مقالات وآراء

حزب الأمة بين التحديث والتوريث

دكتور الوليد آدم مادبو

في تاريخ الأمم لحظاتٌ تتكثّف فيها الأسئلة الكبرى في كيانٍ واحد، فيغدو الحزب—لا بوصفه تنظيماً سياسياً فحسب—مرآةً لأزمةٍ أعمق تتعلق بطبيعة الدولة نفسها: كيف تُدار؟ ومن يملك حق تمثيلها؟ *وأيّ معنى يبقى للوطن حين تختلط فيه السلالة بالمؤسسة، والولاء الشخصي بالفكرة العامة؟* في هذا المعنى، يقف حزب الأمة اليوم على تخوم مفارقةٍ حادّة: بين إرثٍ وطنيٍّ أسهم في تشكيل الوعي السوداني منذ بواكيره، وبين واقعٍ مثقلٍ بصراعاتٍ داخلية أفرغت ذلك الإرث من محتواه المؤسسي.
لقد كان لمؤسسي الحزب، بقيادة السيد عبد الرحمن، فضلٌ لا يُنكر في رفد المسيرة الوطنية بمعاني الاستقلال والكيان، غير أنّ ما كان رافعةً في لحظة التأسيس تحوّل—بفعل الجمود وتغوّل العائلة—إلى قيدٍ في لحظة التحوّل. *فالحزب الذي وُلد كحركةٍ اجتماعية-سياسية جامعة، أضحى في حقبٍ متأخرة أقرب إلى “شركةٍ عائلية”* تتوارثها الأسماء قبل البرامج، وتتنازعها القرابات قبل الكفاءات.
ولعلّ المفارقة الأشد مرارة أنّ خطاب “التحديث” الذي رُفعه الصادق المهدي في وجه الجيل السابق، انقلب—حين استقرت له القيادة—إلى أداةٍ لإعادة إنتاج الوصاية ذاتها بصورةٍ أكثر إحكاماً. فالحملة التي استهدفت إقصاء العمومة وأبناء العمومة باسم التطوير، انتهت إلى إقصاء الكفاءات باسم الاستقرار، ليُفتح الطريق أمام توريثٍ مُقنّع لا يستند إلى شروط التوريث التاريخي ولا إلى مقتضيات التحديث المؤسسي.
إنّ *التوريث*، في سياقاته التقليدية، لم يكن يوماً مجرّد نقلٍ للسلطة بالدم، بل كان—في أفضل صوره—مشروطاً بحدٍ أدنى من الكفاءة الأخلاقية والفكرية، وبسياقٍ اجتماعي يمنحه شرعيةً ضمنية. أمّا *حين يتحوّل إلى استحقاقٍ بيولوجيٍّ محض، فإنه لا يُنتج سوى بنوةٍ فاشلة تُصاغ في ظلّ “أبوةٍ طاغية” تُربّي أبناءها على تمجيد الزعيم أكثر مما تُحفّزهم على بناء ذواتهم* الخاملة. وفي غياب الصلة بين الجهد والرزق، تتآكل خصائص المروءة، ويحلّ محلّها منطق الاستحقاق المجاني الذي يجرّد السياسة من معناها الأخلاقي.

 

