مقالات وآراء

السودان بين فشل الدولة ووهم الشعوب المتناقضة

جون نيمنسو لادو تومبي

أثار المقالان اللذان كتبهما حسبو البيلي ومنعم أبستيم نقاشًا واسعًا حول طبيعة الأزمة السودانية، ليس فقط بسبب مواقفهما السياسية، وإنما لأنهما يقدمان تفسيرًا يتجاوز الحرب الراهنة إلى سؤال أكثر عمقًا يتعلق بجدوى الدولة السودانية نفسها.
فالخيط المشترك بين الطرحين هو أن السودان ليس أزمة حكم أو مؤسسات أو تنمية غير متوازنة، بل هو نتاج جمع شعوب مختلفة ومتناقضة داخل حدود سياسية واحدة. ووفق هذا التصور، فإن مجتمعات النهر ذات الامتداد الشمالي والوادي النيلي تختلف جذريًا عن مجتمعات الغرب ذات الامتداد الأفريقي، وأن الصراع الحالي ليس سوى التعبير الطبيعي عن هذا التناقض التاريخي.
ورغم ما يحمله هذا الطرح من جرأة فكرية، إلا أنه في جوهره لا يقدم حلًا للأزمة السودانية بقدر ما يعبر عن حالة من اليأس السياسي والفكري. فهو ينقل المسؤولية من فشل الدولة إلى طبيعة المجتمع نفسه، ومن إخفاق النخب الحاكمة إلى ما يشبه الحتمية التاريخية التي تجعل التعايش مستحيلًا.
لكن هل هذه هي الحقيقة فعلًا؟
إن أول مشكلة تواجه هذا الطرح هي افتراضه وجود كتل بشرية متجانسة ومغلقة. فهو يتحدث عن “مجتمعات النهر” وكأنها كتلة واحدة متفقة في الرؤية والمصالح والهوية، ويتحدث عن “مجتمعات الغرب” بالطريقة ذاتها. بينما الواقع السوداني أكثر تعقيدًا من هذه الصورة المبسطة.
فداخل كل إقليم توجد هويات متعددة، وثقافات متنوعة، ومصالح متباينة، وتحالفات وصراعات لا تقل تعقيدًا عن الصراعات بين الأقاليم المختلفة. بل إن كثيرًا من النزاعات التي شهدها السودان عبر تاريخه كانت تدور داخل الأقاليم نفسها وبين مجموعات تشترك في الجغرافيا والثقافة أكثر مما تختلف.
ولذلك فإن اختزال السودان في شعبين متناقضين لا يساعد على فهم الأزمة، بل يعيد صياغتها في قالب أيديولوجي يفتقر إلى الدقة التاريخية والاجتماعية.
المشكلة الثانية أن هذا الخطاب يحول التنوع إلى سبب للأزمة، بينما تشير تجارب الأمم إلى أن التنوع في حد ذاته ليس مشكلة. فمعظم دول العالم الحديثة نشأت من جماعات مختلفة في اللغة والثقافة والدين والأصول العرقية. وما حدد نجاحها أو فشلها لم يكن درجة التشابه بين سكانها، وإنما طبيعة المؤسسات السياسية التي تنظم العلاقة بينهم.
لقد عاشت مجتمعات السودان المختلفة قرونًا من التبادل التجاري والتداخل السكاني والمصاهرة والحركة المستمرة عبر الأقاليم. ولم يكن الانتماء الجهوي أو الثقافي يومًا حاجزًا مطلقًا يمنع التواصل أو التعايش. بل إن الأزمة الحقيقية بدأت عندما فشلت الدولة في إدارة هذا التنوع بعدالة، وتحولت السلطة إلى أداة للهيمنة بدل أن تكون إطارًا للشراكة الوطنية.
إن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: هل شعوب السودان متشابهة أم مختلفة؟ وإنما: لماذا فشلت الدولة السودانية في بناء عقد سياسي يجعل الاختلاف مصدرًا للتكامل بدل أن يتحول إلى وقود للصراع؟

لقد شهد السودان، منذ الاستقلال، اختلالًا واضحًا في توزيع السلطة والثروة وفرص التنمية. وشعرت قطاعات واسعة من المواطنين بالتهميش والإقصاء. ومع تراكم الأزمات، تحولت المظالم السياسية والاقتصادية إلى خطابات هوياتية متشددة. لكن الخطأ الكبير هو الخلط بين نتائج الأزمة وأسبابها.
فالشعور بالتمييز والتهميش حقيقة لا يمكن إنكارها، لكن تفسيره على أنه دليل على استحالة التعايش يقفز فوق جوهر المشكلة. فالمشكلة ليست في وجود جماعات مختلفة، بل في غياب دولة عادلة قادرة على إدارة اختلافاتها.
والأخطر من ذلك أن خطاب “الشعوب المتناقضة” لا يملك في الحقيقة أفقًا نهائيًا. فإذا كان الاختلاف الثقافي أو الجهوي سببًا كافيًا لتفكيك الدول، فمن الذي سيمنع ظهور انقسامات جديدة داخل الكيانات الناتجة عن هذا التفكيك؟ وهل يمكن الادعاء بأن أي إقليم سوداني يمثل كتلة بشرية متجانسة لا تعرف التعدد أو التباين؟

إن المنطق الذي يبدأ بتقسيم الناس على أساس الاختلاف لا يملك نقطة واضحة يتوقف عندها. ولذلك فإن التجارب التاريخية تثبت أن الانقسام السياسي لا يزيل النزاعات بالضرورة، بل قد يعيد إنتاجها في صور جديدة.

لقد آن الأوان للاعتراف بأن السودان يواجه أزمة دولة أكثر مما يواجه أزمة مجتمع. فالتنوع الذي يُقدَّم اليوم بوصفه سببًا للفشل كان موجودًا دائمًا، لكن ما تغير هو قدرة الدولة على إدارته. وعندما تفشل المؤسسات، وتغيب العدالة، وتُحتكر السلطة والثروة، يصبح التنوع ساحة للصراع بدل أن يكون مصدرًا للثراء الوطني.
إن السودان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من النظريات التي تبرر الانقسام، بل إلى مشروع وطني جديد يعالج جذور الأزمة الحقيقية: غياب العدالة، وضعف المؤسسات، واختلال موازين التنمية والتمثيل السياسي.

فالدول لا تُبنى على التشابه الكامل بين مواطنيها، لأن هذا التشابه لا يوجد أصلًا في أي مجتمع بشري. وإنما تُبنى على اتفاق مواطنيها على قواعد عادلة للعيش المشترك، وعلى إيمانهم بأن حقوقهم لا تتحدد بأصولهم أو جهاتهم أو قبائلهم.
أما تحويل الحرب الحالية إلى دليل على استحالة السودان، فهو استنتاج متعجل وخطير. لأنه لا يقدم طريقًا للخروج من الأزمة، بل يحول الأزمة نفسها إلى قدر دائم.
السودان ليس وهمًا تاريخيًا، وليس سجنًا لشعوب متناقضة. السودان مشروع دولة تعثر طويلًا بسبب أخطاء السياسة وفشل النخب، لكنه لا يزال يملك فرصة إعادة التأسيس على أسس أكثر عدالة وشمولًا.
وهنا يكمن الفرق بين من يبحث عن مستقبل للسودان، ومن يكتفي بتفسير أسباب انهياره.
زيورخ – سويسرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..