مقالات وآراء

ارموا طوبة الجامعة العربية… فقد آن للسودان أن يسترد كرامته

حسن عبد الرضي

أحيانًا يكون أفضل رد على بعض البيانات ألا ترد عليها أصلًا. وأحيانًا يكون الرد الوحيد الذي يليق بها أن تأخذ الورقة، وتطويها بعناية، ثم تضعها في المكان الذي لا تُزعج فيه أحدًا: سلة المهملات.
وهذا، في تقديري، هو المكان الذي كان ينبغي أن ينتهي إليه بيان الأمين العام لجامعة الدول العربية بشأن مبادرة الحوار «البرهاني ـ الكيزاني».
ومن عجائب السياسة السودانية أن بعض قواها ما زالت تتعامل مع جامعة الدول العربية وكأنها مجلس حكماء السودان الأعلى، أو كأن على السودانيين، كلما تحدثت الجامعة، أن يقفوا احترامًا، ثم يقدموا لها كشف حساب عن أحوال بلدهم.
يا جماعة الخير: ارموا طوبة الجامعة العربية!
ليس لأننا نكره العرب، وإنما لأننا نريد أن نتوقف عن كراهية أنفسنا.
منذ عقود، قال المفكر السوداني الأستاذ محمود محمد طه كلامًا كان ينبغي أن يكون اليوم من أبجديات التفكير السياسي السوداني: الخروج من جامعة الدول العربية. ولم يكن ذلك خصومة مع العرب، ولا دعوة إلى قطع الصلات بالشعوب العربية، وإنما كان رفضًا لمشروع سياسي يخلط العروبة بالسياسة، والعرق بالهوية، والزعامة بالقداسة.
كان يرى، ببصيرة نافذة، أن السودان لا يحتاج إلى أن يستعير هويته من أحد، ولا أن ينتظر شهادة حسن سير وسلوك من مؤسسة إقليمية كي يعرف من هو.
السودان ليس عربيًا لأن أحدًا منحه ختمًا في جامعة الدول العربية، وليس إفريقيًا لأن أحدًا سمح له بذلك. السودان هو السودان.
وإذا كان لا بد أن نعرف موقعه في العالم، فما علينا إلا أن ننظر إلى الخريطة.
سنجد السودان في قلب إفريقيا.
أما جامعة الدول العربية، التي يفترض أنها عنوان «الوحدة العربية»، فقد أثبتت عبر عقود أن العرب يستطيعون الاجتماع حول طاولة واحدة، بشرط ألا يُطلب منهم أن يتفقوا على شيء!
تتنازع دولها على الحدود، وتتصارع على النفوذ، وتتحارب بالوكالة، وتستدعي القوى الأجنبية لحسم خلافاتها، ثم يجلس ممثلوها في المؤتمرات ليؤكدوا، بوجوه رسمية شديدة الجدية، حرصهم على «الوحدة العربية».
وحدة ماذا؟
وحدة البيانات؟
وحدة المؤتمرات؟
وحدة الصور الجماعية؟
أم وحدة التصفيق للزعيم؟
لقد نجحت الجامعة العربية، في أحسن الأحوال، في إثبات أن العرب يستطيعون أن يتفقوا على موعد الاجتماع، ثم يختلفوا في كل ما عدا ذلك.
ثم نأتي نحن السودانيين، بكل هذا الخراب الذي يحيط بنا، وبكل هذا التعقيد التاريخي والسياسي والاجتماعي، وننتظر منها أن تفهم السودان، وأن تشخص أزمته، وأن تحدد له طريق الخروج!
يا للعجب!
نحن لا نستورد فقط السلع والأفكار؛ يبدو أننا نستورد حتى العجز!
لقد قامت السياسة العربية الحديثة، في جانب كبير منها، على صناعة الأصنام السياسية: الزعيم لا يخطئ، والرئيس لا يُسأل، والقائد لا يُناقش، والجيش لا يُراجع، والحزب لا يُحاسب، والبيان الرسمي يصبح نصًا مقدسًا لا يجوز الاقتراب منه إلا بالوضوء البروتوكولي!
وهنا تكمن المسألة الأعمق.
إن تحرير الإنسان لا يبدأ بتغيير الحاكم وحده، وإنما يبدأ بتغيير العقل الذي يصنع من الحاكم إلهًا صغيرًا.
فالاستبداد ليس شخصًا يجلس في القصر.
الاستبداد عقلية.
قد يكون الجنرال مستبدًا، وقد يكون الشيخ مستبدًا، وقد يكون الحزب مستبدًا، وقد يكون المثقف مستبدًا، وقد تكون المؤسسة نفسها مستبدة حين تجعل نفسها فوق الإنسان.
ولهذا فإن المشكلة ليست في جامعة الدول العربية وحدها، وإنما في العقل السوداني الذي ما زال يبحث عن «الكبير» الذي يتكئ عليه، وعن الزعيم الذي يفكر نيابة عنه، وعن الجيش الذي يحميه من نفسه، وعن الدولة الأجنبية التي تنقذه، وعن المؤسسة الإقليمية التي تمنحه شرعية لا يستطيع أن يمنحها لنفسه.
وفي وعي كثير من النخب السودانية، تحولت الجامعة العربية إلى شيء أقرب إلى مقام سياسي مقدس.
تتحدث الجامعة، فنسارع إلى الرد.
تدين الجامعة، فنشرح.
تتوسط الجامعة، فنصفق.
