مقالات وآراء

محمد شحرور الفرق بين الكتاب والقرأن ونصر حامد أبو زيد

طاهر عمر

عند محمد شحرور، الكتاب أو التنزيل الحكيم هو كل ما جاء في المصحف، ويترادف عنده مع التنزيل الحكيم، وهو شامل للنبوءة والرسالة معًا. إلا أنه يفرّق بين الكتاب والقرآن؛ فالكتاب عند شحرور، أي الرسالة، تختص بالآيات التشريعية والأحكام والحدود والعبادات والأخلاق التي تتحكم في سلوك الإنسان وتكليفه. أما القرآن فهو عند شحرور أمر مغاير، ومختص بالظواهر الكونية وقوانين الطبيعة والقصص وتصديق النبوءة.

عند محمد شحرور، الرسالة تابعة للنبوءة، أي كأن النبوءة متغير مستقل، والرسالة متغير تابع، وهي غير ملزمة، وتُعتبر عبرةً لمن اعتبر. لذلك يعتبر النبأ عند محمد شحرور هو القول أو الحدث الذي يتضمن صفة الغيب ولم يقع بعد، أو النص القرآني الذي لم يُفهم أو يُكشف تأويله بعد. أما الخبر فهو النبأ نفسه بعد كشف غيبه، وأصبح معروف المعنى وانكشف تأويله بالتجارب والاكتشافات العلمية عبر التاريخ. وبالتالي، ستصل البشرية، بالتقدم العلمي، إلى مستقر النبأ، وسيصبح النبأ خبرًا. وضرب محمد شحرور لذلك بعلم الجنين؛ فكانت آيات خلق الجنين تُعتبر علم غيب، والآن أصبحت خبرًا معروفًا لكل إنسان بفضل التقدم العلمي.

لذلك يرفض محمد شحرور فكرة أن يكون لجيل واحد ادعاء الفهم الكامل والنهائي لكل معاني القرآن، بل سيبقى الباب مفتوحًا أمام العقل البشري لتأويل النبأ وإيصاله إلى مستقره مع تقدم الزمن. وعليه، يرفض كذلك فكرة التقديس والتبجيل والإيمان التقليدي الموروث، ويدعو إلى الفهم العقلاني والاجتهاد المستمر في قراءة النص القرآني بعيدًا عن التراث والمذاهب التاريخية.

لذلك يعتبر فكر محمد شحرور فكرًا ذا نزعة إنسانية واضحة ومحورية في قراءته المعاصرة للقرآن، حيث يركز جهوده على إبراز القيم الأخلاقية والحرية الإنسانية، وإعلاء دور العقل، وإعادة تفسير النصوص بما يخدم الإنسان وحاجته المتجددة في العصر الحديث. هدفه المقاصد الكلية بعيدًا عن الحرفية الضيقة، وبدلًا عنها يطرح فهمًا جديدًا للقرآن يعتمد على اللغة واللسان العربي، لا على الروايات التاريخية التي جمّدت الفكر وأخّرت المسلمين عن مواكبة العصر.

الغريب، رغم التقاء محمد شحرور مع نصر حامد أبو زيد في فكرة نقد الإيمان التقليدي، وأن التأويل يظل بديلًا للتفسير، وأن معنى النص مفتوح على اللانهاية وليس حصرًا على تفسير رجال الدين في أزمان سابقة، إلا أن نصر حامد أبو زيد يرى أن محمد شحرور تلفيقي؛ لأن منهجه ما زال قابعًا في المنهجية التاريخية، في وقت نجد أن منهج نصر حامد أبو زيد منهج تاريخي.

وهناك فرق كبير بين المنهجية التاريخية والمنهج التاريخي، ومن ملاحظاتي أن أغلب النخب السودانية ما زالت محبوسة في حيز المنهجية التاريخية، وخاصة المؤرخين التقليديين، وعبد الله علي إبراهيم على وجه الخصوص. ويتضح منهجه المحبوس في المنهجية التاريخية، وليس المنهج التاريخي، في كتابه «الصراع بين المهدي والعلماء».

