
ليست اللحظات العابرة في السياسة عديمة الدلالة، ولا المشاهد الصغيرة خارج القاعات أقل تعبيرًا من خطب المنابر. فكثيرًا ما تكشف التفاصيل اليومية عن جوهر السلطة أكثر مما تفعل المنصات والخطابات، إذ تختزن **هذه السلوكيات** بنيةً نفسية مكتملة تعكس طبيعة النظام السياسي، لا أمزجة أفراده فحسب، فطريقة وقوف مسؤول، أو نبرة حديثه أمام الإعلام، أو تعاطيه مع الصحفيين، ليست أحداثًا طارئة، بل إشارات بنيوية إلى نموذج الحكم وإلى طبيعة العلاقة بين الفرد والدولة: أهي علاقة وكالة ومسؤولية، أم علاقة امتلاك وهيمنة؟
في ذلك اليوم، قصدتُ دار المؤتمر الوطني بحثًا عن مدير مكتب تنسيق الولايات الجنوبية، بعد أن لم أجده في مكتبه، وكانت سكرتاريته هي من وجّهتني إلى هناك. لم يكن حضوري مدفوعًا بأي صلة شخصية، ولا معرفة سابقة بالرجل أو بغيره من القائمين على المكان، بل جئت لأمرٍ عارض يخص عملي، وعلى عجلٍ من شأني لا يسمح لي بشيء سوى إنجاز المهمة والمغادرة. وجدت نفسي في فضاء واسع، بسقف مرتفع وإضاءة باهتة توحي قبل أن تشرح. وعلى جانب القاعة الرئيسية، بدت صالة أخرى منفصلة، يوحي ترتيبها بأنها مخصصة للاجتماعات المغلقة. كان المكان كله مشغولًا بتكريس شعور السيطرة أكثر مما كان مهيأً للحوار أو التداول.
جلستُ في أحد أطراف القاعة أنتظر، لا مشاركًا في شيء، بل شاهدًا على طريقة انتظام الأجساد في المكان، وتوزّع النظرات، وصمتٍ لا ينتمي إلى السكينة بقدر ما يشبه الانضباط المفروض. كان كل شيء يوحي بأننا أمام دولة تُدار بمنطق الضبط لا بمنطق المشاركة.
حين انتهى الاجتماع وبدأ المجتمعون في الخروج تباعًا، ظهر نافع علي نافع متجهًا إلى مجموعة من الصحفيين كانوا يتحلّقون حول شخصية أخرى، فرفع صوته بلهجة لا تحتمل اللبس: «هُوووي… إنتو! تعالوا هنا… ما تعملوا أي لقاء لزول… تعالوا اعملوا معاي أنا!» لم يكن المشهد لحظة انفعال شخصي، بل تكثيفًا بصريًا لطبيعة العلاقة التي تُراد للإعلام أن يؤديها، لا بوصفه سلطة رقابة، بل امتدادًا لأمرٍ نافذ.
ما يضفي على الموقف عمقًا إضافيًا أن الرجل الذي علّق لاحقًا على الواقعة بعبارته المكثفة: «الزول ده بيعمل أكتر من كده بكتير»، ليس شاهدًا عابرًا، بل ممن عرفوا الرجل عن قرب، وكانوا جزءًا من دائرته التنظيمية قبل أن ينسحبوا منها. وهو نفسه الذي كتب لاحقًا مقالًا في صحيفة *الشرق الأوسط* عقب حادثة سقوط الطائرة التي قضى فيها الزبير محمد صالح، بلغة تحليلية هادئة تميل إلى التأمل وتفكيك الحدث سياسيًا وأخلاقيًا.
وهنا لا تكمن المفارقة في اختلاف النبرات، بل في تحوّل الشخص الواحد من رجل يصرخ في الصحفيين داخل قاعة حزب، إلى فاعل مركزي **في دولة**، تتحرك داخلها الآراء، وتتعدد فيها المدارس الفكرية، ويُفترض أن تُحكم بمنطق المؤسسات لا الأفراد. مفارقة بين سلوك لحظي يقوم على الفرض، وموقع عام يفترض الاعتراف بالتعدد، والقدرة على الإصغاء، والإيمان بأن الدولة ليست مساحة لتنفيذ الإرادات الفردية، بل شبكة مصالح معقّدة، وعقول متعددة، ومجتمع لا يُدار بمنطق الصوت الأعلى وحده.
