مقالات سياسية

الحلم

بروفيسور / مهدي أمين التوم

تتتابع السنوات، ويتسرب العمر نحو مشارف الخامسة والسبعين، والسودان الذي حلمنا به، ونحن نشهد صعود علم استقلاله قبل ثمان وخمسين سنة، يبدو اليوم أكثر بعداً عن ما كان عليه يومذاك!! إنها مأساة أجيالٍ تفتحت على حرية استعصت على البقاء والاستمرار والنماء، فعاشت أهوال ثلاثة أنظمة شمولية قاهرة، وفوضى عدة أنظمة ديمقراطية عابثة، لنجد أنفسنا في أخريات أيامنا نعيش غرباء ومضطهدين في وطن لم يعد مليون ميل مربع، كما ورثناه من الآباء والأجداد، ولم يبقى آمنا في ربوعه كما وصفه الرحًالة والسائحون، بل لم تعد اللقمة فيه سائغة وافرة هانئة.

كل شئ حولنا يدعو للإحباط، ولكننا لن نيأس أبداً من رحمة الله، ولن نفقد الأمل في انفلاق بذرة الخلاص المتأصلة في وجدان وجينات أهل السودان الطيبين الصابرين، على الرغم مما نحن فيه من خريف عمري عاجز ينبئ بالرحيل. لهذا لا نملك حالياً غير التفكير بصوت مسموع للتعبير عن أحلام مشروعة قبل الرحيل الأبدي، عسى أن تجد آذاناً صاغية في مقبل الأيام.

حلمي الأكبر أن أجد الساحة السياسية خاليةً تماماً من كل من عبثوا بها خلال الثمان وخمسين سنة الماضية. أحلم بإزالة الإنقاذ حزباً وشخوصاً ومفاهيم، كما أحلم بإبعادها، قادة وحزباً، عن الساحة السياسية المستقبلية جزاء ما اقترفوه في حق السودان وأهله، وأؤمن أن في ذلك دفاع عن الحرية و الديمقراطية وليس تغولاً عليهما.

كذلك أحلم بغياب الطائفية تماماً عن الساحة السياسية، وحتى الاجتماعية. إنها استعباد لا يليق بعالم القرن الحادي والعشرين واستغلال لإرث لا يملكوه ولم يصونوه. كفانا دوراناً حول أنصاريةٍ مزعومةٍ، وختميةٍ مدعاة، فتاريخ كليهما البعيد والقريب ينطوي على مآخذ ومحَن تؤهلهما للانطواء الأبدي.

إن السودان بتاريخه وتجاربه يستحق أن يكون له نظام حزبي متقدم ينظم حياته السياسية على أسس ديمقراطية ثابتة تقوم على المؤسسية الفعلية وليس النظرية، وتستند على البرامج والسياسات ذات الآليات الواقعية، المتآلفة مع حقائق العصر، والمدركة لتطلعات الشعب، وليس لأطماع النخب، والمبتعدة عن الأيدلوجيات والمذاهب المستوردة والمفاهيم الدينية التي عفا عليها الزمن. إن من العبث أن يكون في السودان أكثر من ثلاثة أحزاب سياسية تتبادل الحكم وفق الإرادة الشعبية الحرة التي تتعامل مع الاحزاب كبرامج وليس كشخوص أو انتماءات طائفية أو قبلية أو دينية. إن أكبر ديمقراطيات العالم تتنازع الحكم فيها ثلاثة أحزاب فقط، فما بالنا نحن تتجاذبنا عشرات الأحزاب، وليس أياً منها جدير بهذا اللقب الدقيق.

