
مقدمة
إن لحدث انتخابات عمدة مدينة نيويورك، التي جرت مؤخرا، مغزى عميق على صعيد الفكر الاشتراكي اذ اخذت تعاد، من قبل البعض، على نطاق عالمي واسع الدعوة للاشتراكية لمواجهة تحديات العصر الحديث: العلاقات العالمية المتسمة بتفاقم ازمة الرأسمالية العالمية والفوارق الطبقية واتساع التناقض بين البلدان المتقدمة والفقيرة. وهذا يعيد الجدال بين الاشتراكية كشيء يتنماه الناس ويرسم معالمها المفكرون والسياسيون وليس نظام اجتماعي/اقتصادي تؤدى الضرورة الاقتصادية لبروزه موضوعيا، أي الاختلاف بين مفاهيم ذاتية مجردة تسعى لتحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة وبين ان الاشتراكية ليست رؤية طوباوية ، بل حقيقة تاريخية قائمة على أسس مادية يحسمها تطور القوى المنتجة وصراع الطبقات في المجتمع.
لم يُنتخب زهران ممدانى عن الحزب الديمقراطي الأمريكي عمدة لمدينة نيويورك لأنه اشتراكي أو إسلامي؛ وهذا المقال يتناول توضيح هذه فكرة.
ان ممدانى أثار المشاعر التواقة للعدالة الاقتصادية بهدف التأثير على الناخبين وحشد دعمهم، وطرح نفسه على أنه من عامة شعب المدينة الذى يعانى ربعه (25%) من الفقر، وانه يقف ضد الأثرياء وتحقيق المساواة في المجتمع بأدوات اقتصادية تضامنا مع الطبقات التي تعانى من ظروف اقتصادية صعبة.
ان عدم المساواة والفقر ليست حالة تنجها أسباب ترجع لمجرد اختيارات سياسية بائسة، بل تعزى لعلاقات الإنتاج الرأسمالية الاستغلالية الراسخة في الولايات المتحدة الأمريكية. وان شعار الاشتراكية في حملة ممدانى لم يكن أكثر من “لافته” صار الحزب الديمقراطي في أشد الحاجة اليها لاستعادة ثقة أعضائه والمواطنين عامة الذين صاروا ينفرون بشكل كبير من سياساته التميزية المبنية على الهوية. ان نتائج انتخابات عمدة نيويورك غير عادية ولها علاقة بتحولات عميقة تحدث في الحزب الديمقراطي الأمريكي (أكبر الأحزاب في الولايات المتحدة الامريكية) قد تحدد مستقبله وما يمثله هذا على الدولة الرأسمالية الأعظم في العالم.
والمقال يحتوى على العناوين الفرعية التالية:
اشتركية الوعود الحالمة
الديناميكيات السياسية خلف اشتراكية الوعود الحالمة
الاشتراكية الديمقراطية من منظور نظري ماركسي
اشتركية الوعود الحالمة
انتخب في الرابع من نوفمبر زهران ممداني (Zohran Mamdani) ليصبح عمدة لمدينة نيويورك اكبر مدينة في الولايات المتحدة الامريكية؛ وجاء فوزه عن الحزب الديمقراطي الأمريكي بعد ان فاز، في يونيو2025، في الانتخابات الداخلية (التمهيدية) للحزب الديمقراطي الأمريكي للترشح لمنصب العمدة. ونشير الى ان مدينة نيويورك، التي جرت فيها انتخابات عمدتها هي واحدة من عدة مدن تقع في “مقاطعة نيويورك” التي تنقسم إلى خمسة أقاليم إقليم (boroughs)، وتضم المقاطعة عدة مدن وقرى ويحكمها حاكم بالانتخاب يتمتع ، بالطبع، بصلاحيات أوسع من عمدة المدينة.
ان الاهتمام، في الولايات المتحدة الامريكية وعالميا، بكل ما يجرى في مدينة نيويورك من أحداث مثل انتخاباتها المحلية ينبع من اعتبارها انها تمثل القلب المالي ليس للرأسمالية الامريكية فحسب، بل للعالم بأجمعه. فمدينة نيويورك التي تسمى العاصمة المالية للعالم، لتمركز مؤسسات مالية عملاقة فيها، بما في ذلك مراكز البنوك الاستثمارية العالمية، ودورها كمقر لأكبر البورصات في العالم: بورصة نيويورك (NYSE) وناسداك ( Nasdaq). ويجرى تعزيز مكانة المدينة ماليا من خلال دورها في الأسواق المالية الرئيسية مثل صناديق التحوط (Hedge funds) والعملات الأجنبية والأسهم الخاصة؛ وللمدينة تأثير كبير على السياسة الاقتصادية العالمية من خلال مؤسسات مثل بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك (Federal Reserve Bank of New York). هذا فضلا عن كونها مركزا تضطلع فيه المؤسسات المالية باستخدام مجموعة واسعة ومتطورة باستمرار من الأدوات المالية والائتمانية ( Financial and Credit Instruments)، وتفسح هذه الأدوات المجال لمجموعة واسعة من الوظائف ومن العمليات المصرفية الأساسية وإدارة المخاطر والخدمات المصرفية الاستثمارية وإدارة علاقات العملاء.
وعلى صعيد التركيبة الاجتماعية، فان سكان مدينة نيويورك يشكلون فسيفساء من الجنسيات المختلفة قل ان تجد تنوعها العرقي والديني والثقافي الكبير في مدينة أخرى. والفئات الرئيسية تتشكل من البيض الأمريكيين واللاتينيين والسود والآسيويين؛ ونسبة كبيرة من هؤلاء مولودون خارج الولايات المتحدة. كما تعد المدينة من أكبر المراكز لليهودية في الولايات المتحدة، وتضم مجتمعات كبيرة من اليهود والمسيحيين والمسلمين والأشخاص الذين لا يعتنقون أي ين.
وتنقسم المدينة الى ثلاث طبقات رئيسية، الطبقة العليا (البرجوازية) والمتوسطة (المهنين مثلا) والعمال )أصحاب العمل المأجور الذين يعملون في متاجر البيع بالتجزئة أو في مجال الخدمات). وكثير من أفراد الطبقة المتوسطة (المهنيين الماليين أو التقنيين أو الحكوميين) من غير المهنيين العاملين لحسابهم الخاص، هم موظفون بأجر – مع ملاحظة ان مناصبهم اكثر استقرارا وذات رواتب أفضل من المستوى العادي السائد للأجور. وتبلغ نسبة جميع العاملين من أصحاب الأجر حوالى حوالي 94٪ من جملة العاملين. وتبلغ نسبة الفقر (مقاسا بالإعفاءات الضريبية والمزايا غير النقدية ومستوى الدخل) في المدينة 25% من إجمالي سكان المدينة، وهو ما يعادل، تقريبا، ضعف المتوسط الوطني المقدر ب 13%.
في وجه كل التحديات التي تطرحها مدينة نيويورك، تقدم ممدانى لخوض انتخابات منصب عمدة المدينة بالرغم من انه لم يكن معروفا لمعظم المواطنين. ممدانى عمل كفنان في مجال موسيقى الراب “Hip-Hop musician”، كما كان لفترة قصيرة عضوا في مجلس جمعية ولاية نيويورك “New York State Assembly”). انطلاقا من شعارات في حملته : “الكرامة الاقتصادية للجميع” و”نيويورك للجميع وليست للأثرياء فقط”، قدم ممدانى لمواطني نيويورك وعودا كثيرة تشمل تجميد رفع الإيجارات وتقديم رعاية صحية كاملة مجانية للجميع وإدخال مجانية المواصلات وتخفيض أسعار المواد التموينية في محال السوبر ماركت التي سوف تديرها المدينة. كما يقترح ممدانى ان تمويل هذه المشاريع سيتم عبر فرض ضرائب تصاعدية على الشركات الكبرى والأثرياء، وهو ما يثير تساؤلات جمة حول أثر هذه السياسات على تنافسية المدينة خاصة ان ضرائب الأعمال في مدينة نيويورك هي ( بشكل عام) الأعلى في الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك أدلة كثيرة على أن كثير من الشركات مالت في السنوات الماضية لنقل أعمالها من نيويورك الى ولايات أخرى الضرائب فيها اقل نسبيا (tax friendly).
الديناميكيات السياسية خلف اشتراكية الوعود الحالمة
ان التحديات التي تطرحها مدينة نيويورك هائلة، وتنفيذ برنامج بهذه الطموحات يتطلب موارد ضخمة (بلايين الدولارات) وقدرة إدارية استثنائية. وهكذا، فان شعار ممدانى الاقتصادي المجرد، “الكرامة الاقتصادية للجميع”، سيصطدم بديناميكية اقتصادية رأسمالية راسخة في الواقع الأمريكي.
سوف نلجأ لاستعارة مقولة قشر البصل (peeling the onion) لفحص موضوع انتخاب ممدانى من كل جانب، وليس الاكتفاء بما يكشفه السطح، حتى نصل إلى جوهر هذه الظاهرة.
عندما ظهر ممدانى لخوض انتخابات عمدة مدينة نيويورك لم يكن معروفاً، كما مر ذكره. اختار ممدانى المنافسة في الانتخابات كمرشح للحزب الديمقراطي الأمريكي الذى جاء اليه من موقعه كعضو في حزب “الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون” -Democratic Socialists of America(DSA). وجدير أن قادة الحزب الديمقراطي الأمريكي، يعتبرون ان حزبهم “خيمة كبيرة” تقبل داخلها كل من ينشد العدالة والتغيير لصالح العاملين (ومن أبرز أعضاء حزب “الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون” الذين انضموا للحزب الديمقراطي المليونير المخبول بيرني ساندرز، وأوكاسيو كورتيز التي تتحدث عن السياسة والاشتراكية بشكل ساذج). لقد أصبحت “خيمة” الحزب الديمقراطي ملاذا لأحزاب البرجوازية الصغيرة “الاشتراكية” املا في أن اكتساب المناصب السياسية عبرها.
اختار ممدانى الترشح تحت مظلة الحزب الديمقراطي للاستفادة من البنية التحتية للحزب حيث يهيمن هذا الحزب على الساحة السياسية في نيويورك – كما يتيح الترشح كمرشح ديمقراطي كسب تايد الناخبين الأساسيين الذين ينتمون للحزب وأولئك الذين يتعاطفون مع الحزب. لكن الأهم، أراد ممدانى اغتنام الفرصة لطرح نفسه، من خلال النقاش الدائر في الحزب الديمقراطي، ضمن الاتجاه الصاعد الذى يدعى “التقدمية” مقابل الاتجاه الذى يشيرون اليه بال “المعتدل”. ان ممدانى أراد الانتماء إلى قيادة جديدة للحزب الديمقراطي تعمل على التجديد داخل الحزب الديمقراطي محل القيادة ألحالية التي فشلت تحت ضربات دونالد ترامب.
إن انتخابات عمدة مدينة نيويورك لا تنعزل عن مشهد الصراع المسيطر على الساحة السياسية بين الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، والذى ظل يدور حول تبوء السلطة لحماية المصالح المتضاربة للفئات الرأسمالية المختلفة التي يمثلانها؛ فانهما وجهان لعملة واحدة. فكلاهما يمثل الأولغاركية المالية الحاكمة. وخلال الثلاث عقود الأخيرة سادت صراعات حادة تدور داخل الحزبين وبينهما. ويعزى هذا الوضع للازمات التي يعانى منها الاقتصاد الأمريكي الذى أدى لتفاقم التناقض بين رأس المال والعمل المأجور الذي يؤججه نظام يركز أربعين في المائة من الثروة في يد واحد في المئة من السكان. وهذا يفسر الاحتجاجات الشعبية الواسعة خلال العام 2011 ( حركه احتلوا وول ستريت) وفى العام 2020 (المظاهرات والاضطرابات التي شهدتها بعض المدن الأمريكية). كان المحرك الاساس لتلك الاحتجاجات التذمر الجماهيري من الواقع السياسي والاجتماعي المنحاز للأولغاركية المالية الحاكمة المكونة من كبار المصرفيين والصناعين؛ مع ملاحظة أن اقتصار الاحتجاجات المذكورة على رفع شعارات متجذرة في سياسات الهوية مثل المظالم العرقية والعنصرية، ما هو الا ستارا يخفى الدوافع السياسية الحقيقية للحراك؛ ففي الولايات المتحدة الأمريكية فان العدالة الاجتماعية/الاقتصادية أمست المحور الرئيس الذى تواجهه الساحة السياسية.
ان الحزب الديمقراطي – الذى يتركز نشاطه الانتخابي تاريخيا نحو القطاعات الامريكية التي تنشد التغيير وفى طليعتها العمال والمكونات الاجتماعية الأخرى التي تعاني من سطوة الاوليغاركية المالية – اخذ خلال السنوات الأخيرة يعتمد على سياسات تحت مسميين منفصلين:
– (Diversity, Equity and inclusion “DEI”) – التنوع والشمول والإنصاف.
– و(Woke) – اليقظة.
اختصارا هذه السياسات تعتمد على “سياسات الهوية” التي تهدف الى تبديل القيم التقليدية السائدة في المجتمع والمرتبطة بجوانب الحياة الاجتماعية، لتشمل العديد من القضايا الاجتماعية مثل الوعى بالمظالم وخاصة التحيز العنصري والتمييز، وخلق ثقافة يشعر فيها الجميع بالاحترام والتقدير والشعور بالانتماء، بالاضافة لتحقيق الإنصاف الذى ينطوي على إزالة الحواجز المنهجية وتقديم دعم مخصص بناء على الاحتياجات الفردية لضمان فرص عادلة للجميع.
كذلك، شملت “سياسات الهوية” العبارة التي اطلقها الديمقراطيون : “ابق مستيقظا” وهى دعوة للمواطنين ان يكونوا متنبهين للتهديدات ذات الدوافع العنصرية وعدم المساواة الاجتماعية مثل عدم المساواة بين الجنسين وحقوق المثليين (زواج المثليين) وأشكال التمييز العرقية والعنصرية (الديمقراطيين يصفون العنصرية الموجود حاليا في أمريكا بالعنصرية البنيوية “Structural Racism” القائمة على قوانين جم كرو! “Jim Crow”).
بينما يحدث هذا على صعيد الحزب الديمقراطي، ظل الحزب الجمهوري -ككيان محافظ- يحصر معظم سياساته على المسائل الاقتصادية والمالية.
ومع ازدياد توسعه في “سياسات الهوية”، ظل الحزب الديمقراطي يفقد قواعده الانتخابية وخاصة العمال. فصار نشاط الحزب يتم في إطار من الشعبوية والفوضوية الداعية الى إذابة الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بدون طرح أي تصور للكيفية التي يتحقق بها هذا. أصبحت سياسات الديمقراطيين تحمل تصورات مجردة لا تحمل أي توجه سيأسى تقدمي حقيقي، وعاجزة (او بالأحرى لا تريد) عن مواجهة معاناة العمال نتيجة فقدان وظائفهم اثر تقلص الإنتاج الصناعي خلال العقود الأربعة الأخيرة، أو تقديم الحلول لمجابهة تقلص أجورهم الحقيقية التي أدى اليها التضخم المتفاقمة وتيرته في نفس الفترة. كما، ظلت القاعدة الانتخابية للحزب الجمهوري تتوسع باطراد نتيجة لرفض المواطنين ” لسياسيات الهوية” للحزب الديمقراطي لدرجة الاشمئزاز منها مثل “التحول الجنسي للأطفال” الذى يشمل قيام الاطباء بتحويل الطفل من جنس إلى آخر بالإخصاء الكيميائي والبتر الجراحي للأعضاء التناسلية، إضافة إلى تشجيع الاستعمال الواسع لأدوية تأخير البلوغ (Delayed Puberty)- وهو تأخير في بدء النمو الجنسي عن الوقت المتوقع له.
ان النفور المتزايد للمواطنين من سياسات الهوية للحزب الديمقراطي وخداع الحزب الجمهوري بادعائه الانحياز لقضايا العمال أدى الى فوز ترامب الكاسح انتخابات الرئاسة في 2024 الذى اربك التفاهمات والتوازنات بين الحزبين.
ومن الوقائع الجديرة بالاعتبار التي تبين ان الاشتراكية الديمقراطية لا تعنى شيئا للمواطنين :
** ان اغلب المواطنين الذين صوتوا في الانتخابات لممدانى من ذوى الاعمار الصغير. ولا توجد معلومات موثوقة تتعلق بتصويت العمال، ولكن هناك تقارير في وسائل الاعلام الدارجة تشير الى ان أغلبية العمال لم يعطوا اصواتهم لممدانى، ومن هذه التقارير ما جاء في مقال لوكالة الاسوشيتد برس في 5/11/2025:
(How Key Demographic groups voted)؛
ومقال في مجلة النيوز النيوزويك في 5/11:
(The Working Class didn’t Win it for Mamdani).
والعمال الامريكيون يعرفون جيدا ماذا تعنى وعود ممدانى حول مجانية الأشياء التي لا حد لها، فتجربة كراكاس ماثلة أمام اعينهم.
** في خطوة غير متوقعة فقد دعم ترامب المرشح الديمقراطي (اندرو كومو) وهو من الشخصيات القيادية في الحزب الديمقراطي والذى اختار ان يخوض انتخابات منصب عمدة نيويورك كمرشح مستقل بعد ان فشل في احراز ترشيح حزبه للمنصب في الانتخابات التمهيدية. وهذا يدل على ان اتحاد الحزبين مسألة تظل محتملة لمواجهة أية اخطار تواجه النظام الرأسمالي؛ فبالرغم من ان اتجاه “الاشتراكية الديمقراطي” المتنام داخل الحرب الديمقراطي، لا يشكل خطرا على سيادة الإنتاج الرأسمالي، الا أن الرسالة التي يرسلها مظهر أي تناغم بين الحزبين البرجوازيين موجهة الى التنظيمات الماركسية-اللينينية التي تنتشر كالبراعم داخل المجتمعات الامريكية (التي ساعد على انتشارها تفاقم التناقض بين رأس المال والعمل المأجور). والذى يؤكد هذا وصف الجمهوريين الديماغوجي المتكرر لممدانى بانه “ماركسي وشيوعي”.
المسخ “الاشتراكي الديمقراطي” في نيويورك (2-2)
محمود محمد ياسين
في هذا الجزء الثاني من المقال نقدم استعراضا مقتضبا (الغرض منه ان يكون أساسا نظريا للجزء الأول المتعلق بانتخابات بلدية نيويورك) للاشتراكية الديمقراطية التي يحاول البعض احياءها بعد أن دحضتها، في القرن التاسع عشر، المادية الجدلية التي أثبتت أن الاشتراكية حقيقة تاريخية قائمة على أسس مادية يحسمها تطور القوى المنتجة وصراع الطبقات في المجتمع.
الاشتراكية الديمقراطية من منظور نظري
ان “الاشتراكية الديمقراطية” قديمة ترجع جذورها الى القرن التاسع عشر وظلت تتطور شكليا بدون ان يتغير محتواها، وهى منذ نشأتها نبعت من معيار برجوازي صغير في نقد الأنظمة البرجوازية قام به المفكرون الذين يناصرون الطبقة العاملة ضد البرجوازية.
المثال الساطع للاشتراكية الديمقراطية في القرن التاسع عشر تمثله أحزاب منها ” جمعية فابيان-وابرز ممثليها جورج برنارد شو ” و “الاشتراكية التطورية” لإدوارد برنشتاين “والحزب الديمقراطي الاشتراكي”. اعتقدت هذه الأحزاب بان الاشتراكية يمكن تحقيقها تدريجيا من خلال الوسائل الديمقراطية والتشريعية.
ان الأساس الفلسفي للاشتراكية الديمقراطية هو التجريبية البراغماتية والفلسفة الوضعية التي ترى ان وعى الانسان يقوم على ادراك الظواهر المحسوسة وما داخلها وما بينها من علاقات. والوضعية التي يرجع تأسيسها لأوغست كونت في القرن التاسع عشر تطورت منذ أوائل القرن العشرين لما عرف بالوضعية الجديدة (neo-positivism) في شكل النقد التجريبي (empirio-criticism) في روسيا القديمة وفى “حلقة فيينا-” أو “مدرسة فيينا الوضعية” . وواصلت الوضعية الجديدة تطورها ما أدى الى ظهور مدارس عديدة اهمها الوضعية المنطقية ونظرية معرفتها القائلة بأن الظواهر المحسوسة يمكن التحقق من كنهها الحقيقي من خلال الملاحظة المباشرة أو الأدلة المنطقية. واطار التفكير النقدي لدى الوضعية يتم بالاستفادة من التقدم الهائل في المنطق (القائم على التفكير الاستقرائي “inductive” والاستدلالي “deductive”) ومناهج البحث النظرية والتجريبية المطبقة في مجال العلوم الطبيعية والرياضيات. والوضعية الجديدة تسعى الى وضع قوانين ونظريات، مبنية على المعرفة الوضعية الملتزمة بالطرق العلمية (scientific methods) لتفسير الظواهر الاجتماعية.
والمدارس المختلفة للوضعية الجديدة تعتبر نفسها “فوق” كل من المادية والمثالية ولكنها في الواقع ليست أكثر من فرق متنوعة من المثالية الذاتية؛ فهي تكتفى بالثبات عند حدود المظهر الخارجي للظواهر وتفسيره عن طريق نظرية المعرفة لديهم التي تمثل مجرد وسيلة أو أداة تستخدم في ضع نظريات بصورة مسبقة عن طريق الاستقراء والاستنتاج، اعتمادا على المنطق الشكلي، وكذلك، تتسم الوضعية بأنها لا تاريخية (ahistorical).
في القرن العشرين كانت للينين ريادة دحض الوضعية الجديدة فلسفيا وكشفها كفلسفة رجعية يدفعها عجزها عن تحد الوضع القائم (status quo)، والحفاظ عليه في نهاية المطاف. انجز لينين هذه المهمة في مؤلفه الفلسفي الشهير ” المادية والنقد التجريبي-1905″. وعلى الصعيد السياسي، بعد الحرب العالمية الأولى، أدت الثورة الروسية الى هزيمة الاشتراكية الديمقراطية بشكل ساحق وتأسيس دولة العمال الاشتراكية.
لكن تعزيز النظام العالمي الإمبريالي منذ القرن العشرين وتجديد الحياة في جسم الرأسمالية، اخذت الاشتراكية الديمقراطية في الانتشار نتيجة لتدنى حدة التناقضات الطبقية الملازمة للرأسمالية اثر تحولها النوعي. وبينما تمسك الشيوعيون بنهج كشف حقيقة الانتاج الرأسمالي وقوانينه الاستغلالية، فضل الاشتراكيون الديمقراطيون الإصلاح. ومنذ عشرينيات القرن العشرين إلى السبعينيات حازت الأحزاب ذات التوجه الاشتراكي الديمقراطي على السلطة في العديد من البلدان الغربية، مثل بريطانيا والسويد، وأجرت بعض الإصلاحات الاجتماعية والاعتماد على سياسيات كينزية (Keynesian policies) لمواجهة التقلبات الدورية للنظام الرأسمالي. وفى نهايات القرن العشرين بعد سقوط دولة الاتحاد السوفيتي، تخلت بعض الأحزاب الشيوعية عن أسس الماركسية واتجهت الى تعريف نفسها كتنظيمات اشتراكية ديمقراطية.
الاشتراكية الديمقراطية تحمل رؤى وتصورات ذاتية مثالية لما يجب ان يكون عليه الواقع الاجتماعي/الاقتصادي للتاريخ والاقتصاد. وتمثل الاشتراكية الديمقراطية، التي تعتبر فى عصرنا تيار إصلاحي داخل الرأسمالية، تيارات مختلفة صعدت، كما مر ذكره، للسلطة في بعض البلدان الاوربية الغربية. واما كمثال لها في البلدان النامية، فهناك “الاشتراكية العربية” و”الاشتراكية الافريقية” و”الأحزاب البعثية”. ورغم التفاوت في البيئات والمرحلة التاريخية، فان الافكار الاشتراكية الديمقراطية تشترك في ان مطالبها تتلخص في تحقيق عدالة اجتماعية ضمن النظام السائد بفكرة إمكانية إصلاحه بإجراءات وأدوات سياسية (الضرائب التصاعدية، الرفاه اجتماعي، حقوق العمال، الضمان الصحي والتعليمي الشامل، وليس بتغيير البنية الاقتصادية وعلاقات الإنتاج نفسها. لكن، ان أي تغيير، يسعى لتحقيق العدالة الاقتصادية في واقع اقتصادي رأسمالي او شبه رأسمالي (المتسبب بالضرورة في عدم المساواة)، لن يتجاوز مجرد إصلاحات محدودة لا أكثر.
في الولايات المتحدة الامريكية فان الاشتراكية الديمقراطية لها تاريخ طويل تمثل في ( الحزب الاشتراكي الأمريكي ( –Socialist Party of America—الذى اسس في العام 1901 وتم حله في 1972 . وفى 1982 تأسس تنظيم الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا (DSA).
بخلاف الاشتراكية الديمقراطية، فان الاشتراكية العلمية اثبتت ان تطور المجتمعات الإنسانية هو التطور المادي الفعلي للمجتمع، أي تطور قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج في ظل المجتمعات الطبقية، وليس الأفكار أو الأخلاق أو حسن القصد وهكذا فان الاشتراكية العلمية تقوم على أساس مادى يتلخص في ان الحقب الاجتماعية/الاقتصادية تاريخية تتبدل وتتغير بصورة دائمة في الشكل والمحتوى بفعل قوانين موضوعية. فالاشتراكية ضرورة تاريخية وليست فكرة أخلاقية مجردة، وتنبع من صراع التناقضات الطبقية في المجتمع؛ كمثال نجد في الرأسمالية ان الاشتراكية لا تتشكل من دوافع ذاتية من العدالة أو فعل الخير المجرد ، بل من صراع التناقض المادي بين الطابع الاجتماعي للإنتاج الذى يقوم به ملايين الناس والطابع الخاص للملكية حيث تذهب الثروة المنتجة لقلة من الرأسماليين. ان حل هذا التناقض في مجرى الصراع الطبقي يقود لقلب نظام الملكية لصالح الطابع الاجتماعي لوسائل الإنتاج.
محمود محمد ياسين
مقدمة
إن لحدث انتخابات عمدة مدينة نيويورك، التي جرت مؤخرا، مغزى عميق على صعيد الفكر الاشتراكي اذ اخذت تعاد، من قبل البعض، على نطاق عالمي واسع الدعوة للاشتراكية لمواجهة تحديات العصر الحديث: العلاقات العالمية المتسمة بتفاقم ازمة الرأسمالية العالمية والفوارق الطبقية واتساع التناقض بين البلدان المتقدمة والفقيرة. وهذا يعيد الجدال بين الاشتراكية كشيء يتنماه الناس ويرسم معالمها المفكرون والسياسيون وليس نظام اجتماعي/اقتصادي تؤدى الضرورة الاقتصادية لبروزه موضوعيا، أي الاختلاف بين مفاهيم ذاتية مجردة تسعى لتحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة وبين ان الاشتراكية ليست رؤية طوباوية ، بل حقيقة تاريخية قائمة على أسس مادية يحسمها تطور القوى المنتجة وصراع الطبقات في المجتمع.
لم يُنتخب زهران ممدانى عن الحزب الديمقراطي الأمريكي عمدة لمدينة نيويورك لأنه اشتراكي أو إسلامي؛ وهذا المقال يتناول توضيح هذه فكرة.
ان ممدانى أثار المشاعر التواقة للعدالة الاقتصادية بهدف التأثير على الناخبين وحشد دعمهم، وطرح نفسه على أنه من عامة شعب المدينة الذى يعانى ربعه (25%) من الفقر، وانه يقف ضد الأثرياء وتحقيق المساواة في المجتمع بأدوات اقتصادية تضامنا مع الطبقات التي تعانى من ظروف اقتصادية صعبة.
ان عدم المساواة والفقر ليست حالة تنجها أسباب ترجع لمجرد اختيارات سياسية بائسة، بل تعزى لعلاقات الإنتاج الرأسمالية الاستغلالية الراسخة في الولايات المتحدة الأمريكية. وان شعار الاشتراكية في حملة ممدانى لم يكن أكثر من “لافته” صار الحزب الديمقراطي في أشد الحاجة اليها لاستعادة ثقة أعضائه والمواطنين عامة الذين صاروا ينفرون بشكل كبير من سياساته التميزية المبنية على الهوية. ان نتائج انتخابات عمدة نيويورك غير عادية ولها علاقة بتحولات عميقة تحدث في الحزب الديمقراطي الأمريكي (أكبر الأحزاب في الولايات المتحدة الامريكية) قد تحدد مستقبله وما يمثله هذا على الدولة الرأسمالية الأعظم في العالم.
والمقال يحتوى على العناوين الفرعية التالية:
اشتركية الوعود الحالمة
الديناميكيات السياسية خلف اشتراكية الوعود الحالمة
الاشتراكية الديمقراطية من منظور نظري ماركسي
اشتركية الوعود الحالمة
انتخب في الرابع من نوفمبر زهران ممداني (Zohran Mamdani) ليصبح عمدة لمدينة نيويورك اكبر مدينة في الولايات المتحدة الامريكية؛ وجاء فوزه عن الحزب الديمقراطي الأمريكي بعد ان فاز، في يونيو2025، في الانتخابات الداخلية (التمهيدية) للحزب الديمقراطي الأمريكي للترشح لمنصب العمدة. ونشير الى ان مدينة نيويورك، التي جرت فيها انتخابات عمدتها هي واحدة من عدة مدن تقع في “مقاطعة نيويورك” التي تنقسم إلى خمسة أقاليم إقليم (boroughs)، وتضم المقاطعة عدة مدن وقرى ويحكمها حاكم بالانتخاب يتمتع ، بالطبع، بصلاحيات أوسع من عمدة المدينة.
ان الاهتمام، في الولايات المتحدة الامريكية وعالميا، بكل ما يجرى في مدينة نيويورك من أحداث مثل انتخاباتها المحلية ينبع من اعتبارها انها تمثل القلب المالي ليس للرأسمالية الامريكية فحسب، بل للعالم بأجمعه. فمدينة نيويورك التي تسمى العاصمة المالية للعالم، لتمركز مؤسسات مالية عملاقة فيها، بما في ذلك مراكز البنوك الاستثمارية العالمية، ودورها كمقر لأكبر البورصات في العالم: بورصة نيويورك (NYSE) وناسداك ( Nasdaq). ويجرى تعزيز مكانة المدينة ماليا من خلال دورها في الأسواق المالية الرئيسية مثل صناديق التحوط (Hedge funds) والعملات الأجنبية والأسهم الخاصة؛ وللمدينة تأثير كبير على السياسة الاقتصادية العالمية من خلال مؤسسات مثل بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك (Federal Reserve Bank of New York). هذا فضلا عن كونها مركزا تضطلع فيه المؤسسات المالية باستخدام مجموعة واسعة ومتطورة باستمرار من الأدوات المالية والائتمانية ( Financial and Credit Instruments)، وتفسح هذه الأدوات المجال لمجموعة واسعة من الوظائف ومن العمليات المصرفية الأساسية وإدارة المخاطر والخدمات المصرفية الاستثمارية وإدارة علاقات العملاء.
وعلى صعيد التركيبة الاجتماعية، فان سكان مدينة نيويورك يشكلون فسيفساء من الجنسيات المختلفة قل ان تجد تنوعها العرقي والديني والثقافي الكبير في مدينة أخرى. والفئات الرئيسية تتشكل من البيض الأمريكيين واللاتينيين والسود والآسيويين؛ ونسبة كبيرة من هؤلاء مولودون خارج الولايات المتحدة. كما تعد المدينة من أكبر المراكز لليهودية في الولايات المتحدة، وتضم مجتمعات كبيرة من اليهود والمسيحيين والمسلمين والأشخاص الذين لا يعتنقون أي ين.
وتنقسم المدينة الى ثلاث طبقات رئيسية، الطبقة العليا (البرجوازية) والمتوسطة (المهنين مثلا) والعمال )أصحاب العمل المأجور الذين يعملون في متاجر البيع بالتجزئة أو في مجال الخدمات). وكثير من أفراد الطبقة المتوسطة (المهنيين الماليين أو التقنيين أو الحكوميين) من غير المهنيين العاملين لحسابهم الخاص، هم موظفون بأجر – مع ملاحظة ان مناصبهم اكثر استقرارا وذات رواتب أفضل من المستوى العادي السائد للأجور. وتبلغ نسبة جميع العاملين من أصحاب الأجر حوالى حوالي 94٪ من جملة العاملين. وتبلغ نسبة الفقر (مقاسا بالإعفاءات الضريبية والمزايا غير النقدية ومستوى الدخل) في المدينة 25% من إجمالي سكان المدينة، وهو ما يعادل، تقريبا، ضعف المتوسط الوطني المقدر ب 13%.
في وجه كل التحديات التي تطرحها مدينة نيويورك، تقدم ممدانى لخوض انتخابات منصب عمدة المدينة بالرغم من انه لم يكن معروفا لمعظم المواطنين. ممدانى عمل كفنان في مجال موسيقى الراب “Hip-Hop musician”، كما كان لفترة قصيرة عضوا في مجلس جمعية ولاية نيويورك “New York State Assembly”). انطلاقا من شعارات في حملته : “الكرامة الاقتصادية للجميع” و”نيويورك للجميع وليست للأثرياء فقط”، قدم ممدانى لمواطني نيويورك وعودا كثيرة تشمل تجميد رفع الإيجارات وتقديم رعاية صحية كاملة مجانية للجميع وإدخال مجانية المواصلات وتخفيض أسعار المواد التموينية في محال السوبر ماركت التي سوف تديرها المدينة. كما يقترح ممدانى ان تمويل هذه المشاريع سيتم عبر فرض ضرائب تصاعدية على الشركات الكبرى والأثرياء، وهو ما يثير تساؤلات جمة حول أثر هذه السياسات على تنافسية المدينة خاصة ان ضرائب الأعمال في مدينة نيويورك هي ( بشكل عام) الأعلى في الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك أدلة كثيرة على أن كثير من الشركات مالت في السنوات الماضية لنقل أعمالها من نيويورك الى ولايات أخرى الضرائب فيها اقل نسبيا (tax friendly).
الديناميكيات السياسية خلف اشتراكية الوعود الحالمة
ان التحديات التي تطرحها مدينة نيويورك هائلة، وتنفيذ برنامج بهذه الطموحات يتطلب موارد ضخمة (بلايين الدولارات) وقدرة إدارية استثنائية. وهكذا، فان شعار ممدانى الاقتصادي المجرد، “الكرامة الاقتصادية للجميع”، سيصطدم بديناميكية اقتصادية رأسمالية راسخة في الواقع الأمريكي.
سوف نلجأ لاستعارة مقولة قشر البصل (peeling the onion) لفحص موضوع انتخاب ممدانى من كل جانب، وليس الاكتفاء بما يكشفه السطح، حتى نصل إلى جوهر هذه الظاهرة.
عندما ظهر ممدانى لخوض انتخابات عمدة مدينة نيويورك لم يكن معروفاً، كما مر ذكره. اختار ممدانى المنافسة في الانتخابات كمرشح للحزب الديمقراطي الأمريكي الذى جاء اليه من موقعه كعضو في حزب “الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون” -Democratic Socialists of America(DSA). وجدير أن قادة الحزب الديمقراطي الأمريكي، يعتبرون ان حزبهم “خيمة كبيرة” تقبل داخلها كل من ينشد العدالة والتغيير لصالح العاملين (ومن أبرز أعضاء حزب “الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون” الذين انضموا للحزب الديمقراطي المليونير المخبول بيرني ساندرز، وأوكاسيو كورتيز التي تتحدث عن السياسة والاشتراكية بشكل ساذج). لقد أصبحت “خيمة” الحزب الديمقراطي ملاذا لأحزاب البرجوازية الصغيرة “الاشتراكية” املا في أن اكتساب المناصب السياسية عبرها.
اختار ممدانى الترشح تحت مظلة الحزب الديمقراطي للاستفادة من البنية التحتية للحزب حيث يهيمن هذا الحزب على الساحة السياسية في نيويورك – كما يتيح الترشح كمرشح ديمقراطي كسب تايد الناخبين الأساسيين الذين ينتمون للحزب وأولئك الذين يتعاطفون مع الحزب. لكن الأهم، أراد ممدانى اغتنام الفرصة لطرح نفسه، من خلال النقاش الدائر في الحزب الديمقراطي، ضمن الاتجاه الصاعد الذى يدعى “التقدمية” مقابل الاتجاه الذى يشيرون اليه بال “المعتدل”. ان ممدانى أراد الانتماء إلى قيادة جديدة للحزب الديمقراطي تعمل على التجديد داخل الحزب الديمقراطي محل القيادة ألحالية التي فشلت تحت ضربات دونالد ترامب.
إن انتخابات عمدة مدينة نيويورك لا تنعزل عن مشهد الصراع المسيطر على الساحة السياسية بين الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، والذى ظل يدور حول تبوء السلطة لحماية المصالح المتضاربة للفئات الرأسمالية المختلفة التي يمثلانها؛ فانهما وجهان لعملة واحدة. فكلاهما يمثل الأولغاركية المالية الحاكمة. وخلال الثلاث عقود الأخيرة سادت صراعات حادة تدور داخل الحزبين وبينهما. ويعزى هذا الوضع للازمات التي يعانى منها الاقتصاد الأمريكي الذى أدى لتفاقم التناقض بين رأس المال والعمل المأجور الذي يؤججه نظام يركز أربعين في المائة من الثروة في يد واحد في المئة من السكان. وهذا يفسر الاحتجاجات الشعبية الواسعة خلال العام 2011 ( حركه احتلوا وول ستريت) وفى العام 2020 (المظاهرات والاضطرابات التي شهدتها بعض المدن الأمريكية). كان المحرك الاساس لتلك الاحتجاجات التذمر الجماهيري من الواقع السياسي والاجتماعي المنحاز للأولغاركية المالية الحاكمة المكونة من كبار المصرفيين والصناعين؛ مع ملاحظة أن اقتصار الاحتجاجات المذكورة على رفع شعارات متجذرة في سياسات الهوية مثل المظالم العرقية والعنصرية، ما هو الا ستارا يخفى الدوافع السياسية الحقيقية للحراك؛ ففي الولايات المتحدة الأمريكية فان العدالة الاجتماعية/الاقتصادية أمست المحور الرئيس الذى تواجهه الساحة السياسية.
ان الحزب الديمقراطي – الذى يتركز نشاطه الانتخابي تاريخيا نحو القطاعات الامريكية التي تنشد التغيير وفى طليعتها العمال والمكونات الاجتماعية الأخرى التي تعاني من سطوة الاوليغاركية المالية – اخذ خلال السنوات الأخيرة يعتمد على سياسات تحت مسميين منفصلين:
– (Diversity, Equity and inclusion “DEI”) – التنوع والشمول والإنصاف.
– و(Woke) – اليقظة.
اختصارا هذه السياسات تعتمد على “سياسات الهوية” التي تهدف الى تبديل القيم التقليدية السائدة في المجتمع والمرتبطة بجوانب الحياة الاجتماعية، لتشمل العديد من القضايا الاجتماعية مثل الوعى بالمظالم وخاصة التحيز العنصري والتمييز، وخلق ثقافة يشعر فيها الجميع بالاحترام والتقدير والشعور بالانتماء، بالاضافة لتحقيق الإنصاف الذى ينطوي على إزالة الحواجز المنهجية وتقديم دعم مخصص بناء على الاحتياجات الفردية لضمان فرص عادلة للجميع.
كذلك، شملت “سياسات الهوية” العبارة التي اطلقها الديمقراطيون : “ابق مستيقظا” وهى دعوة للمواطنين ان يكونوا متنبهين للتهديدات ذات الدوافع العنصرية وعدم المساواة الاجتماعية مثل عدم المساواة بين الجنسين وحقوق المثليين (زواج المثليين) وأشكال التمييز العرقية والعنصرية (الديمقراطيين يصفون العنصرية الموجود حاليا في أمريكا بالعنصرية البنيوية “Structural Racism” القائمة على قوانين جم كرو! “Jim Crow”).
بينما يحدث هذا على صعيد الحزب الديمقراطي، ظل الحزب الجمهوري -ككيان محافظ- يحصر معظم سياساته على المسائل الاقتصادية والمالية.
ومع ازدياد توسعه في “سياسات الهوية”، ظل الحزب الديمقراطي يفقد قواعده الانتخابية وخاصة العمال. فصار نشاط الحزب يتم في إطار من الشعبوية والفوضوية الداعية الى إذابة الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بدون طرح أي تصور للكيفية التي يتحقق بها هذا. أصبحت سياسات الديمقراطيين تحمل تصورات مجردة لا تحمل أي توجه سيأسى تقدمي حقيقي، وعاجزة (او بالأحرى لا تريد) عن مواجهة معاناة العمال نتيجة فقدان وظائفهم اثر تقلص الإنتاج الصناعي خلال العقود الأربعة الأخيرة، أو تقديم الحلول لمجابهة تقلص أجورهم الحقيقية التي أدى اليها التضخم المتفاقمة وتيرته في نفس الفترة. كما، ظلت القاعدة الانتخابية للحزب الجمهوري تتوسع باطراد نتيجة لرفض المواطنين ” لسياسيات الهوية” للحزب الديمقراطي لدرجة الاشمئزاز منها مثل “التحول الجنسي للأطفال” الذى يشمل قيام الاطباء بتحويل الطفل من جنس إلى آخر بالإخصاء الكيميائي والبتر الجراحي للأعضاء التناسلية، إضافة إلى تشجيع الاستعمال الواسع لأدوية تأخير البلوغ (Delayed Puberty)- وهو تأخير في بدء النمو الجنسي عن الوقت المتوقع له.
ان النفور المتزايد للمواطنين من سياسات الهوية للحزب الديمقراطي وخداع الحزب الجمهوري بادعائه الانحياز لقضايا العمال أدى الى فوز ترامب الكاسح انتخابات الرئاسة في 2024 الذى اربك التفاهمات والتوازنات بين الحزبين.
ومن الوقائع الجديرة بالاعتبار التي تبين ان الاشتراكية الديمقراطية لا تعنى شيئا للمواطنين :
** ان اغلب المواطنين الذين صوتوا في الانتخابات لممدانى من ذوى الاعمار الصغير. ولا توجد معلومات موثوقة تتعلق بتصويت العمال، ولكن هناك تقارير في وسائل الاعلام الدارجة تشير الى ان أغلبية العمال لم يعطوا اصواتهم لممدانى، ومن هذه التقارير ما جاء في مقال لوكالة الاسوشيتد برس في 5/11/2025:
(How Key Demographic groups voted)؛
ومقال في مجلة النيوز النيوزويك في 5/11:
(The Working Class didn’t Win it for Mamdani).
والعمال الامريكيون يعرفون جيدا ماذا تعنى وعود ممدانى حول مجانية الأشياء التي لا حد لها، فتجربة كراكاس ماثلة أمام اعينهم.
** في خطوة غير متوقعة فقد دعم ترامب المرشح الديمقراطي (اندرو كومو) وهو من الشخصيات القيادية في الحزب الديمقراطي والذى اختار ان يخوض انتخابات منصب عمدة نيويورك كمرشح مستقل بعد ان فشل في احراز ترشيح حزبه للمنصب في الانتخابات التمهيدية. وهذا يدل على ان اتحاد الحزبين مسألة تظل محتملة لمواجهة أية اخطار تواجه النظام الرأسمالي؛ فبالرغم من ان اتجاه “الاشتراكية الديمقراطي” المتنام داخل الحرب الديمقراطي، لا يشكل خطرا على سيادة الإنتاج الرأسمالي، الا أن الرسالة التي يرسلها مظهر أي تناغم بين الحزبين البرجوازيين موجهة الى التنظيمات الماركسية-اللينينية التي تنتشر كالبراعم داخل المجتمعات الامريكية (التي ساعد على انتشارها تفاقم التناقض بين رأس المال والعمل المأجور). والذى يؤكد هذا وصف الجمهوريين الديماغوجي المتكرر لممدانى بانه “ماركسي وشيوعي”.
المسخ “الاشتراكي الديمقراطي” في نيويورك (2-2)
محمود محمد ياسين
في هذا الجزء الثاني من المقال نقدم استعراضا مقتضبا (الغرض منه ان يكون أساسا نظريا للجزء الأول المتعلق بانتخابات بلدية نيويورك) للاشتراكية الديمقراطية التي يحاول البعض احياءها بعد أن دحضتها، في القرن التاسع عشر، المادية الجدلية التي أثبتت أن الاشتراكية حقيقة تاريخية قائمة على أسس مادية يحسمها تطور القوى المنتجة وصراع الطبقات في المجتمع.
الاشتراكية الديمقراطية من منظور نظري
ان “الاشتراكية الديمقراطية” قديمة ترجع جذورها الى القرن التاسع عشر وظلت تتطور شكليا بدون ان يتغير محتواها، وهى منذ نشأتها نبعت من معيار برجوازي صغير في نقد الأنظمة البرجوازية قام به المفكرون الذين يناصرون الطبقة العاملة ضد البرجوازية.
المثال الساطع للاشتراكية الديمقراطية في القرن التاسع عشر تمثله أحزاب منها ” جمعية فابيان-وابرز ممثليها جورج برنارد شو ” و “الاشتراكية التطورية” لإدوارد برنشتاين “والحزب الديمقراطي الاشتراكي”. اعتقدت هذه الأحزاب بان الاشتراكية يمكن تحقيقها تدريجيا من خلال الوسائل الديمقراطية والتشريعية.
ان الأساس الفلسفي للاشتراكية الديمقراطية هو التجريبية البراغماتية والفلسفة الوضعية التي ترى ان وعى الانسان يقوم على ادراك الظواهر المحسوسة وما داخلها وما بينها من علاقات. والوضعية التي يرجع تأسيسها لأوغست كونت في القرن التاسع عشر تطورت منذ أوائل القرن العشرين لما عرف بالوضعية الجديدة (neo-positivism) في شكل النقد التجريبي (empirio-criticism) في روسيا القديمة وفى “حلقة فيينا-” أو “مدرسة فيينا الوضعية” . وواصلت الوضعية الجديدة تطورها ما أدى الى ظهور مدارس عديدة اهمها الوضعية المنطقية ونظرية معرفتها القائلة بأن الظواهر المحسوسة يمكن التحقق من كنهها الحقيقي من خلال الملاحظة المباشرة أو الأدلة المنطقية. واطار التفكير النقدي لدى الوضعية يتم بالاستفادة من التقدم الهائل في المنطق (القائم على التفكير الاستقرائي “inductive” والاستدلالي “deductive”) ومناهج البحث النظرية والتجريبية المطبقة في مجال العلوم الطبيعية والرياضيات. والوضعية الجديدة تسعى الى وضع قوانين ونظريات، مبنية على المعرفة الوضعية الملتزمة بالطرق العلمية (scientific methods) لتفسير الظواهر الاجتماعية.
والمدارس المختلفة للوضعية الجديدة تعتبر نفسها “فوق” كل من المادية والمثالية ولكنها في الواقع ليست أكثر من فرق متنوعة من المثالية الذاتية؛ فهي تكتفى بالثبات عند حدود المظهر الخارجي للظواهر وتفسيره عن طريق نظرية المعرفة لديهم التي تمثل مجرد وسيلة أو أداة تستخدم في ضع نظريات بصورة مسبقة عن طريق الاستقراء والاستنتاج، اعتمادا على المنطق الشكلي، وكذلك، تتسم الوضعية بأنها لا تاريخية (ahistorical).
في القرن العشرين كانت للينين ريادة دحض الوضعية الجديدة فلسفيا وكشفها كفلسفة رجعية يدفعها عجزها عن تحد الوضع القائم (status quo)، والحفاظ عليه في نهاية المطاف. انجز لينين هذه المهمة في مؤلفه الفلسفي الشهير ” المادية والنقد التجريبي-1905″. وعلى الصعيد السياسي، بعد الحرب العالمية الأولى، أدت الثورة الروسية الى هزيمة الاشتراكية الديمقراطية بشكل ساحق وتأسيس دولة العمال الاشتراكية.
لكن تعزيز النظام العالمي الإمبريالي منذ القرن العشرين وتجديد الحياة في جسم الرأسمالية، اخذت الاشتراكية الديمقراطية في الانتشار نتيجة لتدنى حدة التناقضات الطبقية الملازمة للرأسمالية اثر تحولها النوعي. وبينما تمسك الشيوعيون بنهج كشف حقيقة الانتاج الرأسمالي وقوانينه الاستغلالية، فضل الاشتراكيون الديمقراطيون الإصلاح. ومنذ عشرينيات القرن العشرين إلى السبعينيات حازت الأحزاب ذات التوجه الاشتراكي الديمقراطي على السلطة في العديد من البلدان الغربية، مثل بريطانيا والسويد، وأجرت بعض الإصلاحات الاجتماعية والاعتماد على سياسيات كينزية (Keynesian policies) لمواجهة التقلبات الدورية للنظام الرأسمالي. وفى نهايات القرن العشرين بعد سقوط دولة الاتحاد السوفيتي، تخلت بعض الأحزاب الشيوعية عن أسس الماركسية واتجهت الى تعريف نفسها كتنظيمات اشتراكية ديمقراطية.
الاشتراكية الديمقراطية تحمل رؤى وتصورات ذاتية مثالية لما يجب ان يكون عليه الواقع الاجتماعي/الاقتصادي للتاريخ والاقتصاد. وتمثل الاشتراكية الديمقراطية، التي تعتبر فى عصرنا تيار إصلاحي داخل الرأسمالية، تيارات مختلفة صعدت، كما مر ذكره، للسلطة في بعض البلدان الاوربية الغربية. واما كمثال لها في البلدان النامية، فهناك “الاشتراكية العربية” و”الاشتراكية الافريقية” و”الأحزاب البعثية”. ورغم التفاوت في البيئات والمرحلة التاريخية، فان الافكار الاشتراكية الديمقراطية تشترك في ان مطالبها تتلخص في تحقيق عدالة اجتماعية ضمن النظام السائد بفكرة إمكانية إصلاحه بإجراءات وأدوات سياسية (الضرائب التصاعدية، الرفاه اجتماعي، حقوق العمال، الضمان الصحي والتعليمي الشامل، وليس بتغيير البنية الاقتصادية وعلاقات الإنتاج نفسها. لكن، ان أي تغيير، يسعى لتحقيق العدالة الاقتصادية في واقع اقتصادي رأسمالي او شبه رأسمالي (المتسبب بالضرورة في عدم المساواة)، لن يتجاوز مجرد إصلاحات محدودة لا أكثر.
في الولايات المتحدة الامريكية فان الاشتراكية الديمقراطية لها تاريخ طويل تمثل في ( الحزب الاشتراكي الأمريكي ( –Socialist Party of America—الذى اسس في العام 1901 وتم حله في 1972 . وفى 1982 تأسس تنظيم الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا (DSA).
بخلاف الاشتراكية الديمقراطية، فان الاشتراكية العلمية اثبتت ان تطور المجتمعات الإنسانية هو التطور المادي الفعلي للمجتمع، أي تطور قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج في ظل المجتمعات الطبقية، وليس الأفكار أو الأخلاق أو حسن القصد وهكذا فان الاشتراكية العلمية تقوم على أساس مادى يتلخص في ان الحقب الاجتماعية/الاقتصادية تاريخية تتبدل وتتغير بصورة دائمة في الشكل والمحتوى بفعل قوانين موضوعية. فالاشتراكية ضرورة تاريخية وليست فكرة أخلاقية مجردة، وتنبع من صراع التناقضات الطبقية في المجتمع؛ كمثال نجد في الرأسمالية ان الاشتراكية لا تتشكل من دوافع ذاتية من العدالة أو فعل الخير المجرد ، بل من صراع التناقض المادي بين الطابع الاجتماعي للإنتاج الذى يقوم به ملايين الناس والطابع الخاص للملكية حيث تذهب الثروة المنتجة لقلة من الرأسماليين. ان حل هذا التناقض في مجرى الصراع الطبقي يقود لقلب نظام الملكية لصالح الطابع الاجتماعي لوسائل الإنتاج.



