مقالات وآراء

وداعا أيها المناضل الوفي

د. طارق الشيخ
لا أعلم كيف اقترن اسمه بهذا الإسم المنفر ( السفاح ) وهي بعض من التسميات المجانية التي يبرع السودانيون في إطلاقها محبة على أشخاص أبعد مايكونون عن العنف والقسوة . تسميات تخرج عفو الخاطر في مراحل الدراسة المبكرة وربما من مراحل الصغر المبكرة ثم يصبح بعضها ملازما للشخص كما في حالة عبدالله السفاح . والحقيقة أن من يعرف عبدالله السفاح يستبعد عنه هذه الصفة الغريبة ، والأغرب انه يألفها بدرجة لا تخشى عليه من أن يشيع لقب السفاح بين الناس كراهة ومقتا .. فالرجل على غير طيب القلب نقي السريرة ، ممراحا هادئا مثقفا واسع المعارف ودودا وابعد مايكون عن هذه الصفة التي يوحي بها هذا اللقب القاسي .
عبدالله خليفة خوجلي من أسرة عريقة من مدينة الأبيض . لازلت أذكر اول مرة أسمع فيها بإسمه يخرج من فم صديق الوالد الحاج عبداللطيف دبلوك عليهما رحمة الله . قالها عم عبداللطيف : خلينا نشوف أخونا السفاح .. ثم زاد عليها عبدالله السفاح فهو خدوم ويتمتع بعلاقات واسعة مع الشيوعيين ومع الاتحاد السوفيتي ممكن يساعده ( والمقصود شخصي ) في إيجاد منحة دراسية . كانت تلك واحدة من الجلسات المثيرة على الصعيد الشخصي في حضرة الصديقين عم عبداللطيف دبلوك والوالد . وتقع في عداد نوع من المحاكمات الأسرية الأبوية للأبناء . المرة الأولى كانت محاكمة سبقت دخولي للمدرسة الثانوية حينما ضبط والدي كتاب ( الماركسية وقضايا الثورة السودانية ) تحت مخدتي . وهذا يندرج تحت طائلة الضبطية الثابتة التي لامجال لإنكارها . مرر الوالد الكتاب لصديقه مشفقا من شيوعية موروثة كما كان يعتقد ويقصد بها أخوالي في أمدرمان بلا استثناء بسلامتهم وعلى رأسهم فاطمة أحمد إبراهيم . وامتد الأمر الى شكوى خفيفة الى عم الغالي جديد رحمه الله وكان وكيل مدرسة الابيض الثانوية وهي قصة ظل يكررها على مسمعي بدعابة ( لسة رأسك قوي ) وفي كل مناسبة وحتى في تلك المرات التي كنا نسجل له فيها زيارة عائلية صحبة أشقائي في الأعياد .
السفاح هو من ذلك النسيج الغريب الذي يكثر أمثاله وسط الشيوعيين السودانيين ويمتد الى الكثيرين من غير الحزبيين ممن ربطتهم علاقة وثيقة بالحزب الشيوعي ، وهي بلاشك مواقف أدعى برصدها وتسجيلها ففيها الكثير والكثير من القصص النبيلة التي تستحق ان يتعرف عليها الناس وبخاصة جيل الشباب . هؤلاء هم في الواقع بمثابة الرئة التي يتنفس بها الحزب ، وهم أذرعه المنتشرة ، وهم أحد مصادر القوة الإجتماعية الحقيقية للحزب . أناسا امتلكوا قدرا من الشجاعة والجسارة النادرة ، وقدرة هائلة على العطاء والتفاني بغير منة للحزب وعلى أعلى الدرجات . رجال قدموا المثل الحي على ماتعنيه كلمة جسارة وبسالة بتفانيهم وإخلاصهم لقضية الحزب الكبرى وهي وعي تقدم الشعب . تجدهم في مقدمة الصفوف حينما يحمي الوغى ، يصدون في براعة وبرود اعصاب نبال القوى المستهدفة لقيادات الحزب أوكوادره العليا أوسائر جسده . يتبارون في الزود وحماية وتأمين الزملاء المطاردين من قبل الأجهزة الأمنية التي تتشوق للقبض عليهم والتنكيل بهم بحقد وغضب يفوق تجميع الغل الإستعماري وفي أعلى وأحلك مزالقه .
لقد ظل اسم السفاح يتردد على مسامعي دون معرفة شخصية به ، من فاطمة ومن بعض أخوالي بأمدرمان على أيام النميري وحينما يتبادلون نشرة القلق اليومية بالسؤال عن مصائر الزملاء فيرد اسم السفاح مرتبطا باختفاء زميل أو تأمينه بالمصطلح الحزبي . يرد اسمه حينما يتحدثون عن التبرعات وجمعها وتقديمها لأسر الزملاء المختفين أو المعتقلين . ومن المفارقات أني لم ألتقيه واتعرف عليه الا سنوات طويلة بعد جلسة الوالد وعم دبلوك تلك ، فالتقيته أخيرا في بلغاريا وبعد أن أصبحت طالبا للدراسة الجامعية فيها . وقتها كان السفاح كثير التردد على صوفيا بما له من علاقات واسعة رسمية او من زملاء الأمس الذين طاب لهم المقام في بلغاريا وعلى رأسهم شرف مشاوي صديقه القريب .
