بين ركام الحرب وأوهام العودة: صراع الظل بين الحزب والتنظيم

في إطلالتها على شاشة الجزيرة مباشر في السادس عشر من فبراير 2026، بدت إفادات سناء حمد العوض أقرب إلى محاولة لإعادة صياغة سردية قديمة بمداد جديد؛ سردية العلاقة الشائكة بين الحزب والتنظيم، بين السياسي والدعوي، في معسكر الإسلاميين بالسودان.
غير أنّ الكلمات، مهما بلغت براعتها، لم تفلح في حجب حقيقة أن الأزمة التي طفت على السطح ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لصراع بنيوي مؤجل منذ مفاصلة عام 1999.
فالمؤتمر الوطني لم يكن، في أي طور من أطواره اللاحقة لتلك المفاصلة، جناحاً سياسياً للحركة الإسلامية، ولن يكون.
لقد نشأ، بعد الانقسام الكبير، كياناً حزبياً قائماً بذاته، له هياكله ومرجعياته.
بيد أنّ تنظيم الإخوان المسلمين في السودان ظلّ ينسج شبكة كثيفة من التمويهات، متخفياً خلف ثلاثة أجسام رئيسية: الحركة الإسلامية، والمؤتمر الوطني، والتنظيم الموازي، فضلاً عن واجهات سياسية متبدّلة الأسماء كحركة الإصلاح، وحركة النهضة، وحزب المستقبل.
هذا التعدد لم يكن ثراءً تنظيمياً بقدر ما كان تعبيراً عن ازدواجية مربكة في الهوية والولاء.
ولعل أخطر ما في هذه الازدواجية أنّها قنّنت، في مرحلة سابقة، بقرار يقضي بأن تسقط عضوية الحركة الإسلامية عند عتبة باب المؤتمر الوطني، بحيث يتعيّن على العضو الحزبي أن يتجرد من انتمائه الحركي.
كان ذلك القرار محاولة جادة لتأسيس استقلال حزبي صريح.
غير أنّ ما أعقب سقوط النظام في أبريل 2019 كشف عن صراع محتدم بين قيادات الحركة وقيادات الحزب، صراعٍ تمحور حول من يمتلك زمام القرار، ومن يحدد وجهة السفينة في بحرٍ سياسي متلاطم.
ومن رحم هذا الصراع وُلدت ما سُمّي بـ“منظومة العمل الموحّد”، التي لم تكن في جوهرها سوى محاولة لاحتواء الحزب داخل عباءة الحركة الإسلامية.
غير أنّ إعلان قادة المؤتمر الوطني فك الارتباط بهذه المنظومة شكّل لحظة مفصلية، إذ مثّل رفضاً واضحاً لوصاية تنظيمية مقنّعة.
إفادات سناء حمد أعادت تسليط الضوء على أن معركة الفصل التنظيمي لم تُحسم بعد.
فالمقتضيات الراهنة تفرض حسماً قاطعاً لازدواجية الولاء، عبر استبعاد كل من يقدّم انتماءه للحركة الإسلامية على التزامه بالنظام الأساسي للحزب.
ولهذا تتصاعد داخل المؤتمر الوطني أصوات تنادي باتخاذ خطوة رمزية وحاسمة بفصل قيادات بارزة في الحركة الإسلامية، باعتبار ذلك عربوناً لانفصال تنظيمي حقيقي لا لبس فيه.
وفي المقابل، تبدو بعض الأصوات داخل الحركة الإسلامية وكأنها تستعجل قطف ثمار الحرب السودانية حتى قبل أن تضع أوزارها، في مسعى يائس لإعادة إنتاج نظام الحكم المُباد، والارتداد بعقارب الساعة إلى ما قبل أبريل 2019.
وفي هذا التعجّل المحموم، تتعامى تلك الأصوات عمداً عن جوهر المطالب التي فجّرت غضب الشارع السوداني وأسقطت حكمها: مطالب العدالة الاجتماعية، واسترداد حقوق ضحايا التعذيب، وإنصاف ضحايا الحروب التي خاضتها الحركة وحزبها في دارفور والنيل الأزرق، فضلاً عن تفكيك شبكة التمكين التي نسجتها في الخدمة المدنية والأجهزة العسكرية والأمنية والشرطية.
إن تجاهل هذه الاستحقاقات ليس مجرد سهوٍ سياسي، بل هو إنكار لإرادة شعب دفع أثماناً باهظة في سبيل استعادة دولته.
ما تكشفه هذه السجالات يتجاوز حدود الخلاف الداخلي؛ فهو يطرح سؤالاً جوهرياً عن مستقبل العمل السياسي في السودان: هل يمكن لكيانٍ حزبي أن ينهض وهو مثقل بازدواجية الولاء ومطوّق بتنظيم موازٍ، ومتجاهل في الآن ذاته لمطالب العدالة التي صاغتها تضحيات الملايين؟
الإجابة عن هذا السؤال لن ترسم مصير حزب بعينه فحسب، بل ستسهم في تحديد ملامح مرحلة سياسية جديدة، لا تتسع لكيانات رمادية الهوية، ولا تقبل بإعادة تدوير تجارب لفظها التاريخ.



