مقالات وآراء

السودان بين ذاكرة الخراب وحلم التأسيس

دكتور الوليد آدم مادبو

لا يمكن لأي تفكير جاد في مستقبل السودان أن يتجاهل الحقيقة الأولى: أن *الدولة السودانية لم تُبنَ يومًا على عقد اجتماعي عادل*، بل تأسست على نظام شبيه بنظام الفصل العنصري الذي انطلق من “شريط الأزمة”، الممتد من عطبرة إلى الجيلي. هناك حيث استوطنت مجموعات بشرية انبثقت عنها أقلية عقائدية احتكرت موارد البلاد الروحية والمادية، وشيّدت سلطة هرمية صارمة قائمة على الولاء والمحسوبية، أكثر منها على الانتماء الإثني والقبلي المباشر.

وعليه، فإن أي حديث عن “إصلاح” لا بد أن يبدأ من هذه البنية المختلة. الإصلاح الأمني والعدالة الانتقالية هما المدخلان الأساسيان، غير أن الحديث عن العدالة الانتقالية بالمعنى التقليدي يحجب جوهر الأزمة: *العنف البنيوي للدولة السودانية*. هذا العنف، الذي امتد زمانًا ومكانًا، طال مجموعات إثنية وجهوية وطبقية وجندرية بدرجات متفاوتة. فالمرأة الفقيرة جنوب الحزام، مثلًا، نالها من ظلم الدولة ما لم تنله نظيرتها في مناطق أخرى بحكم الموقع والخصائص الطبقية.

من هنا تبدو الحاجة إلى مفهوم *العدالة التاريخية*، كما طرحته الحركة الشعبية وتبنته “تأسيس”. هذا المفهوم يتجاوز الجانب السلوكي الفردي ليطال البنى الثقافية والفكرية، ويفرض إصلاحات جذرية في القضاء والتعليم والإعلام. فكيف نتوقع من نظام تعليمي يُمَجِّد تجار الرقيق ويصوّرهم كأبطال قوميين أن يخرج أجيالًا قادرة على رأب الصدع ورتق النسيج الاجتماعي؟ وكيف ننتظر من إعلام استبدادي أن يفسح المجال لروايات المقهورين؟

لكن العدالة التاريخية لا تُمارَس في الفراغ. هي *تحتاج إلى تزاوج بين النظم التقليدية والمؤسسات الحداثية*. تجربة جنوب أفريقيا في “الحقيقة والمصالحة” تُذكّرنا بإمكانية الاستفادة من النظم العشائرية في معالجة الانتهاكات، مع الإحالة في الوقت نفسه لكبار المجرمين إلى القضاء. هذا المزج هو ما يحتاجه السودان: قضاء يضرب بجذوره في التقاليد، لكنه يعلو بمعاييره إلى مستوى العدالة الكونية.

ولأن السياسة ليست حسابًا رياضيًا بل فنّ الممكن، فلا بد من استحضار المبدأ الفقهي القديم: *استجلاب المصلحة واستدفاع المفسدة*. إعفاء قادة عسكريين من الملاحقة مقابل إخراجهم نهائيًا من المعادلة السياسية قد يحقق مصلحة عليا تتجاوز الرغبة الطبيعية في القصاص. لكنه لا يمكن أن يُساوي بين من خطّط لإبادة جماعية ومن نفّذ أمرًا تحت قهر البندقية.

لكن *نجاح العدالة التاريخية مشروط بوجود مؤسسة عدلية وقوات نظامية جديدة*، وهنا ينهار مصطلح “الإصلاح”. إذ لا ذاكرة مؤسسية ولا عناصر حيوية يمكن البناء عليها. الحرب أثبتت الإفلاس الأخلاقي لجميع الأطراف المتحاربة دون استثناء، وكشفت أن الأمر يتطلب تأسيسًا جديدًا لمؤسسات حديثة، لا ترقيعًا لكيانات منهارة.

لقد أقصت الأنظمة العسكرية، وعلى رأسها الإنقاذ، الضباط من الأقاليم الغربية والشرقية بحيث أن بعضهم لم يتجاوز رتبة اللواء، بينما ظلت هيئة الأركان حكرًا على أبناء شريط جغرافي محدّد. *هكذا تجذّر الاستعلاء العرقي والتمييز العنصري*، فصار بعض القادة من المجموعات المستبعدة عملاء وسماسرة لا يتورعون عن قصف مدارس الأطفال في جبال النوبة أو ضرب الأسواق في الكومة بالسلاح الكيماوي. وقد انسلخوا عن هوية شعوبهم حتى صاروا أوفياء للمصلحة الذاتية أكثر من الإنتماء القومي.

بينما استغرقت جنوب أفريقيا ستة أعوام في تطوير نظمها المؤسسية باعتمادها نظام الكوتة الذي اقتضى تعديل النسب الجهوية والعرقية والقبلية داخل كل مستوى من المستويات، فإن تجربتي إثيوبيا أو يوغندا، قد تفتحا بابًا للتفكير في *بناء قوات شرطية وعسكرية من الصفر* تقوم على التمثيل العادل والتوازن الجهوي، لا على الولاء السياسي أو التمكين الأيديولوجي. وهنا يبرز مشروع “التأسيس” لا “الإصلاح”، كضرورة تاريخية.

