مقالات وآراء

صكوك الغفران.. حينما يُدار الرأي العام بمنطق الكاهن والقطيع

 

حسين علي

في العصور المظلمة، لم تكن صكوك الغفران مجرد ممارسة دينية، بل كانت أداة سلطة بيد الكاهن؛ حيث لم يكن الغفران يمنح وفق ميزان ثابت، بل بقرار نهائي لا يُسأل عنه ولا يُراجع.
هذا هو المنطق ذاته -للأسف- الذي عاد اليوم ليحكم الفضاء الإعلامي السوداني، وبالأخص مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن بأدوات حديثة، ووجوه مختلفة، وأسماء مستعارة.
لقد تشكّلت طبقة غير معلنة من “الكهنة” في الميديا السودانية اليوم؛ أفراد، وأحياناً حسابات بلا هوية واضحة، اكتسبوا سلطة رمزية تخوّلهم منح القبول أو سحبه دون أي معيار.
فمن يُبارَك ويسير خلف التيار، يُقدَّم بوصفه صوتاً وطنياً، ويُمنح كافة الامتيازات الممكنة.
أما من يستفسر بمنطقية، فيُدفع خارج المشهد بلا نقاش عام أو تفسير مهني، وتُنزع عنه صفة الوطنية وفقاً لذلك.
إن المسألة هنا لا تتعلق بتبدّل المواقف، بل بغياب المعايير؛ فالأحكام لا تُبنى على الوقائع، بل على “الإشارة”، وعلى الاصطفاف لا على التحليل.
لذا، أصبح من الطبيعي أن يتحول “باطل” الأمس إلى “بطل” اليوم دون أن يشعر أحد بالتناقض، ودون أن تُطرح أسئلة عن السبب أو السياق.
والأخطر من سلطة الكاهن هو استعداد الغالبية العظمى للتنازل عن التفكير درءاً لتهمة أو شبهة انتماء قد توصم بها دون أدنى مبرر.
فنجد كثيرين تخلّوا عن السؤال لصالح الطمأنينة؛ إذ صار البحث عن موقف جاهز أسهل من بذل جهد للفهم.
ومع الوقت، تحوّل التودد لهؤلاء الكهنة إلى سلوك عام: فالبعض يبحث عن مجرد ذكر لاسمه في “بث مباشر”، أو إشارة في منشور، أو ظهور في أي مساحة، نيلًا لـ “مباركة” عابرة باتت تُتخذ دليلاً على القيمة أو الوطنية.
بهذا المعنى، لم تعد صكوك الغفران مجرد استعارة، بل أصبحت وظيفة واضحة: جواز مرور داخل المجال العام، أو سلّم ترقٍ، أو بوابة لوظيفة.
من يملكه يُسمَع ويُحمى، ومن يُحرم منه يُقصى بصمت، مهما كانت أفكاره أو مواقفه.
والمفارقة أن كثيراً من هؤلاء الكهنة ليسوا مستقلين كما يبدون؛ فهم أنفسهم نتاج توجيه وتاهيل مسبق، أُعدّوا ليكونوا أدوات سهلة في إعادة تشكيل الرأي العام، رغم افتقار عدد كبير منهم للحد الأدنى من الموضوعية والانضباط المهني والأخلاقي.
يمارسون الإسفاف والابتذال بلا مساءلة، وكأنهم خارج دائرة النقد والتقييم.
ختاماً، لست بصدد إدانة أشخاص أو تسميتهم، بقدر ما هي محاولة لتشخيص ظاهرة.
فحين يُدار الرأي العام بمنطق الغفران لا الحقيقة، وبسلطة الكاهن لا العقل، فإن “القطيع” لا يُضلَّل فقط… بل يشارك طوعاً في صناعة الوهم.
وخزة الدرب مرات بجيبك وانت ماقاصد تجينا..

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..