شعار حمايته وعودته إلى منزله والدفاع عنه من الانتهاكات التي يتعرض لها، لكن العقل العاطفي والوعي الزائف يحولان هذا التعاطف إلى قبول كلي بكل ما تفعله القيادة العسكرية اليوم وما تنوي فعله في المستقبل.
إن الوعي العاطفي الذي يخلقه هذا الوعي الزائف لا يعني فقط إنكار الخوف على الدولة والمستقبل، ولكنه يعني السماح لهذا الخوف بأن يمنع التمييز بين الدولة والجيش، وبين الجيش وقيادته، وبين مساندة المؤسسة والتعاطف معها، مع منحها تفويضًا سياسيًا مفتوحًا للواقع وللمستقبل.
في مستوى آخر، نجد أن الوعي الزائف لا تشكله فقط سيطرة المشاعر بل نجد تغييرا في نمط التفكير قد تساهم في صناعته.ان الجماهير المرهقة الخائفة والغاضبة في بحثها عن اليقين السريع، لاتحتمل تعقيدات الواقع فتبحث عن التبسيط، مما يقود إلى سيطرة العقل الثنائي المحدود الذي لا يستوعب تركيب الواقع. فيُختزل الواقع في خيارين لا ثالث لهما؛ فإذا رفض الإنسان قوات الدعم السريع، وجب عليه مساندة الجيش بلا شروط، وإذا انتقد الجيش، أصبح تلقائيًا في صف الميليشيات.
إنها ثنائية الوطنية والخيانة؛ حيث تتحول مساندة الجيش إلى معيار وحيد للوطنية، وتنسى أن الوطنية قيمة تشمل في دواخلها قضايا مركزية، من حماية المدنيين ورفض الحرب ومقاومة الاستبداد والدفاع عن مؤسسات الدولة المدنية والقانون.
إن العقل الثنائي يرى فقط إما الجيش والدولة أو الفوضى؛ حيث يفترض أن المؤسسة العسكرية، بقيادتها وممارساتها، هي الصورة الوحيدة الممكنة للدولة، وأن أي محاولة لإخضاعها الآن إنما تعني هدمها وفتح الباب على مصراعيه لقوات الدعم السريع للسيطرة على الواقع.
هذا العقل الثنائي يجعل الحرب هي المسار الوحيد الذي يمكن أن يقود إلى التغيير، فتصبح إما النصر وإما الاستسلام. ويرفض التفاوض باعتباره استسلامًا، من دون التمييز بين تسوية تحفظ الوطن من الدمار، وتحفظ مؤسسات الدولة وحقوق المواطن، وبين اتفاق يمنح الميليشيات شرعية وحصانة.
هذا العقل الثنائي يكون دومًا مهمومًا بالنظر إلى أن دعم الجيش هو الوطنية، وما عداه يعني دعم التدخل الخارجي، فيصبح نقد الجيش قرينة على الانحياز إلى القوى الخارجية، والدفاع عنه دفاعًا عن السيادة والوطنية.
نجد أن العقل الثنائي يختزل الميليشيا وقوات الدعم السريع في قبيلة، فتصبح كأنها مكون اجتماعي واحد متكامل، وتصبح الفروق بين مكوناتها والجماعات المتحالفة في داخلها لا فروق بينها، بل هي وحدة تمثل العدو، ولا يرى الأبعاد الاجتماعية ولا الفكرية التي قادت إلى هذا الموقف.لا يستطيع استيعاب جذورها المتباينة ولا اختلافاتها الاثنية والثقافية يتم تعريفها ب(هم لايشبهوننا) ويعزز ذلك دعاوي انهم مرتزقة من دول الجوار لذا يكون الحل السهل في التخلص منهم اوارجاعهم لديارهم ولا يسمح بالتفكير الموضوعي الذي يبحث عن التعقيدات الاجتماعية التي خلقت هذا الاستقطاب والانقسام.
إن العقل الثنائي، الذي لا يستطيع أن يرى التعقيدات في معسكر الدعم الدعم يفشل أيضا ان يراها في داخل الجيش، حيث يتعامل معه ككتلة متجانسة، ويحاول أن يتجاهل شبكات المصالح والاختراقات الأيديولوجية والولاءات المتباينة، كل ذلك حتى لا يفتح باب الشك والنقد للمؤسسة، بحثًا عن اليقين المتوهم والسريع الذي لا يحتمل التعقيدات بحثا عن تفريغ المشاعر التي تسيطر وليس عن الحقيقة.