ختامًا، الحرب السودانية لم تدمر فقط البنى التحتية والموارد، بل استهدفت الأعراض والمقدسات، وكادت تنجح في وأد “*روح الشعب*”. ومن رحم هذا الخراب، لا يولد الإصلاح، بل يولد التأسيس الجديد. تأسيس يزاوج بين العدالة التاريخية والإصلاح الأمني، ويعيد بناء المؤسسات على قيم الكفاءة والعدالة، لا على الامتيازات التاريخية. وحده هذا الطريق يمكن أن ينقذ مفهوم “الأمة السودانية” من التلاشي، ويمنحها فرصة ثانية للوجود.

[email protected]

‫9 تعليقات

  1. هناك أيضا التجربة الهندية في نظام الحصص أو الكوتة في التعليم و الوظائف و طبعا الرتب العسكرية حسب نسب الطبقات , حيث أن في الهند هناك ما يعرف بالطبقات و لكل طبقة حدود معينة ابتداءا من الاقع في طبقة المنبوذي صعودا ن الى البراهمة رجال الدين

  2. مبدأ العقد الإجتماعي الأساس لبناء شرعية الحكم ونهضة الأمة هو (التنازل) عن الغبن والحقد التاريخي الشخصي والفئوي لمصلحة الأمة…. جنوب أفريقيا وصلت إلي استئصال فصلها العنصري (بتضحيات) نلسون مانديلا ولك في قصته مع أحد زبانية سجانيه عبرة وعظة (وآية).. فقد دعاه لوجبة طعام وهو رئيس الدولة (مانديلا) في أحد المطاعم فتصبب عرقا وخوفا من هول التسامح فقد كان يتبول في راس مانديلا وفي قصعة شرابه عندما يطلب منه شربة ماء… فالعبرة بالتغيير والعظة بالخواتيم أما الآية (وإن عاقبتم فعاقبوا بَثل ماعوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين.. واصبر وماصبرك إلا بالله (ولاتك) في ضيق مما يمكرون) نفي النون من (تكن) هي عقد البلد الإجتماعي فهي تعني نفي (الأنا) و (نحن) و (أنتم)…. فكل أمة تبنى علي تضحيات قادتها… والسياسة يادكتور الوليد محركاتها العملية والجدلية تعتمد علي الكم (محسوبة) والكيف (مقرؤة ومتبئ بها)..

    1. و لكنك يا صاح قد نسيت أن مانديلا تنازل عن الغبن بعد أن تحققت المساواة و أصبح رئيسا و بالتالي اسمحوا لشخص من الهامش أن يصبح رئيسا ثم دعونا نحكم عليه . لا يمكن الحكم من بشر بظهر الغيب

  3. فخامة الدكتور الوليد مادبو جهزوا حالكم لحكم بلدكم دارفور،لان الانفصال قادم ولا راد له،شاء من شاء،وابي من ابي ،لنري كيف تحكمون بدون قبليه وجهويه، وبدون هامش ومركز .

    ، ربما تكون دارفور القدوة لبلاد النيلين إذا نجحتم في ادارة دارفور.

    عسي ولعل ان تصبح دارفور(كالفورنيا إفريقيا) )كما وعدتنا بذلك يا دكتور، خاصة وان دارفور بها كل مقومات الدولة المستقلة…

    .. رجاء خاص يا دكتور ،هو أن تكون مقالاتك المقبله عن كيفية حكم دارفور وانت الخبير في الحوكمه. ودع بلاد النيلين في حالها ..

    بلاد النيلين، لن يعجز اهلها التخلص من الكيزان وتفريغ الجيش ،والخدمة المدنيه منهم،( فهم كالسوس الذي ينخر ويهدم). ولن يعجزهم بناء دولة تعيد امجاد كنداكات وملوك بلاد النيلين.

    1. طالما أن الإنفصال هو مخطط صهيوني قديم ومعلن فلن نوافق عليه أبدا
      سودان موحد من أم دافوق إلي قرورة ومن حلفا إلي غابات وراء تركاكا

    1. مشاركة مسمومة كالعادة، غرضها اشاعة الاحباط ومزيد من التفرقة بين ابناء الوطن الواحد. لعن الله العاطلين عن التفكير

  4. الحرب أثبتت الإفلاس الأخلاقي لجميع الأطراف المتحاربة دون استثناء، وكشفت أن الأمر يتطلب تأسيسًا جديدًا لمؤسسات حديثة، لا ترقيعًا لكيانات منهارة….

    ما ظننتك تتفوه بمثل هذا الكلام ابدا ولكن ان تأتي متأخرا خير من الا تأتي ابدا. لعلك تعود إلى رشدك الان وتعترف بأن الطرفين مجرمين ولا خير في اي منهما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..