على الضفة الأخرى، فإنّ *التحديث ليس شعاراً يُرفع، بل بنيةٌ تُبنى: كفاءةٌ مهنية، مؤسساتٌ فاعلة، وإيمانٌ راسخ بالديمقراطية الداخلية*. وهذه الشروط، في مجملها، ظلّت بعيدةً عن جسد الحزب، لا سيما منذ ما بعد 2009، حين بدا أنّ القيادة قد فقدت ثقتها في قواعدها، وآثرت الارتهان لتحالفاتٍ مركزية—خاصة مع النخب الإنقاذية—على أمل كبح تمدّد الريف السوداني ومنع تحوّله إلى قوةٍ سياسيةٍ صاعدة. لكنّ تلك المقاربة لم تُنتج سوى نتيجةٍ عكسية: فقدان القدرة على “الوكالة الناعمة” في مخاطبة الهامش، ثم العجز الكامل حين انتقل الصراع إلى أدواته الخشنة.
ومع اندلاع الحرب، انكشفت الأزمة الأخلاقية بأوضح صورها: إذ *لم تجد بعض القيادات بُدّاً من الاصطفاف مع المركز، أو الصمت حيال انتهاكاته*، بما في ذلك استهداف المدنيين في الأسواق والفُرْقان والمرافق الحيوية. وهنا لم يعد الخلاف داخل الحزب خلافاً تنظيمياً أو حتى سياسياً، بل غدا خلافاً في جوهر القيم: بين من يرى السياسة التزاماً أخلاقياً، ومن يراها فرصةً للاستثمار في زمنٍ مضطرب.
في هذه اللحظة المفصلية، برزت خطوة *الجنرال فضل الله برمة* بوصفها محاولةً لكسر هذا الجمود، حين *أعلن أنّ “الأمانة يجب أن تُردّ إلى أهلها”—وأهلها هنا ليسوا أفراداً ولا أسرة، بل جموع المواطنين في غرب السودان والنيل الأبيض والنيل الأزرق* وفي كافة أنحاء الوطن. بإعلانه تأييد تجمع السودان التأسيسي، فتح نافذةً لإعادة تعريف موقع الحزب داخل المعادلة الوطنية. غير أنّ المشهد داخل الحزب لا يزال متشظياً: قياداتٌ تتنازع بين حنينٍ إلى الماضي وعجزٍ عن تخيّل المستقبل، وفئةٌ انتهازية وصولية—لا صلة لها بتاريخ الحزب ولا بخارطته الاجتماعية—تسعى إلى توظيفه ضمن الرؤى المركزية للصراع (جيش/مليشيا)، مستثمرةً الفراغ الدستوري لصالح ما يُسمّى بـ“الخط التوافقي” الذي ترعاه بعض قوى الإقليم.
ومن هنا، فإنّ *التحدي لا يكمن في الموقف من المبادرات الإقليمية بحد ذاتها، بل في كيفية التعاطي معها*: هل يُدار الحزب كجسمٍ مؤسسي يخاطب هذه المبادرات عبر قنواته الشرعية، أم كمنصةٍ تُستغلّ عبر صفقاتٍ جزئية تُضعف المجموع وتُظهره بمظهرٍ غير مبدئي؟ إنّ مسؤولية القيادة—وفي مقدمتها الجنرال—أن تُحصّن هذا المسار من التفكك، وأن تُخضعه لقاعدة الشفافية والتفويض المؤسسي، لا لمنطق الاستفراد والاصطفاف الانتقائي.
لقد تجاوز الخلاف داخل حزب الأمة حدوده التنظيمية ليصبح خلافاً أخلاقياً صرفاً: بين *مجموعةٍ منهزمة ترى في اللحظة الراهنة فرصةً للارتزاق السياسي، ما يعني مقايضة المواقف بالفلوس*، وأخرى لا تزال تتمسّك بجوهر القيم الدينية والأخلاق السودانية والمعنى الحقيقي للمسؤولية الوطنية. ولهذه الأخيرة فقط يمكن القول إنّ التفريط في هذه اللحظة ليس خسارةً آنية، بل إضاعةٌ لفرصةٍ تاريخية يمكن أن تكون كفيلةً بإعادة وصل ما انقطع في المسيرة الوطنية.
إنّ المخرج من هذه الأزمة لا يكون بترقيع البنية القديمة، بل بإعادة تأسيسها على قواعد جديدة: *بناءٌ قاعديٌّ فدرالي، تُنتخب فيه قيادات الأقاليم من قواعدها، وتُوزن فيه السلطة وفق الكثافة السكانية*، وتُدار فيه المنافسة على القيادة بمعايير شفافة لا مكان فيها للوصاية أو الامتياز الوراثي. ذلك وحده كفيلٌ بأن يحوّل الحزب من إرثٍ متنازع عليه إلى مؤسسةٍ وطنية فاعلة.
وفي الخاتمة، لا بد من قول ما قد يبدو بديهياً لكنه مؤجل: إنّ الصادق المهدي، على ما له من أثرٍ في الحياة السياسية السودانية، لم ينجح في حسم معضلة الحزب بين التحديث والتوريث؛ *فلا هو أسّس لمؤسسةٍ حديثة مكتملة الأركان، ولا هو أقام نموذجاً متماسكاً للتوريث يملك شروط الاستمرار*. وبين هذين الإخفاقين، ظلّ الحزب معلقاً في منطقةٍ رمادية، يدفع ثمنها اليوم من رصيده الوطني ومن قدرته على البقاء.

