السودان.. الحرب تفاقم أزمة المأوى

منتصر عبد الماجد
نشرت منصة “ReliefWeb” تحليلاً عن الوضع في السودان خلال الفترة (24 – 30) أغسطس 2026، أعدته مؤسسة “Data Friendly Space”، بالاعتماد على بيانات ومعلومات من وكالات ومنظمات إنسانية، بينها مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، واليونيسف (UNICEF)، ومنظمة الصحة العالمية (WHO)، وبرنامج الأغذية العالمي (WFP)، والمنظمة الدولية للهجرة (IOM)، إلى جانب مصادر إنسانية ومحلية أخرى.
ويشير التحليل إلى تفاقم أزمة المأوى والمواد غير الغذائية نتيجة استمرار القتال واتساع حركة النزوح، فيما زادت الأمطار والفيضانات من حجم الأضرار والاحتياجات، بالتزامن مع تراجع التمويل الإنساني وصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة.
تضرر المنازل
وأدت الأمطار والفيضانات إلى أضرار إضافية في مناطق تعاني أصلاً من آثار الحرب والنزوح، وبحسب التحليل، فقد تضررت منازل وشبكات للمياه والصرف الصحي ومرافق صحية، وقد بلغ عدد المتضررين من الفيضانات حتى يوليو 2026 ما لا يقل عن 11,837 شخصاً، ويشير التحليل إلى أن هذه الأضرار زادت من حجم احتياجات السكان والنازحين في وقت تواجه فيه الاستجابة الإنسانية صعوبات بسبب تدهور البنية التحتية واستمرار القتال.
ففي نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، تفاقمت أزمة المأوى بين النازحين الذين يعيش بعضهم في العراء، بينما لجأ آخرون إلى مدارس متضررة ومكتظة. ويشير التحليل إلى أن بعض الفصول تستضيف ما بين 7 إلى 10 عائلات، في ظروف قاسية، خصوصاً مع هطول الأمطار وتسرب المياه إلى أماكن الإقامة، وفي الوقت نفسه تواجه الأسر النازحة نقصاً حاداً في الغذاء والمياه والأدوية ومستلزمات النظافة.
وفي ولاية النيل الأزرق، أدى تجدد القتال خلال أغسطس إلى موجة نزوح جديدة، خصوصاً في منطقتي قيسان والكرمك. وبحسب بيانات المنظمة الدولية للهجرة، فقد نزح نحو 14 ألف شخص بين 11 و18 أغسطس، بينما قدرت جهات محلية عدد الفارين من قيسان بنحو 20 ألفاً. ويشير التحليل إلى أن أعداداً كبيرة من النازحين لجأت إلى المدارس وتجمعات عشوائية تفتقر إلى الخدمات الأساسية، وأدى ذلك إلى زيادة العبء على الموارد المحدودة للمجتمعات المستقبلة.
أزمة مدينة الأبيض
ولا تقتصر أزمة المأوى على مناطق النزوح الجديدة، حيث تواجه مدينة الأبيض والمناطق المحيطة بها ضغوطاً متزايدة مع استمرار تدفق النازحين. ويشير التحليل إلى وصول أكثر من 15 ألف أسرة منذ منتصف يوليو، إلى جانب أكثر من 200 ألف نازح وصلوا خلال موجات سابقة. ومع تزايد أعداد النازحين، زاد الضغط على خدمات المياه والصرف الصحي، حيث تجاوز عدد مستخدمي دورة المياه الواحدة 100 شخص في بعض مواقع النزوح.
وتكشف هذه الأرقام عن حجم الضغط على مواقع النزوح في الأبيض، مع تزايد أعداد الوافدين مقابل محدودية الخدمات المتاحة. وبحسب التحليل، فقد أظهرت صور الأقمار الصناعية إنشاء نحو 800 خيمة جديدة في بعض مواقع النزوح خلال الفترة بين 4 و25 أغسطس، ما يعكس سرعة توسع التجمعات مقارنة بقدرة الاستجابة الإنسانية على توفير الخدمات الأساسية.