التأويل عند نصر حامد أبو زيد عملية تفاعل ديناميكية ومستمرة بين القارئ، كإنسان، والنص الديني، تتحول فيها دلالة النص الثابتة إلى معانٍ متحركة تتجدد باستمرار حسب السياقات التاريخية والثقافية والاجتماعية للواقع، متجاوزًا بذلك مفهوم التفسير التقليدي الذي يقتصر على نقل المعنى السطحي أو الجاهز.

التأويل عند نصر حامد أبو زيد يعني أن النص القرآني منتج ثقافي، رغم إلهيته، دخل في دائرة الثقافة وأصبح نصًا لغويًا عربيًا يخضع لقواعد اللسانيات والسياق التاريخي لنزوله. وهنا يأتي التأويل مقابل التفسير؛ فالتفسير يبحث عن معنى تاريخي ثابت، والتأويل يعني أن النص مفتوح على اللانهاية من المعاني. وبالتالي، يصبح القارئ المعاصر شريكًا أساسيًا في إنتاج المعنى، إذ لا وجود للمعنى خارج عملية القراءة والفهم البشري للواقع.

وهنا وجب ذكر توضيح نصر حامد أبو زيد للفرق بين النص والخطاب. وعليه، فإن النص هو البنية اللغوية والثقافية المغلقة بذاتها في لحظة التدوين، بينما الخطاب هو النص في حال وجوده وحيويته وتفاعله المتحرك مع الواقع والزمان والمكان وشروط التواصل التاريخية والإنسانية. والخطاب متجدد بتجدد القراءات والأزمنة، ويربط الخطاب النص بسياقاته الاجتماعية والسياسية والثقافية، وشروط إنتاجه وتأويله.

نصر حامد أبو زيد ينظر إلى محاولة محمد شحرور على أنها تتجاهل السياق الثقافي والتاريخي المنتج لدلالة النص القرآني، مما يجعله أسير رؤيته الأيديولوجية الخاصة للنص. وأيضًا يرى أن شحرور كان قد مارس التعسف اللغوي والدلالي، وهو يحاول أن يخلق فوارق دلالية حاسمة ومفتعلة بين ألفاظ ومرادفات القرآن الكريم، مثل الفرق بين الكتاب والقرآن والذكر، دون سند لغوي أو تأصيل حقيقي. وأضاف أبو زيد أن شحرور طرح علموية زائفة بسبب خلفيته في دراسة الهندسة، ويخوض بلا علم في مسائل ميتافيزيقية، ويدّعي امتلاك المطلق والحقيقة دون براهين علمية أو تأصيل حقيقي. لذلك كان رأي أبو زيد أن مشروع شحرور لن ينجح؛ لأنه لا ينفذ إلى جوهر النص، ولا يؤسس لوعي نقدي نتاج معرفة المعرفة.

ولكي يوضح أبو زيد كل ذلك، استخدم مناهج غربية مثل التأويل واللسانيات والسيميائيات لاستعادة المعنى التاريخي الأول، ثم إسقاطه على الواقع المعاصر. وبالتالي، تحدث عن الفرق بين الدلالة والمعنى، وهو يفرق بين المعنى الثابت تاريخيًا، أي ما كان يعنيه النص بالنسبة لمخاطبيه الأوائل، والدلالة المتجددة، أي ما يمنحه النص من إيحاءات للأجيال اللاحقة. القرآن عند نصر حامد أبو زيد هو النص القرآني بوصفه منتجًا لغويًا وثقافيًا تاريخيًا، وليس مجرد معانٍ مقدسة جاهزة. وهذا النص تشكّل داخل اللغة، وفهمه يحتاج إلى تفكيك بنيته اللفظية ودلالته الرمزية والثقافية لفهم آليات اشتغاله في الواقع الإنساني.