هذه النظرة تقود دومًا إلى إلغاء إمكانية وجود موقف ثالث يرفض الميليشيا ويرفض استمرار الحرب، موقف قد يتعاطف مع الجيش، ولكنه يرفض أن يعطيه تفويضًا ويطالب بالتحول المدني؛ حيث يصبح هذا المنظور حرامًا، باعتبار أن أي نقد للمؤسسة العسكرية أو بحث عن بديل ثالث هو كأنه معركة هوية، باعتبار أن الجيش أصبح جزءًا من الهوية الوطنية، فلا يحتمل النقد ولا التعديل ولا التفكير في بديل، بل تصبح أية دعوة إلى تصحيح مساره كأنها إهانة شخصية واعتداء على الجماعة وقيم الوطنية.
فيصبح الاختيار السياسي غير قابل للنقد، بل هو هوية مغلقة تجعل كل من لا يمنح الجيش تأييدًا كاملًا خائنًا للوطن، مؤيدًا للميليشيا ومعاديًا للبلاد.
نجد من جراثيم الوعي الزائف مع العقل الثنائي أيضا ظهور علامات العقل الاستسلامي المحدود، الذي يزين فكرة أنه لا بديل سوى العسكر، باعتباره قدرًا قد فرضه واقع الحرب.
هذا العقل الاستسلامي يعطي المؤسسة العسكرية تفويضًا بالحماية مقابل الحرية؛ حيث يقبل التنازل عن الحق في المساءلة والمشاركة السياسية مقابل استعادة الأمن بواسطة المؤسسة العسكرية، وتأجيل الديمقراطية والحرية إلى ما بعد النصر. فيطمئن العقل الاستسلامي نفسه بأن الجيش سيحسم الحرب، ثم يعيد السلطة إلى المدنيين، دون ضمانات مؤسسية أو جدول زمني أو ميزان قوة قد يلزمه بذلك.
هنا يصبح العقل الاستسلامي مسيطرًا عليه بالأمر الواقع؛ فينظر إلى معطى أن الجيش يمتلك السلاح والتنظيم، ويتعامل معه باعتباره القائد الطبيعي، فيعطيه الحرية في اتخاذ القرار، ويتناسى حق المجتمع في التمسك بأنه مؤسسة تنفيذية يجب أن تكون خاضعة لسلطة مدنية ودستور يحققان مصالح المجتمع.
مما يجعل العقل الاستسلامي يستصغر القدرة المدنية، فيرسخ الاعتقاد بأن المدنيين لا يستطيعون توفير حماية الدولة أو إدارة الأمن، فيتخلون عن دورهم طوعًا لصالح المؤسسة العسكرية. فيصبح المجتمع في موقع الانتظار، ويستبدل العمل المدني المنظم بانتظار انتصار الجيش، وتبدأ القوى المدنية في التراجع، وبدلًا من تنظيم نفسها وبناء قواعدها، تتقرب من القيادة العسكرية، وتقبل بهيمنتها، وتصنع حلفًا مؤقتًا، مع التغاضي عن نفوذ الحركات الإسلامية داخل الجيش باعتباره شرًا مؤقتًا.
مع تجاهل أن هذا النفوذ قد يزداد قوة بعد الحرب. إن هذا الواقع يعكس التعايش مع عسكرة المجتمع، ويتراجع فيه مفهوم تنظيم القوى المدنية، وتبدأ قوى التغيير في تقبُّل تسليح المدنيين، باعتبار أن ميزان القوة يميل نحو السلاح، من دون الانتباه إلى إضعاف مفهوم التغيير المجتمعي، وأن هذه الجماعات المسلحة ستتحول لاحقًا إلى مراكز قوة يصعب تفكيكها.
يغذي هذا الواقع العجز المتعلم الذي اكتسبته قوى التغيير، بأن الحكم العسكري كأنه الواقع الطبيعي والمنقذ، وأن الديمقراطية حلم جميل، ولكنه غير قابل للتطبيق في هذا الواقع.
هذا الواقع يقود إلى التدرج والتنازل التدريجي؛ فيبدأ الموقف بدعم الجيش، ثم يتحول إلى الصمت عن انتهاكاته، ثم قبول مشاركته في الحكم وتبرير بقائه، حتى يصبح المؤقت دائمًا، وحتى يصبح الواقع جسرًا نحو المستقبل.
