مقالات سياسية

تحديات الصحة ودور مؤسسة التأمين الصحي

د. خالد عبد العاطي عبدالله

مما لاشك فيه ان التأمين الصحي مؤسسة قادرة على أحداث تغيير جزري في مسألة ترقية الخدمات الطبية المقدمة للمواطن السوداني وايصالها لجميع فئات المجتمع السوداني خاصة غير المقتدرة على تحمل تكاليف العلاج لو احسن إدارتها.
يمتلك السودان اكثر من مائة عام خبرة في الخدمات الطبية ولديه رصيد وارث ضخم من الموارد البشرية والاكاديمية والخبرات الفنية في هذا المجال وله جيل من الرواد كانو السباقين في هذا المضمار على مستوى الإقليم ومنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا فلا تستغرب ان اخبرتك ان معامل ابحاث ويلكوم الشهيرة والتي أنجزت مشروع الجينوم البشري وتحولت لأكبر ممول ومنفذ لابحاث الجينوم والسرطان والطب الجزيئي على مستوى العالم كانت بدايتها في السودان.. ففي تلك الفترة قدم السودان للعالم عبر الأبحاث تجربة اول دواء للبلهارسيا بمستشفى الخرطوم الملكي (التعليمي لاحقا). ونال صاحب الاكتشاف جائزة نوبل في الطب عن ذلك.

إن خدمات العلاج الضروري والمنقذ للحياة بالإضافة لخدمات الولادة الطبيعية والقيصرية ورعاية الحوامل وحديثي الولادة والأطفال دون سن الخامسة (العاشرة ضرورية في بلد مثل السودان) يجب أن تكون مجانية  لجميع السودانيين في مختلف أماكن سكنهم بغض النظر عن تغطية التأمين الصحي. كما لايفوتتا ان نذكر بأن التأمين الصحي مؤسسة رابحة لو احسن إدارتها من قبل الدولة فانها يمكن توفر مثل هذه النفقات لتخفف على الدولة أعباء الصرف على العلاج المجاني في الحالات آنفة الذكر.ورد فيه قانون الصحة لعام ٢٠٠٨ ضمن دستور ٢٠٠٥ الانتقالي مجانية العلاج في الحالات الطارئة بالإضافة لمجانية العلاج بالنسبة للولادة الطبيعية والقيصرية ورعاية الحوامل وعلاج الأطفال دون سن الخامسة مجانا في المستشفيات الحكومية الا انه لسؤ الحظ والنية معا لم تصدر لوائح لهذا للقانون رغما عن انه اصدرت وزارة الصحة الاتحادية مجبرة بتوقيع الوزير آنذاك بحر إدريس ابو قردة قرارا بمجانية العلاجات للحالات السابقة تحت ضغط اضراب أطباء السودان بقيادة اللجنة المركزية للأطباء في العام ٢٠١٦ بعد أن جلس الأطباء بقيادة د. حسن كرار وبقية أعضاء المكتب التنفيذي للجنة مع نائب الرئيس آنذاك حسبو عبد الرحمن بالقصر الجمهوري وترتب على ذلك رفع اضراب الأطباء بعد وعود بتنفيذ مذكرة تحسين الصحة المرفقة للحكومة الا انه وكما نعلم لجات الحكومة في نهاية الأمر للحلول الأمنية باعتقال  قيادات الأطباء بسجن كوبر ومكاتب جهاز الأمن ومن ثم تجاهلت المذكرة بعد أن اصدرت عدد من القرارات تحت ضغط الإضراب لم تنفذ اي منها.

