مقالات وآراء

حين يصبح الصمت أبلغ من الرد: في شأن المدعو يس إبراهيم الترابي

حسن عبد الرضي

من الخطأ أحيانًا أن ننشغل بالرد على كل ما يُكتب في الفضاء العام؛ فليس كل كلامٍ جديرًا بالنقاش، ولا كل كاتبٍ يستحق أن يُرفع إلى مقام الجدل الفكري أو السياسي. فبعض الكتابات لا قيمة لها إلا بقدر ما نمنحها نحن من اهتمام. ولهذا فإن أول ما ينبغي قوله في شأن ما يكتبه المدعو يس إبراهيم الترابي هو أن الانشغال بنقده قد يكون خطأً في حد ذاته، لأنه يحقق له ما لا يستحقه: لفت الانتباه ورفع القامة القصيرة، وشدّها أطول قليلًا إلى مستوى الحوار العام.
فالرجل، في ما يكتب، لا يقدّم تحليلًا ولا رأيًا مستندًا إلى وقائع، بل يمارس نوعًا من الدعاية الرخيصة التي تهدف إلى شيء واحد: كسب المال عبر نقابةٍ جعلت منه بوقًا يهاجم ويحرّض، في استعداء مكشوف لسلطة الانقلاب وعسكرها على المعلمين والمعلمات، خصوصًا أولئك الذين يساندون مواقف لجنة المعلمين السودانيين المشرفة في قضايا التعليم والحقوق المهنية. وهي محاولة قديمة ومعروفة: تخويف الناس من السلطة حتى يخضعوا للرواية الرسمية، ويصمتوا عن المطالبة بحقوقهم.
لكن الحقيقة التي يتجاهلها أمثال هذا الكاتب هي أن المعلمين في السودان لم يعودوا ذلك الجسم الذي يمكن تضليله بالاتهامات الجاهزة أو الشعارات السياسية البالية. لقد جرّب المعلمون سنوات طويلة من الوعود الكاذبة والخطابات المضللة، حتى انكشف لهم زيف الكثير مما يُقال باسم الدولة أو باسم “الحرص على التعليم”.
إن محاولة تصوير إعلان صرف بعض المتأخرات وكأنه “مِنّة” أو “بشرى تاريخية” تكشف طبيعة العقلية التي تكتب مثل هذا الكلام. فالمرتبات المتأخرة ليست هبة من أحد، ولا تبرعًا من سلطة، بل هي حق أصيل للمعلمين الذين ظلوا يعملون في ظروف قاسية، وفي بلد تمزقه الحرب والانهيار الاقتصادي. ومن المؤسف أن يتحول هذا الحق إلى مادة للتطبيل السياسي.
أما الهجوم على لجنة المعلمين ومحاولة وصمها بالعمالة أو “اليسارية” أو غير ذلك من التهم الجاهزة، فليس سوى امتداد لخطاب قديم درجت عليه دوائر السلطة وأدواتها الإعلامية: شيطنة كل صوت مستقل، وتشويه كل من يطالب بإصلاح التعليم وكرامة المعلم. لكن هذه الحيلة فقدت تأثيرها منذ زمن، لأن المعلمين أنفسهم يعرفون من الذي وقف معهم في قضاياهم، ومن الذي كان مجرد بوق للسلطة.
واللافت في هذا النوع من المقالات أنه لا يناقش قضايا التعليم الحقيقية: انهيار البنية المدرسية، هجرة المعلمين، تدني الرواتب، توقف الدراسة بفعل الحرب، ومستقبل ملايين الأطفال خارج الفصول. بدلًا من ذلك ينشغل الكاتب بإطلاق الاتهامات والسباب، وكأن الأزمة التعليمية الكبرى في السودان سببها لجنة المعلمين، لا السياسات التي دمّرت الدولة ومؤسساتها على مدى عقود.
إن التعليم السوداني لم يتدهور بسبب المعلمين، بل بسبب الأنظمة التي حولت المدارس إلى ساحات للدعاية السياسية، وأفرغت المناهج من روح العلم، وأفقرت المعلم حتى أصبح عاجزًا عن العيش بكرامة. وهذه حقائق يعرفها كل من عاش تجربة التعليم في السودان خلال العقود الأخيرة.
ولهذا فإن أفضل ما يمكن فعله تجاه مثل هذه الكتابات هو وضعها في حجمها الطبيعي: مجرد محاولة يائسة لتلميع سلطة الأمر الواقع، وتشويه صوت المعلمين المستقلين. أما المعلمون والمعلمات في السودان فقد تجاوزوا هذه المرحلة منذ زمن. لقد أصبحوا أكثر وعيًا بحقوقهم، وأكثر قدرة على التمييز بين من يدافع عنهم ومن يحاول استخدامهم وقودًا للدعاية السياسية.
إن معركة التعليم في السودان أكبر بكثير من مقالات دعائية عابرة. إنها معركة كرامة مهنية، ومستقبل أجيال، وبناء وطن خرج مثقلًا بالحروب والخراب. وفي مثل هذه المعارك لا يصنع التاريخ أصحاب الأقلام المأجورة، بل يصنعه المعلمون الذين يصرّون على أن يبقى التعليم رسالة لا أداةً للسلطة.
ولهذا ربما يكون الصمت عن بعض الأصوات أبلغ من الرد عليها؛ فالتاريخ في نهاية المطاف لا يتذكر الضجيج، بل يتذكر المواقف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..