‫6 تعليقات

  1. ١/-اقتباس:
    وفي الخاتمة، لا بد من قول ما قد يبدو بديهياً لكنه مؤجل: إنّ الصادق المهدي، على ما له من أثرٍ في الحياة السياسية السودانية، لم ينجح في حسم معضلة الحزب بين التحديث والتوريث؛ *فلا هو أسّس لمؤسسةٍ حديثة مكتملة الأركان، ولا هو أقام نموذجاً متماسكاً للتوريث يملك شروط الاستمرار*. وبين هذين الإخفاقين، ظلّ الحزب معلقاً في منطقةٍ رمادية، يدفع ثمنها اليوم من رصيده الوطني ومن قدرته على البقاء.
    ٢/- تعليق:-
    يا حبوب، مقال رائع جاء في وقت نسينا فيه حزب الأمة والذي خرج اسمه وتاريخه تماما من ذاكرة الملايين، وحقيقة الأمر انه انتهي وشبع موت، وهذه حقيقة لا جدال حولها، وكلنا يعرف ان الشيء الذي يموت محال ان يعود حيا من جديد، الصادق المهدي وقبل وفاته بسنوات تعمد عن قصد ان يخرب الحزب ويدمره، وعمل بالمثل المعروف “أنا ومن بعدي الطوفان “، ونجح نجاح باهر في خرابه من خلال استغلال سلطاته المطلقة وديكتاتوريته، وانفراد بالسلطة، وتعمده اغراق الحزب في مشاكل ومشاحنات بين الأعضاء.
    والغريب في الأمر، ان مبارك الفاضل المهدي – في غفلة من الجميع في الحزب وآل المهدي – رأيناه قد أصبح هو الرئيس علي الحزب!!، وهو الان يتكلم ويصرح باسم الأمة القومي بينما هو في نفس الوقت رئيس “حزب الأمة الإصلاح والتجديد” منذ عام ٢٠٠٠م!!
    لم يعد هناك خلاف ولا جدال حول موت الحزب الذي بدأ اقطاعي الهوية وانتهي نهاية مرة بسبب التناقضات والمشاكل العميقة فيه منذ عام ١٩٦٦، ومنذ زمن طويل لم يعد احد يسمع أخبار عن اللواء برمة ومريم الصادق والأخرين من أعضاء الحزب وآل المهدي أصحاب الحزب.
    نهاية هذا الحزب كانت متوقعة بدرجة كبيرة، لذلك لم يستغرب احد ان ينتهي ويزول.. و{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}.

    1. لا يا أستاذ بكري سردك فيه نوع من العصبية على الحزب ، ما هو حزب الامة ومن هم ثقل هذا الحزب ، الحزب عريق وضارب بجزوره في أعماق الأرض مثل شجرة التبلدي نسوها من السقيا وهي تقف وارفة تعطي ثمارها ، لا يمنع أن يتغير القيادة وتنبت الشجرة اوراقا جميلة بقيادات شبابية فاعلة إنشاء الله ، أقليم دارفور وأقليم كردفان ,والنيل الأزرق وشرق السودان وجزء من الشمالية دي العروق الرئيسية للشجرة وستظل حية انشاء الله وارفة وتحمل التبلدي لتسقي جيل المدنية الجديد من شباب الوطن الحي ، الحزب عريق وسيظل عريق هو حزب كل السودانيين والمهدية لن ينطفي نورها — لان بالمثل العامي الشباب شامين ريحة الحزب زي المحلب من حبوباتهم شوية هواء بارد يفوح المحلب ويغطي الدنيا — انشاء الله تشوف وتتفاجاء بشباب وتمثيل للحزب يفوق تصور كل ظن ظنيين — الأنوار قربت تظهر