حلم آخر يراودني وهو أن يعود السودان مقسَماً إلى وحدات إدارية كبرى إنهاءً لعبث التشرذم الولائي الذي أضعف الانتماء الوطني عبر بعثه للقبلية والجهوية البغيضة، كما أنه لم يقصًر الظل الإداري، كما أدعى، بالإضافة الى تكلفته العالية. إن السودان الآن في حاجة ماسة لكي يحكم مركزياً، كما كان في الماضي، شريطة أن يواكب ذلك توفير كوادر إدارية مؤهلة وقادرة. قد يكون مهماً مستقبلاً البحث عن عاصمة جديدة للبلاد، كما حدث في بلاد أخرى كنيجيريا والبرازيل وباكستان، لكن في المستقبل المنظور يمكن أن تبقى الخرطوم عاصمة قومية في هيئة مدينة كبري كواشنطن ولندن، بينما يتوزع باقي السودان في خمس مقاطعات فقط هي: دارفور، كردفان، الجزيرة، الشمالية والشرق، وتعود بذلك مركزية العدالة والأمن والتخطيط الاقتصادي والاجتماعي والخدمي، بأيدي رجال ونساء لا يحتاج المرء للسؤال عن أصولهم وجدودهم ولا يطمع أحد في انحيازاهم القبلية أو الجهوية. إن نجاح كل ذلك يرتبط بحلم عودة الخدمة المدنية المتميزة التي كانت لها دولة سادت في أجواء السودان منذ عهد الاستعمار لكنها بادت تحت ضربات العبث السياسي الشمولي، بخاصة في عهد الإنقاذ وما ارتبط به من فلسفة التمكين التي جعلت الولاء يتقدم على الكفاءة، فإنهار الموروث الإداري الذي كان فخراً للسودان، تحت سمعنا وبصرنا ونحن عاجزون، لكنا سنبقي نحلم بعودته وعودة مفهوم وكلاء الوزارات الدائمون ليفهم السياسيون أنهم مجرد لاعبين مؤقتين بينما للدولة حَراس دائمون.

إن التعليم هو أساس المستقبل ولكنه الآن محتضر وأحلم بإدخاله غرفة الإنعاش رحمة بمستقبل هذه البلاد العظيمة التي لم تحظ أجيالها الصاعدة بتعليم يجعلنا نطمئن على مستقبلهم ومستقبل أبنائهم، وهم قطعاً ليسوا مسؤولين عن ذلك. فالتعليم العام يحتاج إلى إعادة صياغة هيكلية وعلمية، وفي هذا الصدد أحلم بإعادة ثلاثيته المجرًبة: أساس ومتوسط وثانوي، ولكل مرحلة سنوات أربع تليها تصفيات طبيعية عبر منافسات أكاديمية عادلة تؤهل البعض للتقدم علمياً، كما تؤهل آخرين للتقدم في سلًم المهنية التي يحتاجها المجتمع بمثل احتياجه للأكاديميين. ونجاح كل ذلك يعتمد على توفير عباءة وآليات وكوادر مؤهلة لإعادة صياغة مناهج التعليم العام على ضوء فلسفة وتجارب معهد بخت الرضا في عهده الزاهر. إن بخت الرضا تراث علمي وتربوي زاخر فقدناه في حماقة سياسية قاصرة، فأضعنا، أو أضعفنا، أجيالاً من بني وطننا دون ذنب جنوه. لهذا فإنني أحلم بعودة بخت الرضا، كفكرة، في سماء تعليمنا العام تؤازرها مجموعة معاهد تدريب المعلمين التي كانت منتشرة في أرجاء الوطن تغذي البلاد بمعلمين مؤهلين، وتسهم عملياً في تطوير وتثقيف المجتمعات المحلية، وتخلق من التعليم مهنة جديرة بالاحترام وليست مهنة من لا مهنة له، أو مهنة من تضطره حاجات العمل الإلزامي للعبث بمستقبل الابناء والبنات بالوقوف أمامهم دون تأهيل أو رغبة.

ثم ماضٍ آخر أحلم بإعادته وهو عودة الألق للمدارس الحكومية في التعليم العام بكافة مستوياته، لتعود مدارس الدولة لتصبح هي الجاذبة للطلاب الأفضل، وهي الراعية الأمينة لأجيال المستقبل كما كانت في ماضٍ، ليس ببعيد، تخلقت فيه أجيال لا تزال تفتخر بالانتماء لمدارس تركت بصمات قوية على تلك الأجيال، فبقيت حفية بذلك الماضي وبتلك المدارس العريقة التي انهارت بفعل سياسات أخشى أن تكون مقصودة، هدفت لتحطيم رأس المال التعليمي للإنسان السوداني الذي كان يجعله مميزاً جداً على كل المستويات الإقليمية والدولية.

والحلم بعودة الألق للمدارس الحكومية يتطابق معه الحلم بالقضاء على جرثومة المدارس الخاصة، المحلية والعالمية، التي غزت البلاد في غفلة من ذوي الشأن الفعليين، لتخلق طبقية بغيضة بين أبناء السودان، ولترهق الكثير من الأسر إلى درجة الإفلاس، ولتغذي عقول الناشئة بثقافات وأساليب حياة تجعل منهم مسخاً مشوهاً لما يجب أن يكون عليه السوداني من خلقٍ وقوة انتماء لجذور حضارية ضاربة في أعماق التاريخ، كما تنمي فيه اتكالية تحجب عنه المقدرة على ابتداع البدائل وعلى التأقلم والاندماج مع المجتمع بخاصة عندما يجد نفسه عاجزاً عن مخاطبة أهله بلغتهم العربية أو المحلية لأنهم أدخلوا في روعه أن اللغة الإنجليزية هي الحياة، إذ جعلوها أساس تعليمه منذ بدايات مرحلة الروضة أو مرحلة ما قبل التعليم المدرسي.