وفي الخرطوم، تتخذ الأزمة شكلاً مختلفاً مع عودة أعداد كبيرة من السكان إلى مناطق تعرضت لدمار واسع. وبحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فقد وصل نحو 2.1 مليون شخص إلى ولاية الخرطوم، لكن كثيراً من العائدين لا يستطيعون العودة إلى منازلهم أو إصلاحها بسبب الألغام والذخائر غير المنفجرة، وتضرر شبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية.
ويشير التحليل إلى أن ارتفاع الإيجارات يزيد من صعوبة العودة، ويدفع بعض الأسر إلى الإقامة لدى أقارب أو أسر مضيفة.
وفي جبل أولياء، تراوحت بعض الإيجارات بين 300 ألف و600 ألف جنيه سوداني، وهذا يضيف عبئاً جديداً على الأسر التي تحاول استعادة حياتها في مدن ما زالت تعاني آثار الحرب.
ويشير التحليل إلى أن أعداد كبيرة من المدارس قد تضررت جراء الحرب، فيما تحولت أخرى إلى أماكن لإيواء النازحين، ما زاد الضغط على قطاع التعليم. وبحسب تحديث اليونيسف نصف السنوي عن السودان، ظلت نحو 81% من مدارس دارفور مغلقة خلال الفترة من يناير إلى يونيو 2026، فيما استُخدمت نحو 5.8% من المدارس كمراكز إيواء. كما لحقت أضرار كبيرة بمؤسسات التعليم العالي، وقدرت خسائرها بنحو 3 مليارات دولار.
وبحسب التحليل تتجاوز احتياجات النازحين توفير سقف مؤقت، إلى الحاجة إلى الخيام ومواد إصلاح المساكن والأسقف ودورات المياه، إضافة إلى البطانيات والمراتب والملابس والفوط الصحية ومستلزمات النظافة والأدوات المنزلية الأساسية، فضلاً عن أدوية الأمراض المزمنة.
ونسبة لظروف المأوى المكتظة وضعف المياه والصرف الصحي، فقد انعكس ذلك على الوضع الصحي. فبحسب منظمة الصحة العالمية، يواجه النظام الصحي نقصاً في الأدوية والمستلزمات الطبية الطارئة ومواد المختبرات، إلى جانب مشاكل في الكهرباء والمياه. ويتزامن ذلك مع مخاطر تفشي أمراض، بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة والدفتيريا، في وقت يواجه فيه الأطفال مخاطر مرتفعة من سوء التغذية.
تحذيرات أممية
وتحذر اليونيسف من أن أكثر من 825 ألف طفل في السودان معرضون لخطر الوفاة بسبب سوء التغذية الحاد خلال عام 2026، فيما تقترب أجزاء من دارفور من مستويات المجاعة. ويجعل الجمع بين نقص الغذاء والمياه والمأوى والرعاية الصحية الأطفال والأسر النازحة أكثر عرضة للأمراض وسوء التغذية.
ورغم وصول مساعدات المأوى إلى نحو 660 ألف شخص بين يناير ويونيو 2026، لا تزال الاستجابة دون حجم الاحتياجات. ويشير التحليل إلى أن القتال والضربات بالطائرات المسيّرة تعرقل وصول المساعدات، بينما يزيد موسم الأمطار من صعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة. كما تعيق أسعار المواد المرتفعة وصعوبة نقلها توسيع عمليات الإغاثة.
ويزيد نقص التمويل من صعوبة الاستجابة الإنسانية. فبحسب التحليل، لم تتجاوز نسبة التمويل نحو 40% من إجمالي الاحتياجات المدرجة في الخطة الإنسانية بحلول منتصف العام. ويهدد هذا العجز بتقليص برامج المساعدات خلال الأشهر المقبلة، في وقت تتواصل فيه موجات النزوح وتتزايد الاحتياجات.
وتتجاوز أزمة المأوى توفير أماكن للإقامة، حيث تدمر الحرب المنازل وتدفع مزيداً من السكان إلى النزوح، بينما تزدحم مراكز الإيواء وتتراجع خدمات المياه والصرف الصحي. ومع استمرار المخاطر الصحية والأمنية ونقص التمويل، تتسع الفجوة بين الاحتياجات وقدرة الاستجابة الإنسانية.



