لشيوعى والكفر والايمان ( 2 )

أشرت فى مقالى السابق ، ربما بصورة غير مباشرة ، الى التناقض بين فهم الدين ، الذى يمثله الفقه الاسلامى بل وقبله المسيحى واليهودى ، وبين الفهم العلمى للحياة وتطورها ، بمافى ذلك لدى الماركسية . فانا ازعم ان ماركس وبرتراند رسل وداروين ، كان رايهم فى الدين ، بل والوجود الالآهى ، نابع عما يبثه ذلك الفهم وهذا ، ممايبدو متناقضا مع الدين . ولهذا سأحاول فى هذا المقال ان اورد بعض الآراء لعلماء محدثين فى شؤون الدين ، لاثبت ان الفهم الصحيح للدين واصوله وغاياته ، لايترك اى مجال لتناقض مع العلم . وكيف يكون هناك تناقض بين امرين آتيين من مصدر واحد !
نبدا أولا بالقول : ان المفاهيم المشوهة للاديان السماوية السابقة ، مثل القول بالثالوث ، او ان عمر العالم لايتجاوز الستة الآف سنة ، او ان هناك شعب اختاره الله ليؤمن ويدخل الجنة دون غيره من البشر ..الخ ، هى التى جعلت وتجعل اصحاب العقول المنطقية ، ولا اقول العلمية ، ترفض تلك الاديان اذا كان هذا ماتدعو له . بل وازعم انه لووصل الفهم الصحيح للدين وغاياته لهؤلاء لكان لهم رأى أخر . والدليل ان الشذرات التى وصلت لماركس من الدين الاسلامى جعلته يقول انه دين تقدمى ! وان داروين قد قال : انا لم اتحدث عن اصل الحياة ولكن عن تطورها ! وان برتراند رسل عندما سأل : ماذا تقول للرب يوم القيامة عن سبب عدم ايمانك ، رد : ” لعدم كفاية الادلة يارب !” . مثل هؤلاء الاشخاص كانوا ينتظرون الادلة ، ولكن هل سيقدمها من كان جل تركيزه على : هل يجوز مسح مقدمة الراس فقط أم لابد من مسحه جميعا؟!
لقد انشغل علماونا المتأخرون نسبيا عن فترة النبوة والخلفاءالراشدين بالتفاصيل ، وبما كان يطلبه الخلفاء اللاحقون من احاديث وامور تعضد حكمهم وتشغل عامة الناس عن امور الدنيا والحكم ، وسار المتأخرون على نفس النهج . وعندما جاء المتأخرون ” وخصوصا “المتأسلمون “بشقيهم ? الجهادى والمتمادى ، صار التركيز على الحكم ، الشق الجهادى بهدف اقامة شرع الله ودولة الخلافة ، والشق المتمادى بهدف التمكين ثم ” اللغفى !” ومن ثم ايضا ضاعت الغايات والاصول الحقيقية ، فما هى هذه الاصول .
بداية ايضا لاأدعى انى مكتشف هذه الاصول ، وان يكون لى فضل فهو فضل فهمها وجمعها ، ثم محاولة ايصالها الى من يريد على نهج “… بلغوا ..”. وأود ان انتهز هذه الفرصة لالفت انظاركم الى عالم فذ ، هو الاستاذ الدكتور سعد الدين الهلالى ، استاذ الفقه المقارن بجامعة الازهر . وكما ذكرت فى مقدمة احد الكتب : انه هو من غير فكرى ، ووضعه على قدميه بعد ان كان يقف على رأسه ، فى فهم الدين . لقد جعلتنى قراءته والاستماع اليه لا أخاف من الدين وانما احبه واستمتع باداء واجباته . واليكم غيضا من فيض ما يقول به هذا العلامة :
– الدين الاسلامى جاء لجميع البشر ، وهو يخاطب الانسانية جمعاء : ياايها الناس وليس يابنى اسرائيل . بل ان الله تعالى طلب من ابراهيم ان يدعو الناس ? وليس المؤمنين وحدهم ? الى الحج . وفى هذا توصل احد العارفين المحدثين د. عماد الدين بابكر ، مؤلف ” آذان الانعام ” الى ان الدعوة الى الحج هى موجهة الى جميع البشر، ليشاهدوا هناك كيف بدا الخلق ! وهذه قضية اخرى ليس هذا مكانها ، ولكنى اوردتها كدليل على امكانية الافهام المختلفة للنص، وليس ذلك محرما !