إن العجز المدني في واقع الحرب، بدلًا من أن يكون طارئًا يمكن تجاوزه، يصبح، نتيجة الوعي الزائف كأنه حقيقة ثابتة، وتصير الهيمنة العسكرية قدرًا لا يمكن تغييره، ويصبح تأجيل الحرية إلى مستقبل غير معلوم النتائج أمرًا تتحكم المؤسسة العسكرية نفسها في موعده وشروطه وإمكانية تحققه.
إن هذا الوعي الزائف يقود إلى تغيير المفاهيم الموضوعية في واقع التغيير؛ حيث يجعل الجيش، الذي كان جزءًا من الدولة، الدولة كلها، ويتناسى أن الدولة تشمل الشعب والدستور والقضاء والمؤسسات المدنية، وأن اختزالها في الجيش فقط يعسكر مفهوم الوطن، وتفقد كل مؤسسات الدولة قيمتها، وتصبح البدلة العسكرية هي التي تعبر عن القضاء والدستور والمؤسسات، ويصبح الوطن خاليًا من أية قيمة مدنية ومجتمعية.
إن الدعوى التي تستند إلى قومية الجيش لا تثبت بالاسم وانتشاره وحده؛ فإن القومية تعني بالضرورة التحرر من الهيمنة الحزبية والأيديولوجية، وتمثيله المتوازن لكل شرائح المجتمع، والتزامه بحماية المواطنين جميعًا.حيث إن كون الميليشيات قد استندت إلى جذور قبلية هو خطر على الدولة، ففي الوقت نفسه يمكن أن يكون اختراق الجيش بواسطة تنظيمات أيديولوجية ومصالح سياسية لا يقل خطورة، إذا لم يُنتبه إلى هذا الاستلاب، وتم التعامل معه كأنه خطر أقل تأثيرًا من الاستلاب القبلي والإثني.
إن رفض التدخل الخارجي يجب أن يكون مبدئيًا؛ حيث إن دور الميليشيات في تعويق مصالح دول أجنبية يجب ألا يكون مبررًا للارتماء في سباق التسلح، وذلك خصمًا على السيادة الوطنية.حيث
إن الوعي الموضوعي لا يرفض اتفاقات الدول والمصالح العسكرية المشتركة التي تُراعى فيها سيادة الدولة واستقلاليتها، لكن الخطورة تكمن في عدم وجود سلطة مدنية تراقب هذه الاتفاقات؛ إذ إن الباب قد يكون مفتوحًا للمؤسسة العسكرية للدخول في اتفاقات قد تقود إلى التأثير على سيادة الوطن وحماية مصالحه في الواقع والمستقبل، وذلك بحثًا عن توازن السلاح والانتصار العسكري اليوم، مما قد يكون خصمًا على استقلالية الوطن وحماية موارده.
إن البحث عن النصر العسكري في حد ذاته لا يجب أن يكون هدفًا دون قيود ومحاذير؛ حيث إن انتصار العسكر لا يعني دولة الحرية والديمقراطية والمساواة، وإن التفويض المفتوح الذي يُقدَّم للمؤسسة العسكرية هو، في ذاته، جرثومة تضعف الجيش في داخله؛ لأن غياب المراجعة والنقد والمساءلة يسمح بالفساد والتسييس والانتهاكات.
إذن، فإن الدفاع الحقيقي عن الجيش لا يقتضي تفويضًا مفتوحًا وموافقة على كل مواقفه، بل يقتضي إصلاحه وحمايته من الطموحات السلطوية والمصالح الأيديولوجية، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا في وجود جيش يكون تحت سيطرة الدستور والمؤسسات القانونية التي تستطيع أن تحميه من هذه الاختلالات.
إن من تجليات الوعي الزائف التجاهل عن مثل هذه المواقف ما يحدث يوميا من عسكرة المجتمع التي تتناقض مع المستقبل الذي تحلم به قوى التغيير؛ فإن البحث عن نصر عسكري، بما فيه استنفار شرائح المجتمع وتوسيع التسليح الأهلي، حتى وإن قاد إلى نصر وحسم عسكري ضد قوات الدعم السريع، فإنما سيقود إلى واقع جديد وميليشيات جديدة، تُهزم فيه ميليشيا واحدة، بينما يستمر فيه تفريخ ميليشيات أخرى. فيكون المستقبل ليس استعادة لواقع اليوم المأزوم، بل قد يكون أكثر دمارًا وخطورة من واقع اليوم.
