حتمية المسار السلمي وتفكيك معضلة الحرب

محمد صالح محمد
في المشهد السوداني المعقد حيث تتشابك الجغرافيا بالديموغرافيا وتتقاطع المصالح الخارجية مع الطموحات الداخلية، تظل الحرب الراهنة تمثل “نقطة تحول” وجودية في تاريخ الدولة السودانية الحديثة.
وبينما تتوالى نذر التصعيد العسكري وتتوسع رقعة الاشتباكات، يبرز تساؤل استراتيجي جوهري هل ستنتهي هذه الحرب بحسم عسكري أم أن صوت السلام يمتلك من القوة الكامنة ما يجعله الخيار الحتمي في نهاية المطاف؟
أولاً: جدلية العنف وعبثية الحسم العسكري
تعاني الحرب السودانية من “أزمة استدامة”.
فالتوازن القائم بين القوى المتصارعة، مدعوماً بتعدد خطوط الإمداد وتداخل الساحات، يجعل من فرضية “الحسم العسكري الكامل” ضرباً من الخيال الاستراتيجي.
تاريخ الحروب الأهلية في المنطقة يثبت أن استمرار العمليات العسكرية دون أفق سياسي يؤدي إلى حالة من “الإنهاك المتبادل”.
إن استنزاف موارد الدولة، وتفكك البنية التحتية، والنزوح الجماعي، عوامل لا تضعف طرفاً واحداً، بل تقوض شرعية وبقاء كافة أطراف الصراع مما يحول الحرب من أداة لتحقيق أهداف سياسية إلى “فخ” وجودي يبتلع الجميع.
ثانياً: لماذا يظل “صوت السلام” هو الخيار الأكثر منطقية؟
على الرغم من ضجيج المدافع، هناك مؤشرات تدعم فرضية أن السلام هو المخرج الوحيد:
استحالة التفرد بالسلطة: التنوع الإثني والسياسي والاجتماعي في السودان يمنع أي طرف من الانفراد بالحكم عبر القوة.
أي محاولة لفرض سلطة أحادية ستواجه برفض داخلي متجذر وعزلة دولية مما يجعل الاستقرار بعيد المنال دون توافق وطني عريض.
الضغوط الدولية والإقليمية: لم يعد المجتمع الدولي في ظل النظام العالمي الراهن يتحمل دولاً فاشلة في مواقع استراتيجية كالسودان.
إن التهديدات المرتبطة بالأمن الإقليمي، والهجرة غير الشرعية، وتأمين الممرات المائية تدفع القوى الفاعلة للضغط نحو تسوية سياسية مهما بدت المسارات الحالية متعثرة.
تراكم الخبرة الوطنية: السودانيون عبر تجاربهم السياسية الطويلة أدركوا أن “الحل الصفري” يعني دمار الدولة.
هناك وعي مجتمعي متصاعد بضرورة استعادة الانتقال المدني، وهذا الوعي يمثل “الكتلة الحرجة” التي ستضغط في النهاية لفرض إيقاف الحرب.
ثالثاً: مسارات الانتقال من “حالة الحرب” إلى “مستقبل الدولة”
إن سيناريو انتصار صوت السلام ليس أمنية رومانسية، بل هو ضرورة واقعية تتطلب هيكلة سياسية تتجاوز الأطراف المباشرة في النزاع:
إعادة تعريف العقد الاجتماعي: السلام لن يتحقق بمجرد وقف إطلاق النار، بل عبر صياغة “عقد اجتماعي جديد” يعالج جذور الأزمة السودانية: قضية الهوية، توزيع الثروة، وهيكلة المؤسسة العسكرية لتصبح جيشاً وطنياً مهنياً واحداً.
الحوار الوطني الشامل: لا يمكن للسلام أن يكتبه الجنرالات وحدهم.
يجب أن يكون هناك مسار يشرك القوى السياسية، والقيادات الأهلية، والشباب، لضمان استدامة أي اتفاق سلام يتم التوصل إليه.
العدالة الانتقالية: السلام المستدام يتطلب معالجة ملف الجرائم والانتهاكات؛ فالاستقرار الذي لا يبنى على قاعدة العدالة هو استقرار هش ومعرض للانهيار في أي لحظة.
نحو انتصار “المنطق”:
الحروب في الدول ذات التنوع المعقد مثل السودان ليست سوى “فترات انتقالية مؤلمة” يعاد فيها تشكيل الدولة.
ورغم قسوة الواقع الحالي فإن “صوت السلام” هو الصوت الذي يمتلك الشرعية التاريخية والضرورة البنيوية للانتصار.
إن القوى التي تسعى لفرض السلام ليست أضعف من القوى التي تشعل الحرب، بل هي الأكثر إدراكاً لقوانين التاريخ؛ فالحروب تبدأ بقرار ولكنها تنتهي بضرورة العيش المشترك.
سيخمد صوت البنادق لأن السودان بجغرافيته وتاريخه لا يمكنه البقاء كدولة ممزقة وسيكون السلام في نهاية المطاف هو المشروع الوطني الوحيد الذي يضمن بقاء الدولة وكرامة مواطنيها.




العنقالية و العنجهية و الغوغائية التي تقود و تدعم أفضت بكل مكنونها خلال هذه الحرب القذرة حتى يتعافى الوطن في مقبل أيامه عسى و لعل