  2. نعم صدقت يا أستاذنا مثل هذه الأحزاب لأن مصالحها ضيقة ومبنية على أوهام وقادتها بعيدين عن وقائع الحياة في السودان فالمؤكد أن تزول سريعاً ولا يبقى لها أثر فهي لم تترك معالم تدل على أنها كانت ذات يوم من الأيام سبحان الله هذا الحزب رغم أنه وصف نفسه بالقومية لم نرى له في القوم أثارة ولا إشارة ولا منارة ولا كتابة

  3. حزّب الامة عبارة عن أسرة المهدي اي شركة المهدي و ناجح اي شركة يعتمد علي مجلس إدارة الشركة في إدارة الشركة و لذلك ينجح حزّب الامة عندما يكون علي رأس الشركة المهدي رجال أقوياء مثل عبدالرحمن المهدي و صديق المهدي و الصادق المهدي يلعبون علي التحالفات القبلية المريضة مثل ما يفعل برمة الان ليس لهم أي فهم و طني استراتيجي همهم الاول و الاخير هي تظل القبائل العربية في دارفور و معهم القبائل العربية في تشاد و النيجر و مالي و أفريقيا الوسطى في تخلف حتي يتم استغلالها في الصراع علي السلطة من الطبقة الفاسدة في حزّب الامة متحالفة مع ابناء العمد و المشايخ مثل برمة وغيرها من الفاسدين لذلك حزب الامة في مثل حزب الوفد في مصر مات و شبع موت.
    الآن ابناء المهدي و مبارك المهدي تصرف عليهم الامارات وبرمة وحميدتي الإمارات و ليد مادبو تصرف عليه الإمارات هولاء هم عملاء الجيل جدد من حزب الامة.

  4. حزّب الامة عبارة عن أسرة المهدي اي شركة المهدي و ناجح اي شركة يعتمد علي مجلس إدارة الشركة في إدارة الشركة و لذلك ينجح حزّب الامة عندما يكون علي رأس الشركة المهدي رجال أقوياء مثل عبدالرحمن المهدي و صديق المهدي و الصادق المهدي يلعبون علي التحالفات القبلية المريضة مثل ما يفعل برمة الان ليس لهم أي فهم و طني استراتيجي همهم الاول و الاخير هي تظل القبائل العربية في دارفور و معهم القبائل العربية في تشاد و النيجر و مالي و أفريقيا الوسطى في تخلف حتي يتم استغلالها في الصراع علي السلطة من الطبقة الفاسدة في حزّب الامة متحالفة مع ابناء العمد و المشايخ مثل برمة وغيرها من الفاسدين لذلك حزب الامة في السودان مثل حزب الوفد في مصر مات و شبع موت.
    الآن ابناء المهدي و مبارك المهدي تصرف عليهم الامارات وبرمة وحميدتي الإمارات و ليد مادبو تصرف عليه الإمارات هولاء هم عملاء الجيل جدد من حزب الامة.

  5. حزب الأمة ما بتوب من الجنرالات ؟؟؟؟؟
    ما كفاية المصييبة العملها عبد الله خليل في السودان
    كمان لسه عندك ثقة في العجوز برمة ؟؟؟؟
    الصادق المهدي زعيم في عصره وقاد المعارضة ضد الحكومات العسكرية في السودان
    وليس ضروريا أن يكون أبناءه في مقامه
    المهم تستمر المواقف والبرامج التي تبناها الحزب
    حزب الأمة لمن لا يفهم هو صمام أمان ضد الإستعمار المصري للسودان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..