عند أبو زيد، القرآن كخطاب لغوي نزل بلغة العرب التاريخية وفي سياق ثقافة محددة، لذلك بنيته اللغوية تخضع لقواعد وقوانين التطور اللساني، وليست بمعزل عن البشر. وبالتالي، يصبح التحليل الدلالي عند أبي زيد قد تجاوز التفسير التراثي القائم على المفردات المعزولة إلى فهم السياق الكلي للخطاب، وهنا يستخدم التاريخ كمنهج.

أبو زيد ينظر إلى النص كنظام سيميائي متكامل يحمل دلالات وإيحاءات تتجاوز الحرف الظاهري، وبتفاعل العلامات اللغوية داخل النص مع السياق الثقافي والاجتماعي للمجتمع، يحصل الإنتاج الثقافي. وبالتالي يأتي التأويل بتجدد العلامات وتفسيرها عبر العصور وفق شروط المتلقي.

في مفهوم أنسنة النص الديني عند أبي زيد، يقول إن النص، كوحي، نزل بلغة البشر وثقافتهم ليتمكن الإنسان من فهمه والتفاعل معه في بُعده الإنساني، وأن النص يركز على تحرير الإنسان وتحقيق العدل والقيم الإنسانية.

وبالتالي يأتي عند أبي زيد التأويل المستمر لكي تستمر حيوية النص واستمراريته، ويظل متجددًا؛ لأن العقل البشري في كل عصر يقرأه قراءة جديدة تعبر عن احتياجاته. وهنا يظهر الفرق بين أبي زيد في منهجه التاريخي المساعد على أنسنة النص، وشحرور في منهجيته التاريخية التي لم تُخلّص شحرورًا من أيديولوجيته التي لم يقبلها أبو زيد.

وهنا نجد أن أبا زيد تعامل مع النص على أنه نص تثقيفي تاريخي نشأ في لغة وثقافة معينة، وليس بوصفه متعاليًا على التاريخ. لذلك يركز أبو زيد على البعد البشري؛ لأن الله خاطب بشرًا بلغتهم، وبالتالي يأخذ النص صفة البشرية وليس متعاليًا، ومن الممكن، بالتالي، تطبيق مناهج اللسانيات والأدب على النص القرآني كأي نص لغوي بليغ. أبو زيد نزع القداسة الجوهرية عن الشكل؛ فنجد أنه فصل بين القداسة الإلهية لمعنى النص وبين البشرية التاريخية للغة والخطاب، وهنا يشبه نقد سبينوزا لتقديس الحرف والظاهر الديني.

وبالتالي رفض أبو زيد التفسير الحرفي المطلق الذي ينداح في المتعالي، ودعا إلى إخضاع النص الديني للنقد اللغوي والأدبي، مثلما أسس سبينوزا لنقد التوراة تاريخيًا في كتابه «رسالة في اللاهوت والسياسة». وهنا يكون أبو زيد قد نجح في نزع القداسة الأسطورية عن النص الديني تمامًا، كما فعل سبينوزا.

عند نصر حامد أبو زيد، القرآن نص خطابي، ولكن بسبب التفسير والابتعاد عن التأويل بسبب تسيد النقل وإبعاد العقل، أصبح السائد هو انفصال التشريع، أي الفقه، عن العقلاني، أي الفلسفي عند المعتزلة، وكذلك انفصال التشريع عن الأخلاقي والروحي. القرآن، بوصفه نصًا، يشجع على التأويل والتأويل المضاد قديمًا وحديثًا. ووفقًا لرأي أبي زيد، القرآن نص يسير نحو الخطاب، وبالتالي يصبح مجازًا لا حقيقة، واختيارًا لا جبرًا. لماذا؟ لأننا ننظر إلى القرآن بوصفه نصًا يحاول الفقه طرح معنى ثابت له، بينما يطرح القرآن فضاءات للمعنى، بعكس الفقه الذي يطرح معنى ثابتًا. وهنا يسود منطق القوى الذي يسود، وليس منطق المعرفة، والقوى تعني السلطة السياسية، كما في المأمون والمتوكل في مسألة المعتزلة، في تقريبهما لهم ثم قتلهم.