إن مساندة الجيش نتيجة المخاوف الموضوعية لا يمكن احتقارها أو تخوين أصحابها؛ إذ إن لها جذورها الموضوعية في الخوف من ممارسات الميليشيا وانهيار الدولة وتفككها.
والخوف من التدخل الخارجي. هذه المخاوف يجب أن تكون تحت السيطرة، وأن تقود إلى تنبيه قوى التغيير لرسم المسارات الحقيقية، دون أن تتحول إلى وعي زائف تظهر بوادره عندما يحولها العقل العاطفي إلى تعلق وارتباط بالجيش بوصفه المنقذ الوحيد، فلا يرى سلبيات في ممارساته، ويحولها العقل الثنائي إلى معادلة: إما دعم الجيش بلا شروط أو الخيانة، مع عدم وجود مسار آخر، ويحولها العقل الاستسلامي إلى قبول دائم بممارسات الحكم العسكري وعسكرة المجتمع وتأجيل غير محدد للديمقراطية.
إن المنطق والعقل الموضوعي لا يطالبان بالوقوف ضد الجيش أو إنكار خطر أن تحكم الدولةَ الميليشياتُ، بل يمكن أن يقولا بكل وضوح: نرفض الميليشيات ونرفض تفكيك الدولة، وندعم جيشًا قوميًّا واحدًا، ولكن لا نساوي بين الجيش والدولة، ولا بين المؤسسة وقيادتها، ولا نمنح أية قوة مسلحة تفويضًا مفتوحًا. فالدفاع الحقيقي عن الجيش هو تحريره من الاختطاف السياسي، وإصلاحه، وخضوعه للدستور والسلطة المدنية والمساءلة، مما يجعل الجيش قويًا بتماسكه الداخلي وتعبيره عن كل شرائح المجتمع والقيم التي تسعى قوى التغيير إلى تحقيقها.
هنا ينتقل الموقف من مساندة الجيش باعتباره أمرًا واقعًا، إلى العمل من أجل الجيش الذي نحتاج إليه، والذي يعبر عن قيم الدولة الديمقراطية.
إن مساندة الجيش لها تأثيرها في بنية الوعي؛ حيث إنها تسهم ليس فقط في استمرارية سيطرة المؤسسة العسكرية، بل تقود إلى إعادة إنتاج بنية القهر في المستقبل؛ حيث إنها تكرس في واقع الجماهير انتقال الفاعلية من سلطة الجماهير إلى المؤسسة العسكرية، فتصبح هي القوة الوحيدة القادرة على إنقاذ الوطن، وتنتقل الجماهير إلى موقع المتفرج من موقع الفاعل الذي يصنع التغيير. فتصبح في انتظار نتائج المعركة، ويتم التراجع التدريجي في الثقة بالتنظيم المدني ودور المؤسسات ومنظمات المجتمع المدني، لمصلحة الثقة بالسلاح والحسم العسكري.
هنا يتحول الشعب من صاحب قوة وسلطة إلى طالب حماية. فبدلًا من أن تكون الجماهير مصدر الشرعية، والجيش أداة من أدوات حمايتها، يصبح الوعي عسكريًا، فيصبح الجيش هو صاحب القوة والقرار، ويتبرع بمستوى من الحرية والحقوق للجماهير بما يشاء وبما يريد، ويصبح الشعب جماعة ضعيفة تطلب منه الأمن والحماية، ثم تقبل منه الشروط الأساسية وما يقدمه لها من تنازلات وما يفرضه مقابل ذلك.
إن هذا الواقع يعيد إنتاج بنية القهر؛ فإن الذي يساند الجيش بدون شروط بدافع وطني صادق، دون أن يشعر، يساهم في تعزيز البنية التي تقوم على احتكار القرار والسلاح، وطاعة القيادة، وإضعاف المساءلة، وتقديم الأمن على الحرية، وهي مكونات القهر، حتى وإن رُفعت فوقها شعارات وطنية تستبدل مفهوم التغيير بمفهوم الانتصار.
إن التغيير عملية اجتماعية تعيد توزيع السلطة، وتبني المؤسسات، وتوسع مشاركة الجماهير، أما الانتصار العسكري فهو تغلب قوة مسلحة على قوة أخرى، والخلط بينهما يجعل السيطرة على الأرض هي الأساس، بدلًا من تغيير علاقات القوة التي أنتجت الطرفين المتصارعين، والتي جعلت الجماهير بعيدة عن أن تكون هي التي تقرر مصالحها.
