مقالات وآراء

“كيزان فوبيا” قراءة في سيكولوجيا الهلع السياسي وأزمة الثقة لدى القوى المدنية السودانية

محمد صالح محمد
منذ سقوط نظام البشير في أبريل 2019 لم يبرز مصطلح في القاموس السياسي السوداني بقدر ما برز مصطلح “كيزان فوبيا”. هذا المفهوم الذي يتجاوز بكونه مجرد تصنيف سياسي لخصوم “الإسلام الحركي” تحول إلى عدسة تحليلية يرى من خلالها الشارع والقوى المدنية أي تحرك سياسي أو عسكري. لكن هل هذا “الخوف” هو حالة مرضية من التوجس غير المبرر أم أنه استجابة شرطية لواقع مرير استمر لثلاثة عقود؟
جذور المصطلح من السياسة إلى السيكولوجيا كلمة “كوز” (المفرد لكيزان) هي اللقب الشعبي لأعضاء الحركة الإسلامية في السودان. أما إلحاقها بكلمة “فوبيا” (الرهاب) فيعني بالضرورة وجود حالة من الذعر الجماعي تجاه عودتهم للمشهد. بالنسبة للقوى المدنية فإن “الكوز” ليس مجرد خصم سياسي يمكن التعايش معه في نظام ديمقراطي بل هو “كيان كلي القدرة” يمتلك مفاصل الدولة، الاقتصاد، والجيش وقادر على الارتداد على أي تحول ديمقراطي في أي لحظة.
هل القوى المدنية على حق؟ (المرافعات والواقع) للإجابة على هذا السؤال، يجب تفكيك بنية هذا الخوف وتحويله من شعور عاطفي إلى معطيات سياسية:
تجربة التمكين العميقة: لا يمكن لوم القوى المدنية على “الفوبيا” حين ننظر إلى إرث 30 عاماً من “التمكين”. لقد نجح نظام الإنقاذ في هندسة الدولة السودانية بحيث أصبحت مؤسساتها (خاصة الأمنية والعسكرية) تابعة تنظيماً للأيديولوجيا لا للوطن. هذا الواقع يجعل أي محاولة للإصلاح تصطدم بـ “الدولة الموازية” مما يبرر التوجس المدني من أي تقارب مع العسكر خشية أن يكونوا “واجهة” للنظام القديم.
السلوك السياسي “للحركة الإسلامية” بعد الثورة يرى أغلب المحللون أن خطاب الإسلاميين بعد 2019 لم يكن خطاب “مراجعة واعتذار” بل كان خطاب “ثورة مضادة” صريح. استخدام منصات التواصل الاجتماعي للتحشيد القبلي، واللعب على أوتار الهوية الدينية كلها عوامل عززت القناعة لدى المدنيين بأن “الفلول” لا يؤمنون باللعبة الديمقراطية بل ينتظرون لحظة الانقضاض.
الانقلابات والحروب: في الذاكرة القريبة يربط الكثير من المدنيين بين انقلاب 25 أكتوبر 2021 وبين “خلايا النظام القديم” داخل الجيش. ومع اندلاع حرب 15 أبريل تعمقت هذه الفوبيا؛ حيث يرى قطاع واسع من القوى المدنية أن النظام السابق هو “المستفيد الأكبر” والمحرك الفعلي لاستمرار الصراع للعودة إلى السلطة فوق الأنقاض.
مخاطر “الفوبيا” كاستراتيجية سياسية على الرغم من مشروعية التخوف إلا أن تحول “الكيزان فوبيا” إلى محرك وحيد للسياسة المدنية يحمل مخاطر جسيمة العجز عن البرامج البديلة: أحياناً تنشغل القوى المدنية بـ “شيطنة الخصم” لدرجة تنسى معها تقديم مشروع وطني مقنع مما يجعل خطابها رد فعل بدلاً من أن يكون فعلاً قيادياً. الإقصاء الشامل: قد تؤدي هذه الفوبيا إلى توسيع دائرة الاتهام لتشمل كل من يخالف الرأي المدني فيوصم بـ “الكوزنة” مما يفتت الجبهة العريضة المطالبة بالديمقراطية ويقوض فرص الحوار الوطني الشامل. الاستقطاب الحاد: تحويل الصراع من سياسي (حول البرامج) إلى وجودي (حول البقاء) يغلق أبواب الحلول السلمية ويجعل من الحرب الوسيلة الوحيدة لحسم النزاع.
بين الواقعية السياسية والهلع المعطل إن “كيزان فوبيا” لدى القوى المدنية السودانية ليست مرضاً ذهنياً بل هي انعكاس لتاريخ من القمع الممنهج. هي رد فعل لواقع لم تتفكك بنيته التحتية بعد. ومع ذلك فإن الاستمرار في “شرنقة الخوف” دون بناء مؤسسات مدنية قوية وخطاب سياسي يتجاوز “تصفية الحسابات” إلى “بناء الدولة” قد يؤدي إلى بقاء السودان في حلقة مفرغة. إن الحق في التوجس من عودة الشمولية هو جوهر الديمقراطية ولكن تحويل هذا التوجس إلى “شلل سياسي” هو ما يخدم مفارقةً أجندة النظام القديم نفسه.
إن الحل لا يكمن في إنكار الفوبيا بل في بناء دولة قانون تكون أقوى من أي تنظيم بحيث لا يعود “الكوز” أو غيره بعبعاً يهدد وجود الدولة بل مجرد رقم في معادلة سياسية يحكمها الصندوق والقانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..