وكذلك تجزأ المعنى القرآني في مجالات المعرفة؛ أي أن المعنى اللاهوتي أصبح يناقش عند المتكلمين والفلاسفة، والمعنى القانوني التشريعي يناقش عند الفقهاء، والمعنى الروحي والأخلاقي يناقش عند المتصوفة. وحصل هذا التجزؤ وهذا التشتت، وهنا غاب البحث عن الرؤية القرآنية للعالم؛ يعني غياب الروحي عن التشريعي، وغياب الأخلاقي. كل هذا صار غائبًا، أي غياب البعد الروحي والأخلاقي من التشريعي، أي من الفقه، بينما في منطوق الآيات نجد الترابط بين التشريعي والروحي والأخلاقي؛ أي لا يمكن فصل الأخلاقي والروحي عن التشريعي. وهذا الخطأ بسبب سيطرة النقل وغياب العقل، بسبب الشافعي ومن بعده الإمام الغزالي؛ لأنهما انشغلا بالنص وغاب عنهما أن النص القرآني يسير نحو خطاب قرآني، كما يوضح أبو زيد.

الرؤية للعالم يمكن الوصول إليها بتحرير القرآن كخطاب لا يميز بين اللاهوتي والتشريعي والأخلاقي والتشريعي. هذا الغياب أو التفريق سببه ثنائية العقل والنقل عند الشافعي؛ لأنها قائمة على أن القرآن نص وليس خطابًا، وهذا خطأ كبير، بسببه أصبح الفقيه في عالمنا اليوم يجسد دور القانوني التقليدي والمؤرخ التقليدي، وقد تجاوزهُما السياسي المدرك لفكرة الشرط الإنساني التي ترتكز على عقلانية الفرد وأخلاقيته.

وعليه، فإن أفكار نصر حامد أبو زيد، وقد أنجزها من داخل ميدان تحليله للنص في حقل اللغة، إلا أنه يلتقي مع ما وصلت إليه فلسفة التاريخ الحديثة في تجاوزها لفلسفة التاريخ التقليدية، بفضل الجهود المنجزة في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، حيث صارت بعض فروعهما فروعًا في الفلسفة. ووفقًا لهما، قد أصبح الفعل الإنساني التلقائي والعفوي لا يحتاج إلى شرائع دينية من خارج الفعل الاجتماعي الإنساني؛ لأن الفرد الاجتماعي قد أصبح أخلاقيًا وعقلانيًا، وبالتالي يصبح فعله نحو الآخر نتاجًا لعقلانيته وأخلاقه التي تجعله يؤكد على حرية الآخر، وكذلك أنه متساوٍ مع الآخرين فيما يتعلق بالحق في الحقوق.

أبو زيد، بانطلاقه من تاريخية النص القرآني، وأنه نص نتاج ثقافة وتاريخ المجتمع العربي في ذلك الزمان، يصل لما وصل إليه كثير من الفلاسفة المعاصرين إلى فكرة تاريخية الإنسانية؛ أي أن الإنسان تاريخي. وهذا نتاج التحول الهائل في المفاهيم الناتجة من تجربة الإصلاح الديني والوصول إلى فكر فلاسفة عصر الأنوار، متخطيًا عصور الظلام التي يرزح تحتها خطاب الإسلاميين، أسير فكر الإمام الشافعي وكذلك فكر الإمام الغزالي.

لكي نوضح فكرة العقلانية والأخلاق التي تحدث عنها أبو زيد وانفصالها عن التشريع في فكر الإمام الشافعي والإمام الغزالي، نطرحها وهي واضحة بشكل كامل في فكر عالم الاجتماع ماكس فيبر، في حديثه عن دور الأخلاق البروتستانتية في عقلانية الرأسمالية، ومقارنته بين تقشف البروتستانت الذي أدى إلى نجاح الرأسمالية واتصافها بالعقلانية، وبين شهوة السلطة وسطوة الاستبداد عند رجال الدين الإسلامي.