مما يساهم في إضعاف الإيمان بسلطة الجماهير، وتصبح الثقافة السائدة أن البندقية هي التي تحسم، فتتراجع قيمة العمل المدني، ويصبح التنظيم الشعبي شيئًا ثانويًا بعد أن يقرر العسكر مصير البلاد. وتدريجيًا، تُمحى من الذاكرة قدرة الجماهير على صناعة الثورة وإسقاط النظام بالفعل السلمي المنظم.
في هذا الواقع، يُعاد تعريف الوطنية بأنها الطاعة؛ فبدلًا من أن تكون الوطنية دفاعًا عن المواطن والدستور، تصبح مرادفًا للوقوف خلف الجيش وعدم نقده، وبذلك يتحول الولاء للمؤسسة أو قيادتها إلى معيار للانتماء، بينما يُعامل النقد والمساءلة كأنهما يضعفان الوطنية.
إن ذلك يقود إلى استبطان منطق القوة، فيصبح امتلاك السلاح هو المصدر الطبيعي للشرعية، ويقبل المدنيون بأن من يقاتل هو من يملك حق القرار وحده. فإنهم بذلك يستبطنون قاعدة القهر، حتى وهم يطمحون إلى الديمقراطية.
فيتم إقصاء المدنيين، ويبدأ قبول عسكرة الواقع، ثم يمتد القبول ليس لقيادة المرحلة السياسية فقط، بل إلى المستقبل، بحجة أن الجيش دفع ثمن هذا الحق وحقق النصر. ويتحول الدور العسكري المؤقت إلى استحقاق سياسي، وتتراجع القوى المدنية إلى الهامش.
فيتم تأجيل الديمقراطية، ويُتحدث عن أن الديمقراطية تأتي بعد النصر والأمن، فتصبح الديمقراطية طرفًا مؤجلًا، وليست إطارًا ينظم واقع الحياة، وليست أسلوبًا يسيطر على الحرب والسلام. ومع الزمن، يتكيف المجتمع مع غيابها، وتتحول الحالة الاستثنائية إلى واقع دائم.
إن خطورة صناعة هذا (المنقذ العسكري) تحت ضغوط الخوف تجعل الجماهير تتنازل عن آمالها، وتسقط كل أحلامها على القائد العسكري، فتمنحه صفات الحسم والوطنية والقدرة على استعادة الدولة، وترتبط وحدة البلاد بشخص ومؤسسة بدلًا من ارتباطها بالدستور والمواطنة والمؤسسات.
نعم، يمكن بناء دولة بسلطة عسكرية، ولكن لا يمكن بناء دولة مدنية ديمقراطية بواسطة تفويض غير مشروط لمؤسسة مسلحة، كما لا يمكن تأسيس الحرية على الطاعة، أو المواطنة على التخوين، أو سيادة القانون في واقع يتم فيه الإفلات من المساءلة لمجرد الانتماء إلى المؤسسة العسكرية.
فالوسيلة ليست طريقًا محايدًا؛ إذ إنها تشكل طبيعة النتيجة التي تصل إليها، فالوسائل تحمل بذور النظام القادم والمستقبل. فإذا تحقق النصر بواسطة عسكرة المجتمع وقمع النقد وتقديس القيادة وتهميش المدنيين، فإن هذه القيم ستنتقل إلى دولة ما بعد الحرب.
فقد تنتصر المؤسسة العسكرية على الميليشيا، ولكن ينتصر المنطق العسكري على مشروع الدولة المدنية الديمقراطية.
إن الهدف المعلن قد يكون صحيحًا، مثل حماية الدولة ومنع سيطرة الميليشيا، ولكن تحويل الجيش إلى حامل وحيد للتغيير يمثل اختيارًا لأداة تناقض الغاية التحررية. هنا تتم مصادرة المستقبل باسم الضرورة الراهنة؛ إذ إن الضرورة العسكرية قد تستدعي دورًا أمنيًا للجيش، ولكنها لا تمنحه الحق في تحديد شكل الدولة المستقبلية. فإذا تُرك للحرب أن تحسم من يحكم، أصبحت البندقية هي التي تكتب الدستور وتوزع الحقوق.