مما لا شك فيه ان النظام البائذ فعل كل ما في وسعه لتدمير الخدمات الطبية بالسودان وتسليعها وتشليع مؤسساتها الراسخة كمستشفي الخرطوم التعليمي لصالح مافيا القطاع الخاص والذي وللأسف الشديد نجد ان عدد ليس بالقليل من كبار الأطباء متورط في هذا التدمير اما بالمشاركة الفعالة او بالسكوت والتجاهل وتمرير أجندة خصخصة القطاع الصحي العام وتدمير مقدراته. هؤلاء الاطباء الذين تعلموا على حساب المواطن البسيط مستفيدين فيما مضى من خدمات الابتعاث للخارج والدراسة المجانية على حساب مال الوطن ليردو الجميل بحرمان المواطن من أبسط حقوقه في الاستشفاء والعلاج. وفي الجانب الآخر نجد ان الأطباء الشرفاء كانو السباقين ضمن قطاعات المهنيين في التصدي لنظام الجبهة الإسلامية منذ بواكير عهده وحتى اندحاره بثورة ديسمبر المجيدة فقدموا الشهداء ابتداء بدكتور على فضل وليس انتهاءا بدكتور بابكر عبد الحميد. د. على فضل الذي اغتاله جهاز أمن الجبهة الإسلامية في العام ١٩٩٠ بعد اضراب الاطباء الأول رفضا لانقلابهم المشؤوم ود. بابكر الذي اغتالوه وهو يدواي جرحي التظاهرات في ثورة ديسمبر المجيدة. كما أن تجمع المهنيين الذي كان له فضل السبق في تنظيم جماهير الشعب السوداني في ثورتنا الظافرة كان عموده الفقري الأطباء ممثلين في المكتب الموحد للأطباء والمهن الطبية الأخرى والذين نظمو أطول اضراب في تاريخ العالم ولم يكتفو بذلك فشاركو في المواكب والوقفات الاحتجاجية وحتى اخوتهم المغتربين لم يتوانو في دعم الحراك الثوري بالاموال واشرفو على علاج الجرحى دون من او أذى وظلو مرابطين على وسائل  التواصل الاجتماعي دعما للثورة إعلاما وتوجيها طوال ستة شهور حسوما من عمر الحراك ولا زالو.

عليه فإنه لابد أن تتوج هذه الثورة بانجازات على مستوى الصحة تربط على قلوب آلاف الاطباء السودانيين الذي منذ تخرجهم وقبله حملو هموم المواطن الصحية وكانو يتمنون في كل لحظة ان يستطيعو تقديم افضل ما لديهم خدمة لاهلهم في السودان من رعاية صحية راقية تليق بهذا الشعب الكريم. كثير من الاطباء الذين تقاذفتهم المنافي الإجبارية كانو ولا زالو يحلمون ان يعملو في بيئة عمل معافاة يستطيعون ان يقدمو فيهم افضل الحلول في مسألة العلاج والتداوي لأهلنا في السودان بما يوفر لهم العيش الكريم والطموح الوظيفي والاكاديمي المستحق الا ان سؤ الاوضاع المهنية في عهد النظام البائد دفعتهم قسرا للهجرة وفي منفاهم كانو نعم الرسل للسودان حيث خلا سجل الأخطاء الطبية بالمملكة العربية السعودية (اكبر مهجر للأطباء السودانيين) من اي سوداني بينما تزاحمت الجنسيات الأخرى من الدول العربية الشقيقة وحتى الغربية في هذا السجل وتلك شهادة يفخر بها كل سوداني وبالاخص الاطباء.

نتمنى من وزير الصحة بحكومة الثورة الانتقالية ان يقوم بتنفيذ رغبات آلاف الأطباء والمهتمين بأمر الصحة بوضع استراتيجية تكون من أولوياتها إعادة تأهيل مؤسسات الشعب الصحية والانتصار للخدمات الطبية السودانية والاستفادة من خبرة اكثر من مائة عام في مجال الصحة لتعود بالنفع للمواطن السوداني من اقاصي البلاد الي وسطها. وان يولي بالتنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية مسأله التأمين الصحي أقصى اهتمام وان تقام الورش العلمية والاكاديمية للوصول للحل الامثل في الاستفادة من خدمات التأمين الصحي وبحث كيفية توفير العلاج المجاني الراقي والمستدام في مستشفيات الدولة للحالات الطارئة والولادات والأطفال كمرحلة أولى وحشد الموارد المالية لهذا الغرض بالاستفادة من ميزانية التأمين الصحي والاجتماعي بالإضافة لميزانية الصحة ضمن الموازنة العامة والتي يجب أن تخالف نهج النظام البائد في اعطاء الصحة من فتات الميزانية والصزف البزخي على الأجهزة الامنية وأجهزة القمع.