– أتى الدين منذ بدأ الخليقة وحتى الدين الخاتم ليخدم البشر وليس العكس . فالمولى -عز وجل ? مستغنيا عن صلاتنا وصيامنا ..الخ فالدنيا جميعها لاتساوى عنده جناح بعوضة . ولكنه جعل الهدف الاول من خلقنا هو اعمار الدنيا . قد يقول قائل الم يقل : ( وما خلقت الانس والجن الا ليعبدون ) .ولكن ماهى العبادة المقصودة . سيقولون من المعلوم انها الصلاة والصيام وحج البيت ..الخ . وليس هذا بخاطئ ولكن هذه العبادات ليست مقصودة لذاتها . وللدليل ، نذكر قول عمر عندما قالوا له ان فلانا منقطع للعبادة ، قال ومن يقوم بامره ، قالوا أخوه ،قال اخوه أفضل منه . وهو القائل ايضا ان السماء لاتمطر ذهبا ولا فضة . ونبينا عندما قيل له ان فلانه تؤدى واجباتها الدينيه على اكمل وجه ، فسال عن علاقتها بجيرانها ، فلما قالوا انها تشتم هذا وتاكل مال هذا ..الخ قال: هى من اهل النار !
– ان الايمان قرار فردى ” من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ” ، ولذلك فالحساب فردى. ولهذا ايضا فليس فى ديننا وسيط ، حتى الانبياء ” انما انت مذكر ، لست عليهم بمسيطر ” وعشرات الآيات من مثلها . وهو ? اى الايمان ? يمثل صلة مباشرة بين العبد والرب ، ولذلك فليس لاحد ان يحكم على ايمان احد : حديث الرسول مامعناه من وسم بها احدا ترتد اليه .
– كل يحاسب على قدر مااعطى من عقل . وهذه منتهى العدالة . ومن لم تصله الدعوة بطريقة مقنعة له ، فليس عليه . وفى هذا اذكر قصة حكاها الداعية ، عالم الجيولوجيا ، النجار قال :انه وجماعة من العلماء كانوا يعملون بالمنطقة الشرقية بالسعودية ، حيث القاعدة العسكرية الامريكية ، فقرروا الدعوة بين ضباط وجنود القاعدة . كانت النتيجة اسلام اعداد كبيرة ، قال له احدهم : لديكم هذا الدين الرائع ولكنكم كسالى ! الشاهد فى الامر ان الدعاة كانوا ذوى عقليات علمية عرفت كيف تصل الى عقول هؤلاء بمافى الدين وليس بغيره !
– ان الفقه هو فهم بشرى للنصوص قد يخطئ وقد يصيب : من اصاب له اجران ومن أخطأ له أجر . وقد لخص الامام الشافعى الحكم القاطع فى هذا الشأن بقوله : :”رأيى صواب يحتمل الخطأ ، ورأيك خطأ يحتمل الصواب ” ويقول استاذنا الهلالى ان لك ان تختار ما يريح قلبك من الفتاوى ، التى هى احكام بشرية ، واذا لم تجد استفت قلبك ، على قول الرسول (ص) . وهوهنا يدعونا ايضا لعدم النزول عند تخويف المتفيقهين ، فهم لن يغنوا عنك شيئا يوم الحساب . بل جدالك اقوى عندما تكون قد اخذت بقناعتك وفتوي قلبك !