إن تحرير الجيش لا يُبنى بإعلان الولاء له ودعمه، بل بوجود مجتمع مدني يستطيع أن يصنع الدستور الذي يوفر له المراقبة، ويوفر له الميزانية المستقلة، ويمنع استغلاله وتحزبه. لذلك، فإن إضعاف الجماهير باسم دعم الجيش يضر الجيش ذاته ويقلل من مهنيته.
إن مساندي الجيش يدعون إلى الوصول إلى دولة ديمقراطية تحكمها المؤسسات، لكن التفويض المفتوح للجيش يعيد تشكيل الوعي على أساس الطاعة باسم الحسم العسكري وانتظار المنقذ، وهي قيم تؤسس للحكم العسكري أكثر مما تؤسس للديمقراطية.
إذن، فالمشكلة ليست فحسب فيما قد يفعله الجيش بعد الانتصار، بل فيما يحدث في المجتمع من تغيير في الوعي في أثناء انتظار هذا الانتصار؛ حيث تتراجع ثقته بقدراته، وتضعف مؤسساته، ويتحول المواطن من صانع للتغيير إلى مؤيد لإحدى البنادق؛ إذ إنها تمنح القيادة العسكرية غطاءً سياسيًا، وتعيد تشكيل وعينا، فنؤمن بأن الجيش وحده يحمي الدولة ويصنع التغيير، وتنتقل القوة من الجماهير إلى البندقية، ويتحول الشعب من صاحب السلطة إلى طالب للحماية، ونستبدل مشروع التغيير الاجتماعي بانتظار النصر العسكري.
وهنا تتم إعادة إنتاج بنية القهر التي خرجت قوى التغيير لمقاومتها، وتجعل القوة مصدرًا للشرعية، والطاعة نسميها وطنية، والنقد خيانة، والديمقراطية وعدًا مؤجلًا إلى ما بعد الحسم، تحدد أبعاده القوة العسكرية والسلاح.
إن الغايات النبيلة لا يمكن الوصول إليها بوسائل قهرية؛ إذ لا تبقى الوسائل خارج الغايات، بل تتسلل إليها وتعيد تشكيلها. إذن، فإن الوسائل التي تحمل في داخلها تهميشًا مدنيًا تعكس ملامح المستقبل، والتي تبدأ بتقديس البندقية ستقود إلى مستقبل تتراجع فيه دولة المؤسسات.
إن الموقف التحرري لا يدعو إلى هدم الجيش أو إنكار ضرورته، إنما إلى إعادة وضعه داخل موقعه الصحيح: مؤسسة قومية توفر الأمن والحماية، وتحمي الدولة ولا تحكمها، وتخضع لسلطة الشعب ولا تحل محله.
فالدولة لا تُستعاد عندما ينتصر الجيش وحده، بل تُستعاد عندما تستطيع الجماهير استعادة قدرتها على إخضاع السلاح للدستور والقانون؛ لأننا حينما نسند إلى الجيش مهمة صنع التغيير، فإننا لا نكون قد غيرنا أدوات التغيير نفسها، بل نكون قد نقلنا سلطة التغيير من الجماهير إلى السلاح، ومن الوعي التحرري إلى سلطة القهر.
إن مساندة الجيش يجب أن تكون تحت أطر واضحة؛ إذ إن المساندة تحمل معنى مختلفًا عندما تكون داخل دولة مدنية أو دستورية، تستطيع حكومتها المنتخبة تعيين القيادة العسكرية وإقرار الحرب والسلام. ولكن المساندة في ظل السلطة الانقلابية تعني دعمًا غير مشروط لجيش لا يخضع لسلطة مدنية، وتصبح القيادة العسكرية هي نفسها مركز السلطة والقرار السياسي.
في دولة المؤسسات، تكون العلاقة هي أن الشعب مصدر التشريع، والسلطة المدنية المنتخبة تدير الدولة، والجيش ينفذ المهام الأمنية. أما في دولة الجيش، فتنعكس العلاقة، فيصبح هو من يملك القرار، ويصبح المدنيون مجرد كومبارس يُستدعون لمنح التأييد والغطاء.
لذا، لا يكون السؤال هل نحتاج إلى دعم الجيش؟ بل يصبح السؤال عندما ندعم الجيش من يملك القرار، الشعب ومؤسساته أم قيادة الجيش؟
حيث لا يستطيع المدنيون المساندون للجيش تحديد أهداف الحرب، أو معرفة كيفية اتخاذ قراراتها، أو إيقافها، أو مراجعة قياداتها، أو عزل المسؤولين عن الانتهاكات، أو فرض حماية المدنيين، أو الإلزام بمسار ديمقراطي بعد الحرب.