ونطلب من القارئ أن يراجعها في مسيرة حكم الكيزان للسودان خلال ثلاثة عقود، غاب فيها البعد العقلاني والأخلاقي عن تشريعاتهم؛ لأن الكيزان تجسيد لفصل العقلاني والأخلاقي عن التشريعي، وكله بسبب سيرهم خلف خطاب النقل والعقل الذي كرّسه كل من الإمام الشافعي والإمام الغزالي، كما وضحه أبو زيد في فكره المذكور في أعلى المقال.

وهنا مهم جدًا ملاحظة النزعة الإنسانية في فكر أبي زيد، وتتركز في تاريخية النص باعتبار النص القرآني نزل في سياق تاريخي وثقافي محدد، وتفاعل مع الواقع البشري. وكذلك تتجلى نزعته الإنسانية في الفصل بين الدين والفكر الديني؛ أي التمييز بين النص الإلهي الثابت وبين الفكر البشري المتغير في فهمه وتأويله، وكذلك قراءته للنص بأدوات اللسانيات وعلم التأويل لجعل الإنسان فاعلًا أساسيًا في استنطاق المعاني.

لذلك قلت إن أبا زيد، عبر منهجه، وصل لما وصل إليه فلاسفة أوروبا؛ أي أن مفهوم الدين عنده مفهوم تاريخي، وكذلك وصل إلى أن مفهوم الإنسانية تاريخي، وأيضًا أن مفهوم الإنسان تاريخي. وهذا مهم جدًا ملاحظته، ويجب نقله كمنهج ليساعد على إزالة الكساد الفكري وسط النخب السودانية التي ظلت على الدوام معادية لفكرة النزعة الإنسانية.

وأخيرًا، وجب التذكير بأن نصر حامد أبو زيد يلتقي مع سبينوزا في قراءة النص الديني حسب ظروفه اللغوية والتاريخية، وهو ما قاربه أبو زيد واعتباره للنص القرآني منتجًا ثقافيًا تفاعل مع الواقع العربي لحظة نزوله. وعليه، يمكن ملاحظة التقاء كل من سبينوزا وأبي زيد في التفريق بين ثبات النص الإلهي وبين التفسيرات البشرية المتغيرة عبر التاريخ.

اعتمد أبو زيد على السيمياء والبنيوية لتفكيك البنية اللغوية للخطاب الديني. وهناك فرق في مفهوم الوحي بين سبينوزا ونصر حامد أبو زيد. فيما يتعلق بالوحي عند سبينوزا، فإن الوحي معرفة تخيلية تهدف إلى الطاعة السياسية، مصدرها العقل البشري المبتكر. أما أبو زيد فيرى أن الوحي نص لغوي وثقافي فاعل، ومطلق في مصدره الإلهي، لكنه خضع لشروط التشكل البشري واللغوي.

سبينوزا يقول إن الأنبياء تلقوا الوحي عبر المخيلة لا العقل؛ لأنهم يتميزون بخصوبة المخيلة وقوة الإيمان، وهدفه تنظيم مجتمعاتهم. لذلك يعتبر سبينوزا أن الوحي ليس معرفة نظرية أو فلسفية دقيقة، لكنه يهدف إلى غرس العدالة والطاعة والأخلاق لدى الشعوب.

أما أبو زيد، فينظر للقرآن باعتباره نصًا إلهيًا تحول إلى نص إنساني وثقافي بمجرد نزوله باللغة العربية وفي واقع تاريخي محدد. وهنا يمكننا تقديم ملاحظة، وهي أن كلام أبو زيد قريب من كلام سبينوزا في أن الأسفار المقدسة كُتبت بأقلام بشر، وليست نقلًا حرفيًا لكلام الله الصوتي.