كما لايفوتتا ان نذكر الأخ الوزير بالاهتمام بقطاع التمريض والتحاليل الطبية وخدمات نقل الدم ومشتقاته وهذه تعتبر من اهم ركائز الصحة والعملية العلاجية بالاضافة لبقية الخدمات التشخيصية كالاشعة المقطعية بانواعها المختلفة  ووسائل تشخيص الانسجة والاورام السرطانية والامراض الوراثية وامراض الدم.

. لايفوتنا ان نستعرض ان غالب اقاليم السودان تفتقر  مؤسساتها الصحية لوسائل التشخيص الضرورية وخدمات مشتقات الدم ونقص هذه الاخيرة سبب رئيسي في وفيات الامهات والاطفال في الأقاليم الذين يتم فب بغض الأحيان نقلهم للعاصمة الخرطوم للحصول علي جرعة بلازما او صفائح دموية وربما يتوفاهم الله في الطريق دون الوصول لمشفى يقدم الخدمة  مع العلم ان تكلفة توفير مثل هذا الخدمات ربما لا تتعدي تكلفة بضعة سيارات من ذوات الدفع الرباعي التي تذخر بها طرقاتنا ويمتطيها مسؤلولون تقاصرت همومهم عن توفير  المعينات تلك وصارو عبء ليس الا علي كاهل المواطن ودولته. ولعل جائحة كورونا هذه قد اسقطت ورقة التوت عن عورة نظامنا الصحي فلك ان تتخيل سيدي الكريم اننا لانملك من أجهزة تحليل الفيروسات ومعامله وتقنيات كشف الحمض النووي الا في معمل استاك في الخرطوم ومعمل معهد النيل الأزرق بودمني فحالات الاشتباه بكورونا من جميع أنحاء السودان ترسل للخرطوم للفحص فلك ان تتخيل عينة يتم إرسالها من الفاشر لتفحص في الخرطوم بواسطك جهاز تكلفته لاتتعدي ال عشرة الف دولار .  لانرغب في جلد الزات او التباكي  علي الماضي بل نريد ان ننظر للمستقبل باعين مفتوحة وخطة عمل مرسومة تنفذ بدقة لاعادة تاهيل قطاع الصحة والحرص علي عدالة توزيع الخدمات الطبية جغرافيا لجميع اقاليم السودان وتوفيرها لجميع المواطنين بغض النظر عن أوضاعهم المادية وهذا حق وليس منحة.
معظم اقاليم السودان تفتقر ايضا للاختصاصين في عدد كبير من التخصصات الاساسية برغم توفر الأطباء السودانيين المؤهلين الذي اما تقاذفتهم المنافي لعدم التقييم والاجر المجزي وبيئك العمل المطاردة او تقاعست الوزارات الولائية عن توطينهم وتوفير المعينات والوظائف لهم.

كما نأمل بالالتفات الجاد لموضوع التدريب والابتعاث للخارج لتأهيل الكوادر الطبية بشكل عام والكواادر المساعدة على وجه الخصوص لاسيما الممرضين والفنيين والتقنيين  لانهم هم عماد العمل الطبي.

نتمني ان نرى في القريب العاجل مستشفياتتا الحكومية تتغير صورتها البائسة وتعود بكامل ابهتها لخدمة المرضى بكل رقي وجودة وكلنا ثقة في قدرة المجتمع المدني والشعبي في السودان في دعم مثل هذه الجهود والوقوف بصلابة وتجرد  حتي نجسد شعارات الثورة المجيدة على أرض الواقع.

ونحن قدامنا الصباح.
دامت الأرض لنا لافتة….. ولاعداء العصافير كفن

د. خالد عبد العاطي عبدالله
[email protected]
بروفيسور مساعد في علم الأمراض-جامعة اسمرا
دكتوراة علم الأمراض _جامعة الخرطوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق