برلين 2026: أموالٌ بلا قرار… وسلامٌ مؤجَّل …

عروة علي موسى
بسم الله الرحمن الرحيم
حين انعقد مؤتمر برلين حول السودان أبريل 2026 لم يكن السؤال الحقيقي ماذا سيُقدَّم للسودان، بل ماذا تبقّى من السودان حتى يُنقذ، فالعالم الذي تأخر أعواماً قبل أن يجمع أوراقه عاد أخيراً لا ليوقف الحرب بل ليُحسن إدارة آثارها، ومنذ اللحظة الأولى بدا المشهد أقرب إلى اجتماعٍ للمانحين بلا طرفٍ مستلمٍ حقيقي، حيث غابت الأطراف التي تملك قرار الحرب والسلم وحضر أولئك الذين يملكون دفاتر الشيكات، لتبرز مفارقة صارخة مفادها أن من يملك المال لا يملك القرار ومن يملك القرار لم يُدعَ أصلاً، وعلى هذا الأساس جاءت المخرجات محمّلة بتعهدات مالية معتبرة موجهة للإغاثة والغذاء والخدمات، وهي في بعدها الإنساني ضرورة لا يُجادل فيها، غير أن السياسة لا تُقاس بحسن النوايا بل بقدرتها على تغيير الوقائع، وما قُدِّم في جوهره ليس سوى أوكسجين يطيل عمر الأزمة لا علاجاً ينهيها، فالمساعدات مهما تضخمت لا توقف رصاصة ولا تعيد نازحاً ولا تفرض هدنة على من يرون في الحرب طريقاً للبقاء، ويزداد المشهد اختلالاً حين يُعقد مؤتمر عن حرب دون أطرافها، فتتحول الدعوات إلى وقف إطلاق النار إلى مجرد خطابات أنيقة في فراغ سياسي لا يعترف إلا بميزان القوة، وهنا تتجلى الأزمة الحقيقية حيث لا يفتقر المجتمع الدولي إلى اللغة بل إلى الإرادة، ولا إلى المبادرات بل إلى أدوات الفرض، ويكتمل هذا القصور بأزمة شرعية معقدة حين ترفض السلطة القائمة التعامل مع المؤتمر وتصفه بالتدخل الخارجي، في مقابل مشاركة قوى مدنية لا تملك أدوات التنفيذ، فتتشكل صورة عبثية لسودانين على طاولة واحدة أحدهما غائب والآخر عاجز، وهي معادلة لا تنتج حلاً بل تعمّق الفجوة، ولا يمكن قراءة هذا كله بمعزل عن تجربة مؤتمر برلين حول السودان 2020 التي امتلأت وعوداً وتأخرت تنفيذاً وتآكلت ثقة، ليعود المشهد اليوم بظروف أشد قسوة وثقة أقل وأفق سياسي شبه معدوم، فتتحول المشكلة من حجم التعهدات إلى مصداقية المنظومة الدولية نفسها، إذ إن من يعجز عن فرض ممر إنساني آمن لا يُنتظر منه أن يفرض سلاماً، وبهذا المعنى فإن مؤتمر 2026 لم يُصمَّم لإنهاء الحرب بقدر ما صُمم لتخفيف كلفتها الأخلاقية على العالم، محاولة لإبقاء الأزمة ضمن حدود محتملة دولياً دون أن تنفلت أو تحرج الضمير العالمي، وهو ما يكشف بوضوح أن العالم لا يريد إنهاء الحرب بقدر ما يريد إدارتها، وفي ظل هذا التوازن المختل يبقى السودان رهينة معادلة قاسية لا سلام فيها بلا ضغط حقيقي ولا ضغط بلا كلفة ولا كلفة بلا إرادة، وهي الغائب الأكبر في برلين، وعليه فإن ما خرج من هذا المؤتمر ليس طريقاً إلى السلام بل تأجيلاً محكماً له إلى أجل غير معلوم.
عروة علي موسى




لم تتم دعوة طرفي الحرب بسب تعنت أحد الطرفين وهو معلوم. أما القرار غير المعلن فهو إجبار الطرفين على وقف الحرب؛ وذلك بتطبيق الفصل السابع لمجلس الأمن، أي لإرغام الطرفين على الانصياع لأمر وقف الحرب بالقوة.