إذن، لا يملك المؤيد سلطة التأثير، وإنما يصبح تأييده مجرد مساندة هي أقرب إلى التفويض منها إلى الشراكة، ودورًا لا يساهم في صناعة التغيير.
هي علاقة تصبح فيها الكتلة المدنية ليست شريكًا في الدفاع عن الدولة، ولكنها عمليًا تقوم فقط بتأييد القرارات بعد صدورها، ولا تشارك في صنعها، بغض النظر عن أنها تُستخدم لإظهار أن القرار العسكري يحظى بحاضنة مدنية، ويتحول دورها من تحديد مسار الدولة إلى تبرير خطوات القيادة والدفاع عنها أمام المجتمع.
هنا يصبح الجيش مانحًا للشرعية للمدنيين؛ فبدلًا من أن يمنح المجتمع الشرعية للجيش تحت سيطرة المؤسسات، يصبح المدنيون، في دولة الحرب والانقلاب، هم من ينتظرون القبول والشرعية من المؤسسة العسكرية.
هذا يجعل الدولة تُختزل في مركز القوة المتمثل في سلطة السيطرة العسكرية، فتصبح هي الدولة نفسها، ويصبح العسكر هم الدستور والحقوق والقضاء والإدارة المدنية.
إن هذا التفويض، الذي يبدأ بالبحث عن الأمن العسكري، ينتهي بأن يكون تفويضًا سياسيًا. يبدأ بمساندة الجيش في معركة هي ضد الميليشيات، ولكنه يتوسع إلى قبول قيادته للمرحلة السياسية ورسم المستقبل.
إن الخطاب الذي يقول: «مساندة الجيش في معركته» يعكس خللًا بنيويًا واضحًا؛ إذ إن الجيش ليس وحيدًا ولا منعزلًا عن المجتمع، ويجب ألا يكون هناك خطاب عن «معركته». فليس هناك مبرر يُرجع المعركة إلى الجيش وحده، بل يُفترض أن تكون هي معركة المجتمع، إذا كان الجيش حريصًا على أن يعبر عن المجتمع ويلعب دوره في حمايته.
هذا التفويض يجعل من الدور العسكري في الحرب كأنه استحقاق للحكم وكأنها جائزة، ويصبح تأجيل الديمقراطية مدخلًا.هذا الاستحقاق يعني أن الجيش يرى دوره، الذي يُفترض أن يقوم به، كأنه امتياز يطالب باستحقاقه، مقابل أن تكون له الكلمة النهائية في الحكم.
إن مساندة الجيش ليست علاقة متكافئة، وليست علاقة تحالف بين قوى مدنية وقوى عسكرية، بل هي علاقة تبعية تدعو إلى الدعم والمساندة ولا تؤثر في اتخاذ القرار، مما يؤدي إلى غياب القدرة على المحاسبة.لذا، يصبح المعيار الأخلاقي تابعًا لممارسات الجيش؛ إذ لا تستطيع القوى المدنية محاسبته على انتهاكاته أو الدفاع عنها، بل تسعى إلى تبريرها.
إن هذا الدعم غير المشروط يوفر حماية للقوى الأيديولوجية الموجودة والعاملة داخل الجيش. فبدلًا من تحرير المؤسسة من الحركة الإسلامية وشبكات مصالحها، فإن هذا الدعم يمنح هذه الشبكات فرصة الاختباء داخل رمزية الجيش، ويمنحها حماية من النقد أو تطوير المؤسسة لتصبح معبرة عن واقع المجتمع؛ لأن أي نقد يُعتبر اختطافًا للمؤسسة، ويتم تصويره بوصفه هجومًا على الجيش والوطن.
إن بنية القهر لا تحتاج إلى أن يوافق المدنيون صراحة على الاستبداد، بل يكفي أن تكون للقيادة التي في أيدي السلاح سلطة القرار، وأن يصبح دور المجتمع هو التأييد، وأن تؤجل المراجعة والمساءلة باسم المعركة، وأن تكون للسلاح سلطة تحديد الزمن الذي تتم فيه المراجعة والمحاسبة.