واخيرا فان مثل هذا الفهم للدين لايمكن ان يتناقض مع العلم الذى هو من نفس المصدر الالهى . وقد توصل الى هذه الحقيقة الطبيب الفرنسى الكبير : موريس بوكاي فى كتابه ” التوراة والانجيل والقرآن … والعلم الحديث “. هذا الطبيب أسلم بعد ان شارك فى تشريح مومياء أحد الفراعنة ، فاكتشف انه مات غرقا ، لما علم بقصة القرآن عن الفرعون الذى تابع موسى وقومه الى داخل البحر فغرق ، وان هناك آية قرآنية تقول : “فاليوم ننجيك ببدنك لتكون اية …. “أعلن اسلامه . ثم درس القرآن لعشر سنوات وتوصل الى نتيجة ” انه درس القرآن فلم يجد آية واحدة تناقض العلم الحديث ، وعلى العكس وجد آيات تتطابق وتتفوق وتتنبأ ببعض ما توصل ويتوصل اليه العلم ” !
وأعود مرة أخرى فاقول : ان ماجاء به ماركس هو اضافة كبيرة فى أحد العلوم الانسانية ، اعتمد فيه على ماسبقه فى مجاله ،بمن فيهم علماء مسلمين مثل ابن خلدون . ولانه جاء فى وقت تقدمت فيه العلوم الطبيعية والانسانية بشكل عام ،فانه توصل الى نظرية تقول بان التاريخ ليس عبارة عن احداث متفرقة يصنعها افراد عباقرة ، وانما هناك قوانين تحكم سير التاريخ البشرى . والحقيقة ان اول من قال بمثل هذا هو عالمنا ? المسلم ? ابن خلدون . يقول الاستاذ حامد أحمد الطاهر فى تقديمه لكتاب “مقدمة ابن خلدون :” ويحسب لابن خلدون انه فارس الحلبة ، الذى جمع هاتيك الكتب ، ثم راح يتحدث عن التاريخ ، لا باعتباره حضارة تنشؤها أمة من الامم حتى تنحدر هذه الامة فى عصور الانحلال والسقوط ، ثم قيد ابن خلدون القوانين التى تحكم هذه التطورات فى ضوء تاريخ الامم السابقة . ”
ويقول ايضا :” وحاول ربط الحاضر بالماضى ، فما الحاضر الاابن شرعى للماضى ، حتى وصل الى ما اراده من نظرية العمران ، وتوضيح مبادئ الحضارة ، ومراحل الدولة ، بداية من النشاة ، ثم الازدهار ، ثم الانحلال ، ووضح العوامل المساعدة من العلوم والحرف وغيرها .”
ويقول ابن خلدون نفسه عن اسلوبه فى كتابة التاريخ : ” مفتديا بالمرام السهل من العويص ، داخلا من باب الاسباب على العموم الى الاخبار على الخصوص ، فاستوعب اسباب الخليقة استيعابا ، وأذلل من الحكم النافرة صعابا، فأعطى لحوادث الدول عللا واسبابا ، واصبح للحكمة صوانا وللتارخ جرابا “.
ويخلص ابن خلدون فى تلخيص اسلوبه فى كتابة التاريخ الى شئ لايختلف كثيرا عن المنهج الماركسى ، كما سنرى عندما نتعرض لتفاصيل المادية التاريخية وأسسها . يقول ابن خلدون : ” ومن الغلط الخفى فى التاريخ ، الذهول عن تبدل الاحوال فى الامم والاجيال بتبدل الاعصار ومرور الايام ، وهو داء شديد الخفاء ، اذ لايقع الا بعد احقاب متطاولة ، فلا يكاد يفطن له الآحاد من أهل الخليقة ، وذلك ان أحوال الامم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر ، انما هو اختلاف على الايام والازمنة وانتقال من حال الى حال ، وكما يكون ذلك فى الاشخاص والاوقات والامصار ، فكذلك يقع فى الآفاق والافكار والازمنة والدول ( سنة الله التى خلت فى عباده ) .
ابن خلدون نفسه أخذ من من قبله ، مسلمين وغير مسلمين ، وغير المسلمين اخذوا من الحضارة الاسلامية ، ولم يرفضوها لكونها اتت من بلاد الاسلام ، والمسلمون اخذوا من قبل ممن سبقهم من الامم ” الكافرة ” ، من الاغريق والرومان والفرس . وهكذا هى سنة الحياة . اقول مرة اخيرة ان فكر ماركس لايرفض ” لكفره ” وانما لخوف الذين يملكون من زوال ملكهم بسببه !!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..