الذي يهمنا في أمر مجتمعنا التقليدي السوداني، ويجب تجاوزه، هو سيطرة فكر رجال الدين الذي ما زال يستخدم الخوف لإخضاع الشعوب، بدلًا من العقل الذي يطلب الفهم والحرية، وهو نتاج فكر الفلاسفة الذي يؤسس لسياسة عاقلة وفي حدود مقدرات العقل البشري في فهمه لظاهرة المجتمع البشري. وهنا وجب أن نذكر فصل إيمانويل كانط للأنثروبولوجيا عن اللاهوت، كما فصل آدم سميث الاقتصاد عن الدين والفلسفة.

وكلها أفكار مهّدت لفصل الدين عن الدولة، وفتحت الطريق لأمثال توكفيل من بعدهم بأن يقول إن الدين هو أفق الرجاء للفرد، ويظل شأنًا فرديًا في تجربة العبد في علاقته بربه، في غياب وساطة رجال الدين. ويخلص إلى فكرة وهي أن الدولة وقيم الجمهورية والديمقراطية قد أصبحت بديلًا للفكر الديني، وفتحت الباب للعقل الجديد وأغلقت باب العقل القديم الذي لم يعد يعمل. ولفهم هذا القول، وجب الإلمام بفكر علماء الاجتماع والفلاسفة والأنثروبولوجيين الذين يخوضون في تاريخ الذهنيات وكيف يتم تجاوز العقل الجمعي الكاسد بعد كشف مخابئ تاريخ الخوف.

على ضوء ما سبق، ينكشف لنا خوف النخب السودانية؛ لأنها ما زالت لم تتجاوز مفازة تاريخ الخوف، ولهذا السبب نجدهم متصالحين مع عقل جمعي كاسد يقوده الفكر اللاهوتي الكيزاني. وللأسف، هناك من النخب السودانية من ليسوا بكيزان، إلا أنهم يخدمون العقل القديم ويقدمون فكرًا يؤسس لفكرة أن الفكر اللاهوتي الكيزاني هو أفق لا يمكن تجاوزه.

وهذا موقف خطير ومحزن، وخاصة في راهننا الآن؛ لأنه قد أصبح فيه لحظة انقلاب زمان، وهي حد فاصل بين عقل لاهوتي يتهاوى وأصبح آيلًا للسقوط، وعقل جديد لم تتضح ملامحه بعد في عالم عربي إسلامي تقليدي، ولكن تباشيره قد ظهرت وتحتاج لزمان، ربما يطول انتظار أفكاره لتحل محل العقل الجمعي الكاسد.

لهذا السبب نجد أن نصر حامد أبو زيد انتقد مشروع محمد شحرور ووصفه بأنه تلفيقي، وهذا وصف يشمل كثيرًا من النخب السودانية المحابية للفكر اللاهوتي الكيزاني. وهم ليسوا بكيزان، إلا أنهم أسرى عقل جمعي كاسد، في انتظار شخصية تاريخية تقفز متجاوزة للسياجات الدوغمائية بعد استيقاظها من سباتها الدوغمائي العميق، كما استيقظ كانط من سباته الدوغمائي العميق بعد فهمه لفلسفة الأخلاق عند آدم سميث، وكذلك فهمه لفلسفة ديفيد هيوم.

والمضحك أن كثيرًا من النخب السودانية اختاروا راحة البال تفاديًا لوجع الرأس الذي يجلبه الخوض في مشاريع نقدية هائلة تتجاوز العقل الجمعي الكاسد. لهذا السبب سادت أفكار الانصرافيين الساعين لتأبيد فكر تقليدي يقف بجانب التراث والدين والأمة، بدلًا من فكر يحرر النصوص من اللاهوت ويحرر العقول من قبضة النصوص.