أما التعليم الأهلي بمفهومه الصحيح، فليته يعود ويسود مرة أخرى في سماء وربوع بلادنا فهو يمثل فلسفة اجتماعية راقية مبنية على التكافل الطوعي والتعاضد المجتمعي الذي لا يخضع لمتطلبات الربح والاستثمار في الأبناء. رحم الله الشيخ بابكر بدري وأمثاله، ورحم الله رَواد مؤتمر الخريجين الذين أرسوا قواعد ومفاهيم التعليم الأهلي في السودان فنفعوا به الأبناء والبنات دون منٍ أو أذى أو تربٌح ظالم على حساب الأفراد والمجتمع. إن الحلم بعودة التعليم الأهلي الصحيح قابل للتحقيق الفوري لولا حقيقة أن المال حالياً متوفر أساساً في أيدي مستجدي النعمة لذلك هم يخافون زواله، بينما كان المال في الماضي عند من حفروا الصخر بأظافرهم من أجله، فتدفق عليهم بأمر الله فبذلوه بسخاء من لا يخشى الفقر ما دام اتكاله على الله. لذلك سيبقى الأمر حلماً لأنه البديل الإيجابي لجرثومة التعليم الخاص.

إن ما حدث من عبث منهجي وهيكلي بالتعليم العام، انعكس سلباً على التعليم العالي فانحط هو الآخر وضعفت مخرجاته وأصبحت سمعة مؤسساته في الحضيض وخرجت جامعاته من مظلات الترتيب العالمي، بعد أن كانت رائدته، جامعة الخرطوم، يشار إليها بالبنان إقليمياً وعالمياً وكانت تحتل موقعاً متقدماً في التصنيف العالمي للجامعات.

أحلم بعودة الجامعات السودانية إلى مواقعها المتقدمة في العالم والإقليم. إن لتحقيق ذلك الحلم متطلبات ليست عصية التنفيذ إذا رفعت الدولة يدها القابضة عن الجامعات، وتركتها تنمو وتتطور ذاتياً في جو صحي معافى، تحت ظل قانون يحمى حرية الجامعات الأكاديمية و استقلالها الإداري والمالي. فالجامعات كائنات حية تنمو وتزدهر إذا كانت البيئة المتاحة تتفهم طبيعة الجامعة كمؤسسة هدفها استشراف المستقبل، والمساهمة الفعَالة والإيجابية في تطوير المجتمعات وتقدم العلوم. كيف لهذا أن يحدث إذا كانت الجامعة غير حرة وغير مستقلة، وإذا كانت نظرة الدولة إليها نظرة أمنية متوجسة، ونظرة مالية قابضة، ونظرة إدارية متخلفة تتمحور كلياً حول الإصرار على تعيين إدارات موالية وفرض أساتذة دون المستويات المطلوبة وخلق ثغرات لإحداث انحطاط مقصود بالدرجات العلمية، فامتلأ الكون بدرجات الماجستير والدكتوراه التي أصبح الشك حيالها يكاد يكون عالمياً وإقليمياً ومحلياً. كما أمتلأ الأفق بالمراتب العلمية غير المستحقة أو المصطنعة فاصبح الكل بروفيسيراً وضاع في هذا الخضم البروفيسرات الحقيقيون الذين نالوا تلك المراتب العلمية الرفيعة باستحقاقات علمية جعلتهم جديرون بإنارة سماوات المؤتمرات العلمية العالمية والإقليمية والمحلية وجعلت من مساهماتهم العلمية، النظرية والتطبيقية، مكاسب انعكست إيجاباً على وطنهم وجامعاتهم.

إن الحلم بعودة الجامعات السودانية لمواقع متقدمة في خريطة جامعات العالم، يتمحور أساساً حول توفير الحريات الأكاديمية والاستقلالية الإدارية والمالية، بكل ما تعني هذه المصطلحات من معاني. لكنه أيضاً يتطلب إعادة نظر جذرية في هيكلية التعليم العالي ككل.

بروفيسور مهدي أمين التوم

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى