مقالات وآراء

الدولة الإسلامية وهم أيديولوجي يختبئ خلف المقدس

الدولة الاسلامية كما تصورها بعض تيارات الاسلام السياسي ليست في حقيقتها الا خلاصة قراءة ايديولوجية مغلقة للنصوص والموروث الديني تقرأ الدين كمنظومة سياسية شاملة وحيدة المصدر للحكم والتنظيم الاجتماعي. هذه القراءة وان ادعت انتسابها الى الاسلام فهي في الواقع امتداد لفكر سياسي استعمل البعد الديني كغطاء للهيمنة السلطوية والاحتكار السياسي فتحولت الدعوة الى سلطة والتقوى الى معيار للحكم وبوابة للاستئثار بالقرار. من هنا يصبح من الضروري التمييز بين الدين كايمان وممارسة روحية واخلاقية وبين الاسلاموية كايديولوجيا سياسية تسعى لصياغة دولة استئصالية باسم الدين.
الاسلاموية في صيغ كثيرة تقوم على اختزال صارم للدين الى نص حرفي واحد يحدد كل شيء من الحياة الخاصة الى العلاقات الدولية. هذا الاختزال ينتج عنه ثقافة سياسية توظف المقدس لاضفاء شرعية لا تمس على قرارات سياسية قد تكون عنيفة او انتقامية او استئصالية. ولان القوانين السياسية تتطلب مرونة في التفسير وتوازنا بين حقوق متضاربة فان قراءة النصوص على نحو اقصائي تقود حتما الى صدام مع الحداثة ومتطلبات المواطنة وحقوق الانسان.
التاريخ شاهد على ذلك. التجارب التي اتبعت مقولات مغلقة وضيقت على الحريات ووظفت السلطة باسم الدين لاخماد الاختلاف اعدمت معها الامكانية النقدية والاجتهادية التي تعطي الدين حيويته. عندما تستخدم الشعارات الدينية لتبرير العنف او لاحالة الآخر الى الاستثناء والحرمان من الكرامة تتحول الدعوة من مشروع تحريري الى مشروع اقصائي يولد الموت والتنكيل والتمزق المجتمعي.
الفرق هنا جوهري بين نقد الفكر الاسلاموي ونقد الدين الاسلامي. النقد الموجه للاسلاموية يستهدف مشروعا سياسيا محددا ويفضح ادواته وادعاءاته ومآلاته ولا يمس بالمسلمين كافراد ولا بالمكون الروحي الذي يربطهم. القول باسقاط الفكر الاسلاموي لا يعني عداء للاسلام كدين بل هو سعي لتحرير الدين من الاستغلال السياسي وبناء فضاء يتيح للمواطنين ممارسة معتقداتهم دون فرضها على الآخرين بالقوة او التكريس المؤسسي. هذا التمييز ضرورة اخلاقية وسياسية لان ربط المجتمع برؤية واحدة قسرية يقود دائما الى استبداد مموه باسم المقدس.
الاسلاميون بمدارسهم المختلفة كثيرا ما قدموا خطاب عزلة وعدائية تجاه الاختلاف الثقافي والسياسي. حين تتحول السياسة الى فعل استئصال وتفويض لعنجهية معرفية تتحول الدولة الى اداة قمع للفضاء العام بدل ان تكون مجالا لحماية الحقوق والاعتراف بالتعددية. كل تجربة تاريخية تدل على ان المؤسسة التي تعطى لنخبة دينية محددة الحق في اصدار احكام شاملة سرعان ما تغيب اصوات النساء والمختلفين وحملة القضايا المستحدثة وتفرض لغة هيمنة لا مكان فيها للمواطنة المتساوية.
إن الخلاص الحقيقي يمر عبر الايمان بان بناء مجتمع حر وعادل لا يتم بتعزيز خطاب فردي او استئصالي بل عبر ارساء مؤسسات مدنية قوية تحكم بقانون مدني متساو للجميع ولا تمكن احدا من احتكار التفسير او السلطة. هذه المؤسسات تقوم على فصل السلطات وقضاء مستقل وقوانين تحمي الحريات الاساسية حرية الاعتقاد والتعبير والتنظيم. في غياب هذه الحماية تتحول اي دعوة دينية الى اداة سياسية قابلة للاستخدام ضد الخصوم وتصفية الحسابات.
اضافة الى ذلك هناك بعد ثقافي وتربوي يجب التعامل معه. تعميم تربية مواطنة تعلم احترام الآخر وتنمي مهارات التفكير النقدي والاجتهاد وتبرز قيمة الاختلاف يعد مضادا حقيقيا للاحتكام الى الخطاب الاحادي. التعليم الذي يغذي قدرة الفرد على التساؤل والتأمل يحصن المجتمعات ضد السقوط في فخاخ الاستبداد الايديولوجي. كما ان دعم المجتمع المدني ومنظمات مستقلة واعلام حر يخلق مناخا يتصدى لهيمنة رواية واحدة.
ولا بد ايضا من معالجة الاسباب المادية والسياسية التي تغذي الاسلاموية مثل الفقر والظلم والاقصاء السياسي والفساد والاخفاق في تحقيق العدالة الاجتماعية.
حين توفر الدولة خدمات عادلة وتفتح ابواب المشاركة السياسية وتضمن فرص التعليم والعمل للجميع تتضاءل جاذبية الحلول المتطرفة التي تقدم نفسها كرد فعل على الاقصاء. لذلك فان اسقاط الفكر الاسلاموي يجب أن يكون مشروعا شاملا يشمل الاقتصاد والسياسة والتعليم والعدالة الاجتماعية.وحتى لا يلتبس الأمر ، فان الدعوة لاسقاط الفكر الاسلاموي ليست دعوة الى نبذ الدين ، بل هي دعوة لبناء نظام سياسي مدني يحمي الحريات ويمنع استغلال الدين لاهداف سلطوية ويتيح للمواطنين ممارسة شعائرهم بمعنى روحي وشخصي دون تحكم او استعلاء. الخلاص الحقيقي يبدأ بفصل السلطة عن المطلق الديني وتأسيس مؤسسات تحكم بالعدل والتعددية وتربية اجيال على الانفتاح والمسؤولية المدنية. بهذا فقط يمكن الجمع بين حفظ الرابطة الروحية لدى الناس وحماية الكرامة المشتركة لكل مواطن بعيدا عن وهم الدولة الدينية التي لم تقدم سوى الموت والتنكيل في تجارب عديدة عبر التاريخ.

‫2 تعليقات

  1. قيام أول دولة اسلامية في افريقيا هي دولة سنار السلطنة الزرقاء وكانت زات شان عظيم واغني دولة في افريقيا موتو بغيظكم يا علمانيين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..