ليست المسألة مسألة أخلاق فردية، بل نمط سلطة كامل يُعاد فيه تعريف الآخرين لا بوصفهم شركاء في المجال العام، بل باعتبارهم أدوات تتحرّك داخل منظومة أكبر منها. وحين تسود هذه الرؤية، يصبح المنصب مجال بسط إرادة، لا موضع مساءلة، وتأخذ الدولة شكلها الأمني أكثر مما تحتفظ بجوهرها التعاقدي.
هذا المشهد، في حقيقته، ليس تفصيلًا معزولًا، بل صورة مصغّرة لدولة أُعيد تشكيلها بعقلية الجهاز لا بمنطق المؤسسة، حتى تلاشت الحدود بين التنظيم، والوظيفة العامة، والدولة نفسها. ومع هذا التماهي، لم تعد المؤسسات تُدار بقواعد الخدمة، بل بإيقاع الطاعة، ولم يعد المواطن يُنظر إليه بوصفه صاحب حق، بل عنصرًا ينبغي احتواؤه أو تحييده.
وفي عمق هذا المسار تكمن أزمة ليست سياسية فحسب، بل فكرية ووجودية. وهنا يصبح استدعاء الفكر ضرورة لا ترفًا ثقافيًا. فكما يرى وليم إرنست هوكنج في كتابه *معنى الخلود في الخبرات الإنسانية*، فإن الإنسان لا يسعى إلى البقاء بوصفه وجودًا بيولوجيًا فقط، بل بوصفه أثرًا ومعنى. غير أن الأنظمة حين تطلب خلودها الخاص، تفعل ذلك على حساب المعنى العام، فتسعى إلى الدوام بالقوة لا بالقيمة، وبالتحكّم لا بالاعتراف.
وحين تفقد الدولة مبرّرها الأخلاقي، فإنها لا تنهار فجأة، بل تدخل طور شيخوخة صامتة، حيث تبقى الهياكل قائمة، بينما تتآكل الروح العامة في الخفاء.
أما Jean Grondin، فيؤكد في كتابه *فلسفة الدين* أن السياسة حين تنفصل عن سؤال المعنى تتحوّل من رعاية للوجود إلى إدارة للخراب، إذ إن كل سلطة لا تسائل نفسها عن غايتها، تنتهي إلى تسويغ بقائها بذاته، لا بخدمتها للمجتمع.
في التجربة السودانية، لم يكن الانهيار مفاجئًا، بل نتيجة تراكم طويل: تآكل الخدمة المدنية، تفريغ المؤسسات من مهنيتها، استبدال الكفاءة بالولاء، والتنظيم بالدولة. وحين جاءت ثورة ديسمبر، لم تكن احتجاجًا سياسيًا فقط، بل لحظة استعادة أخلاقية لفكرة الدولة بصفتها عقدًا عامًا، لا غنيمة.
غير أن الانتقال وُوجه بدولة منهكة من الداخل: اقتصاد متآكل، أجهزة مشروخة بالولاءات، ومؤسسات لم تتدرّب على الشفافية بل على الطاعة. ثم جاء الانقلاب لا بوصفه حدثًا معزولًا، بل عودة كاملة للنموذج ذاته، **ومن بعده لم تكن الحرب سوى اللغة الأخيرة لمنظومةٍ** لم تعد تمتلك غير السلاح لإدارة الخلاف.
اليوم تعود ذات البنية بواجهات أهدأ وخطابات أقل حدّة، لكن جوهرها لم يتبدّل: الدولة امتلاك، والسلطة حق خاص، والمجتمع هامش. غير أن السودان لا يحتاج إلى تبديل الأشخاص بقدر ما يحتاج إلى كسر المنطق، ولا إلى تغيير الواجهات بقدر ما يحتاج إلى نموذج حكم جديد.
فالسؤال لم يعد: من يحكم السودان؟ بل: كيف يُحكم؟ وبأي وعي؟ ولصالح مَن؟
وما لم تحدث قطيعة معرفية وأخلاقية مع إرث التمكين، ومع عقل الدولة المؤدلجة، فإن الخراب سيواصل إعادة إنتاج نفسه، ولو تغيّرت الوجوه وتبدّلت الشعارات.
لأن الدولة التي مات معناها… لا تعيدها الأسماء إلى الحياة.