في تلك الأيام حينما كلفت بمهمة جمع بعض الأموال من اصدقاء الحزب بتكليف جاء أغلبه من السكرتير العام المرحوم محمد ابراهيم نقد كنت أدهش لدرجة كبيرة من الأسماء التي كان علي ان التقيها واستلم منهم تبرعات سخية مدهشة بعضهم لايزال على قيد الحياة ولاجاء يوم شكرهم . تراهم فتحسبهم أبعد الناس عن السياسة بل ومفارقين لدرب الحزب الشيوعي الوعر لكنهم وفي شجاعة ونبل يعملون ويهبون ويتفانون في العطاء بغير منة وتجرد وصوفية تأبى عليهم أن يبوحوا بهذا العطاء المستدام والوفاء للحزب . ولابد أن أذكر هنا من بينهم صديقي المرحوم المحامي غازي سليمان فقد كان من بين هؤلاء الكرماء النبلاء في دعم الحزب بالمال برغم مايبديه له البعض من عداء بل وحتى تصنيف يذهب به بعيدا ، لكني أؤكد وفي هذه السانحة وأشهد له بأنه كان من أكثر من عرفت عطاء وبأموال وفيرة ، كما لا أذكر له في يوم ان باح بسره هذا لأحد قط بمنة أو تفاخر . السفاح كان من بين هؤلاء فاسمه يتردد كلما جلست الى نقد في أمر له علاقة بالمقربين الى الحزب والوصول اليهم فقد كان اسم السفاح أول من يتبادر الى ذهنه أي نقد . عبدالله السفاح و بقدرته الهائلة تلك في إقامة علاقات متينة ومصادقة أناس أغلبهم من امثاله من الصوفيين في العطاء والتفاني بغير منة اولئك النبلاء الذين كانوا في مقدمة أبناء الشعب السوداني ( ساعة الحارة ) ، وهم من وطئوا الجمر ووفروا للحزبيين من القيادات وغيرهم الملاذ الآمن والسترة لعوائلهم بما يقدمونه من مال وتبرعات ومأوى . بمعنى آخر فالسفاح كان يقوم بمهام خطرة للغاية وهو يدرك تلك الدرجة من الخطورة ومع ذلك لم يؤثر السلامة ودربها القصير ، فاختار ان ينفذ أعقد المهام بدقة صانع الساعات والمجوهرات الذي يحشد في لحظات قلقة عصارة المهارة والدقة وجودة التنفيذ . فله الفضل في حماية وتأمين عدد من قيادات الحزب في ملاذات آمنة بعيدا عن الشبهات التي يسيل لها لعاب رجال الأمن وكارهي الحزب في سبيل الوصول اليها . كان كذلك رجل المهام والرسائل الخاصة في أعقد الأوقات والتي تخرج من السودان الى الأحزاب الصديقة في الإقليم أو أوروبا .
السفاح رجل آثر العمل والعطاء الوفير في عظمة وسمو وصمت وثقة بالنفس كبيرة جعلته موضع ثقة قيادة الحزب الشيوعي السوداني ، وأحد رجال اللحظات الحرجة التي احتاجت دوما الى الرجال الأقوياء والثقاة الذين لاتهزهم ريح المخاطر ولا وعورة تنكب المصاعب ولايردعهم التهديد والوعيد الذي تطلقه الأجهزة الأمنية في مختلف العهود . ظل طوال فترة عمله الحزبي نقيا وفيا ملتزما متجردا عفيفا شفيفا ، وعاش جوهرة فريدة فوق تاج العمل الحزبي إيمانا وقناعة ووعيا . عاش حزبيا مقاتلا على طريقته وناضل زمانا طويلا دون امتنان وظل في وسط أعتى أمواج الردة منافحا مصارعا في سبيل قضية الشعب والحزب التي آمن بها عميقا . له الرحمة والمغفرة فهو الفقد العظيم والفراق المر . جوهرة مشعة تغيب عن تاج العمل الحزبي وفقد جلل لزميل نادر .

د.طارق الشيخ
[email protected]

‫2 تعليقات

  1. تحياتي ايها السفير المجهول .. الناس تتحدث باسمائها في زمن الديمقراطية لمن فاتهم قطار الشجاعة والوضوح .. وحقيقة لايصاب أحد بالدوار هذه الأيام الا بني كوز ومن لف لفهم فالأيام أمامهم حساب طويل وعسير .. لا أعرف كيف يصف من قرأ مادة بأنها طويلة الا من اكملها فلماذا طال بالك لدرجة الملل كان أحرى بك أن تترك من أول لفة حتى لاتفقد البوصلة .. رحم الله الفقيد ورحمك الله وأعطاك من الصبر أجمله ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..