والدليل على أنهم أقرب لفكر الكيزان التقليدي أنهم يحاولون النيل من فكر طه حسين بقولهم إنه قد تراجع عنه في كتاباته الأخيرة، وهذا غير صحيح، لكنها المحاولة لكي تخفف عنهم ضربته الموجعة لفكرهم الكاسد. وستستمر محاولات تغبيش الوعي في السودان وساحته الفكرية، متناسين أن العالم قد أصبح تراثه لكافة الإنسانية، ويستحيل أن ينتصر الظلام والفكر الظلامي على فكر عقل الأنوار، ويستحيل أن تنتصر أفكار اللاهوت على أفكار الحداثة، مهما قاومت، كما نجدها في مقاومة الثقافة العربية الإسلامية التقليدية للحداثة.

وبالمناسبة، هيمنة الفكر الكيزاني الآن، وهو في أنفاسه الأخيرة في السودان، تذكّرك بأن الفكر العابر والمؤقت يقاوم مقاومة شرسة، مثل الأسد الجريح، إلا أنه سيلفظ أنفاسه. تشبه تجربة الإسلاميين الخاسرة بفكرهم العابر والمؤقت تجربة النازيين والفاشيين والشيوعية كفكر عابر ومؤقت، إلا أنه كلّف العالم خسائر كبيرة في الحرب العالمية الثانية، وبعدها زال. أما الشيوعية، كفكر نتاج عقل قديم، فسقطت بعد ما يقارب الخمسة عقود من سقوط النازية والفاشية.

وهنا نقول للمحابين للفكر الكيزاني إنه فكر عابر ومؤقت، رغم تكلفته للشعب السوداني تكلفة كبيرة وفظيعة ومؤلمة، إلا أنه إلى زوال، كما زالت واختفت كل من الفاشية والنازية والشيوعية. ولا شك أن محاولة تجديد الفكر اللاهوتي المقاوم للحداثة محاولة خاسرة؛ لأنها تنشغل بطلاء حائط قديم بالطلاء بدلًا من هدمه وإقامة بناء جديد.

الفكر الجديد الذي يحل محل الفكر الكيزاني اللاهوتي يحتاج إلى زمن، كما احتاجت أوروبا إلى زمن ما بين الحربين العالميتين وبعدهما، وفارقت ظلال الفكر العابر والمؤقت، ودخلت في عالم حديث بعيدًا عن يقينيات ووثوقيات الفكر الكيزاني اللاهوتي.

فالعالم الآن فكره نتاج الشك وليس اليقين، كما يتوهم أسرى الفكر اللاهوتي، وعالمنا اليوم نتاج فكر النزعة الإنسانية التي يحاربها العقل الجمعي الكاسد في السودان. إلا أن السودان لم يعد جزيرة معزولة عن العالم ونزعته الإنسانية. فالقطيعة مع التراث الديني آتية، مهما اشتدت محاولة تجديد الفكر الديني المقاوم للحداثة. فتجربة العقل الإنساني قد قطعت شوطًا بعيدًا، ووصلت إلى أن الفعل الإنساني هو نتاج عقلانية الفرد وأخلاقه، ولا يحتاج إلى شرائع دينية تنظم المجتمع من خارجه. ويقول مارسيل غوشيه، وهو عالم اجتماع فرنسي، إن الدين قد أصبح اليوم في مستوى «دين الخروج من الدين»، ولم يعد للدين دور بنيوي على صُعد السياسة والاجتماع والاقتصاد. وهذا قدر استلافه من ماكس فيبر وقوله إننا في زمن زوال سحر العالم، أي زوال سطوة الفكر اللاهوتي، وبدلًا عنها قد سادت العقلانية. وفي غياب العقلانية الآن من ساحة الفكر السوداني، يسود الآن فكر أصحاب الصوت العالي الناتج من ضجيج العقل اللاهوتي في طرحه لمحاولات تجديد الفكر الديني، وهيهات.