عندها، يُعاد تشكيل الوعي على أساس الطاعة وانتظار المنقذ الذي يحدد قوانين حركة التغيير، بدلًا من المشاركة والرقابة وسلطة الجماهير، مما يقود إلى إضعاف البديل المدني؛ إذ كلما زاد الاعتماد على الجيش لحسم السياسة، انخفض العمل على تنظيم قواعد الجماهير، مما يقود إلى ضعف حركة التغيير.
ثم يُستخدم هذا الضعف الناتج عن التبعية دليلًا على أن المدنيين لا يستطيعون الحكم دون وجود الجيش معهم. وهكذا تتشكل دائرة مغلقة: ضعف المدنيين يقود إلى الاعتماد على الجيش، والاعتماد عليه يزيد من ضعف القوى المدنية.هذا الضعف يسحب من القوى المدنية سلطاتها؛ إذ إنها لا تعود هي التي تحدد متى تدخل الحرب، وما شروط التفاوض، ومتى تتوقف عملية الحرب. فإذا احتكرت القيادة العسكرية القرارات، تصبح الحرب ليست أداة في يد الدولة، بل أداة في يد سلطة العسكر، وتصبح الدولة والمجتمع أداتين في يد إدارة الحرب.
إذن، يصبح الوجود المدني ليس مساندة على أرضية من التكافؤ، بل هو تقديم وجوه مدنية وواجهة تستطيع بها المؤسسة العسكرية التعامل مع المجتمع ومع العالم الخارجي.حيث إن ما يُخاطَب به باعتباره مساندةً يجعل الكتلة المدنية، بدلًا من أن تمثل المجتمع وتراقب الجيش، حاضنةً تصفق لقراراته، وتمنحه الشرعية، ولا تستطيع محاسبته أو مراجعته أو تحديد مسار الحرب والسلام.الخوف من انهيار الدولة يتحول إلى الاعتقاد بأن الجيش هو الدولة.الغضب من انتهاكات الميليشيا يتحول إلى تبرير انتهاكات الطرف الآخر.الحاجة إلى الحماية تتحول إلى تفويض سياسي.التعاطف مع الجيش يتحول إلى تحريم نقده.تأجيل الديمقراطية مؤقتًا يتحول إلى قبول غيابها بلا نهاية.رفض الميليشيا يتحول إلى تخوين كل من ينتقد القيادة العسكرية.
الاعزاد
هي رسالة تحارب جراثيم الوعي الزائف تبحث عن العقل المنطقي الذي يعري الاختلال والتناقضات.
إن التناقض لا يعني بالضرورة سوء المقصد وفساد النوايا ، فقد يكون الإنسان مخلصًا لهدفه، لكنه يتبنى وسيلة تقوده إلى عكسه. ومن أبرز هذه التناقض الذي حاولنا ان نسلط الضؤ عليه ونفتح أبواب الحوار يتمثل فيكيف تدعم الجيش لحماية الدولة، مع إضعاف القوى المدنية التي تمثل أساس الدولة المدنية.المطالبة بالديمقراطية مستقبلًا، مع ترسيخ الطاعة العسكرية في الحاضر.رفض حكم الميليشيا، مع منح مؤسسة مسلحة أخرى سلطة سياسية غير خاضعة للمساءلة.الدفاع عن قومية الجيش، مع الصمت عن الاختراقات التي تضعف هذه القومية.اعتبار الحرب ضرورة مؤقتة، مع بناء واقع سياسي واجتماعي يجعل العسكرة دائمة.كيف تطالب القوى المدنية بالديمقراطية، ثم تمنح القيادة العسكرية تفويضًا مفتوحًا؟كيف تدافع عن الدولة، ثم تختزل الدولة في الجيش؟كيف ترفض الميليشيا بسبب حملها السلاح خارج المؤسسات، ثم تقبل عسكرة المجتمع؟كيف تؤجل الديمقراطية إلى ما بعد الحرب من دون ضمانات أو جدول زمني؟كيف تطالب بجيش قومي، ثم تتجنب نقد الاختراقات الحزبية والأيديولوجية داخله؟
هي رسالة لاتدعي إمتلاك الحقيقة ولكن تؤكد إن الوعي الفعال هو طريقنا لوحدة قوى التغيير ولن يتحقق الا إذا بحثنا عن الإجابات سويا نحارب الوعي الزائف نحترم التباين ونرفض الخلاف ونتجاوز عقلية التخوين والإقصاء نستند على من يجمعنا حب هذا الوطن والحلم بدولة العدالة والقانون والمؤسسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..