تعلن موقفًا، فنكتب البيانات الطويلة للاعتراض عليها.
وكأن السودان طفل قاصر يحتاج إلى ولي أمر عربي!
وهذه هي المشكلة بالضبط.
يقول بيان قوى إعلان المبادئ السوداني إن بيان الأمين العام للجامعة العربية تجاهل طبيعة الحرب، ومنح سلطة الأمر الواقع وزنًا لا تستحقه، ولم يضع وقف إطلاق النار والكلفة الإنسانية في مركز اهتمامه.
حسنًا.
ولكن هناك سؤالًا يسبق كل هذه التفاصيل:
لماذا نخاطب الجامعة أصلًا؟
لماذا نرفع إليها احتجاجًا؟
لماذا نطلب منها أن تراجع موقفها؟
ولماذا نريد منها أن «تقف مع الشعب السوداني»؟
أليست هذه هي المشكلة نفسها؟
نحن لا نريد جامعة الدول العربية أن تقف مع البرهان، ولا نريدها أن تقف مع خصوم البرهان.
نريدها ببساطة أن تخرج من حياتنا السياسية.
لا نريد وصاية عربية على السودان، كما لا نريد وصاية عسكرية عليه.
السودان لا يحتاج إلى وصي عربي، ولا إلى جنرال يقرر نيابة عن شعبه، ولا إلى شيخ يفسر له كيف يعيش، ولا إلى حزب يحتكر الحقيقة، ولا إلى دولة أجنبية ترسم له مستقبله.
هذه هي الحرية التي لم نتعلمها بعد:
أن الإنسان غاية، لا وسيلة.
وأن الدولة خادمة للمجتمع، لا سيدًا عليه.
وأن القائد موظف عام، لا نصف إله.
وأن الوطن ليس ثكنة عسكرية.
وأن الدين ليس مؤسسة سياسية.
وأن الهوية ليست سوطًا نجلد به بعضنا بعضًا.
وليست القضية أننا نكره العرب.
بل ربما يكون من أصدق صور المحبة أن نرفض تقليد أخطائهم.
نحن نحترم الشعوب العربية، ونحب الثقافة العربية، ونعتز بما تركته العربية في وجدان السودان. لكن السودان بلد متعدد الجذور، وهذه ليست تهمة تحتاج إلى محامٍ، ولا عيبًا يحتاج إلى تبرير، وإنما هي ثروة إنسانية وحضارية.
أما السوداني الذي يقضي عمره في البحث عن عرق نقي، أو هوية نقية، أو انتماء نقي، فإنه يبحث عن شيء لا وجود له إلا في خيال العنصريين.
الإنسان السوداني ليس مشروعًا لإثبات أنه عربي.
وليس محتاجًا إلى جامعة أو دولة أو زعيم كي تمنحه شهادة الانتماء.
فأخرجوا من عبادة المؤسسة، أيًا كانت.
لأن جوهر القضية ليس الجامعة العربية وحدها.
جوهر القضية هو كل مؤسسة تجعل نفسها أكبر من الإنسان.
كل زعيم يطلب الطاعة بدل المسؤولية.
كل حزب يطلب الولاء بدل العقل.
كل دولة تتعامل مع مواطنيها كأنهم رعايا.
كل خطاب يحول الإنسان من صاحب حق إلى تابع ينتظر الإذن.
لذلك، لو كنت مكان قوى إعلان المبادئ، لما كتبت بيانًا طويلًا إلى الجامعة العربية.
كنت سأكتب سطرًا واحدًا فقط:
«السودان دولة مستقلة، وشعبه أدرى بمصيره.»
ثم أغلق الملف.
ليس احتقارًا لأحد.
بل احترامًا لأنفسنا.
فالذي يريد أن يكون حرًا لا يقضي عمره في شرح حريته للآخرين.
لقد دمرت الحرب مدننا، وقتلت أبناءنا، وشردت أهلنا، وأكلت الدولة من أطرافها.
لكن أخطر ما دمرته الحرب ليس المباني.
إنها دمرت فينا شيئًا أخطر: الثقة بالإنسان السوداني نفسه.
جعلتنا نبحث عن القائد المنقذ.
عن الجيش المنقذ.
عن الدولة الأجنبية المنقذة.
عن الجامعة العربية المنقذة.
عن أي شيء… إلا الإنسان السوداني.
وهنا ينبغي أن يبدأ الخروج الحقيقي من الأزمة.
ليس بالخروج من مؤسسة إقليمية فحسب، وإنما بالخروج من عقلية التبعية.
اتجهوا إلى إفريقيا.
ابنوا علاقاتكم على المصالح المشتركة.
قوّوا علاقات السودان بدول جواره.
استثمروا موقعه الجغرافي وتنوعه الثقافي والتاريخي.
اجعلوا السودان جسرًا بين إفريقيا والعالم، لا تابعًا لهذا المحور أو ذاك.
ولا تحاربوا الجامعة العربية، ولا تشتموها، ولا تهدروا وقتكم في معارك معها.
افعلوا ما هو أكثر هدوءًا… وأكثر إيلامًا:
توقفوا عن اعتبارها مهمة.
ارموا طوبتها.
ثم امضوا.
فقد آن للسودان أن يدخل العالم من بابه الواسع، لا من باب الوصاية.
آن للسوداني أن يدخل وطنه إنسانًا حرًا؛ لا تابعًا لزعيم، ولا أسيرًا لهوية، ولا مستجديًا اعترافًا من أحد.
فالسودان لا يحتاج إلى من يمنحه كرامته.
إنما يحتاج إلى أن يتوقف أبناؤه عن تسليمها للآخرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..