الغريب أن نصر حامد أبو زيد وصف محمد شحرور بأنه تلفيقي، إلا أن أبا زيد نفسه لم ينجُ من وصفه بأنه تلفيقي وأصولي، بل يريد أن يحل مكان رجال الدين التقليديين؛ لأن مشروعه الفكري كله تمحور حول النص القرآني. نجد أن علي حرب قد وصف أبا زيد بأنه هو نفسه تلفيقي، إلا أن بعض النقاد قد لاحظوا أن نصر حامد أبو زيد قد حاول في سنواته الأخيرة أن يتقدم خطوة إلى الأمام، وهي أن النص القرآني يحمل خطابًا. وهنا يقولون إنه قد حاول أن يخرج من حيز الفكر الديني الذي وُصف بسببه بأنه تلفيقي، واقترب من حقول محمد أركون، وكان سينتظره مشوار طويل لكي يسير في طريق محمد أركون ليبعده من مواقع التلفيق الذي وُصف به.

وهنا تأتي أهمية لفت انتباه النخب السودانية إلى تلفيقهم البائن.

لهذا السبب تأتي وصيتنا والإصرار عليها، أي الاهتمام بفكر محمد أركون؛ فهو سبينوزا المسلمين. ففي خروج نصر حامد أبو زيد من النص الديني إلى أنه نص يحمل خطابًا، قد اقترب كثيرًا من مشروع محمد أركون.

وهنا يمكننا أن نضيف ملاحظة، وهي أن مشروع أبي زيد، رغم عظمته، إلا أنه لم يصل إلى مستوى مشروع محمد أركون، الذي يكاد يتطابق مع مشروع كانط النقدي، وخاصة فيما يتعلق بفصل الأنثروبولوجيا عن اللاهوت. ويظهر ذلك جليًا في الإسلاميات التطبيقية، التي تعتبر إبداعًا من إبداعات محمد أركون الفكرية، والتي إذا قارناها بجهود أبي زيد نجد أن جهود أبي زيد لم تغادر ساحة الإسلاميات الكلاسيكية لمسافة طويلة؛ لذلك وُصف، رغم عظمة مشروعه، بأنه تلفيقي.

ولختام هذا المقال، وجب أن نذكر رأي محمد أركون ونقده لخطاب نصر حامد أبو زيد. يرى محمد أركون أن نصر حامد أبو زيد، رغم شجاعته، إلا أنه ظل حبيسًا لآليات التفكير الإسلامي التقليدي، ولم يقطع معها جذريًا، بل إن خطاب أبي زيد، حسب أركون، في قراءته للنص القرآني، ظل حبيس الآليات الكلامية والأصولية نفسها، دون تفكيك جذري للحقل المعرفي التاريخي.

اعتبر محمد أركون أن استخدام أبي زيد للعلوم اللغوية والسيميائية كان جزئيًا ومحدودًا، ولم يصل إلى النقد اللساني الشامل الذي يفكك البنى العميقة للأسطورة والمقدس. أضاع أبو زيد زمنه في حوارات وسجالات مع المؤسسات الدينية التقليدية كالأزهر، مما قيّد أفق مشروعه ومنعه من الاندماج في أفق العلوم الإنسانية العالمية الواسعة. لم يتوسع نقد نصر حامد أبو زيد ليشمل الجذور الأنثروبولوجية العميقة للأديان الإبراهيمية وكيفية تشكل الفكر الدوغمائي عبر التاريخ البشري، بل ظل محصورًا في السياق العربي الإسلامي.

في نقد محمد أركون لمشروع أبي زيد، يتضح لنا موقع النخب السودانية الغائصة في وحل الفكر الديني، وأنهم قد عجزوا، بسبب التلفيق، عن الوصول إلى القطيعة مع التراث الديني التقليدي. ولهذا السبب جاءت محاولتهم محابية لخطاب ديني تقليدي، وفي أغلبها تلفيقية، لم تعرف الطريق إلى القطيعة مع التراث الديني التقليدي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..